تركي بن عبدالله الوادعي : الفساد الإداري من منظور الشرع... إخلال بالعدل وإضرار بالمجتمع

منذ 3 ساعات

تركي بن عبدالله الوادعي الفساد آفة سرطانية تتسلل بهدوء من ثغرات صغيرة في السلوك والإدارة، ثم تتكاثر حتى تصبح نمطًا تحكم العلاقة بين الوظيفة والمال والخدمة العامة، وخلال هذه المرحلة يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخطأ، وتتحول التجاوزات إلى أمر طبيعي ومألوف، وتصبح النزاهة استثناءً يحتاج إلى شجاعة وهذه النقطة هي الأخطر لأنها تعني أن الخلل تجاوز كونه عملًا فرديًا، إلى منظومة مترابطة

النص القرآني وضع إطارًا صارمًا لهذه القضية، واعتبر الفساد انحرافًا يهدد التوازن العام للحياة، وحين يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ فهو يقرر أن الأصل هو النظام والاستقامة، وأن أي عبث بالمال العام أو الحقوق أو الوظيفة هو اعتداء على هذا الأصل، وحين يربط القرآن بين أفعال الناس ونتائجها في قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فإن الرسالة هنا عملية وواضحة { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون} [سورة الروم:41]

ومن واقع العمل الإداري والميداني، يمكن قراءة الفساد على ثلاثة مستويات متداخلة

على مستوى الفرد، يبدأ الأمر بتبرير بسيط: “الجميع يفعل ذلك”، أو “هذه مجرد مصلحة عابرة” وهذه اللحظة هي نقطة الانزلاق الأولى، حيث تتراجع قيمة الأمانة أمام المصلحة الشخصية، ومع الوقت يفقد الموظف أو المسؤول حساسية الخطأ، ويصبح مستعدًا لتوسيع دائرة التجاوز

وعلى مستوى المؤسسات العامة، تظهر مؤشرات أكثر خطورة: تعطيل المعاملات إلا بمقابل، تفضيل غير المستحقين، ضعف التوثيق، وغياب المساءلة، وهنا يتحول الفساد إلى بيئة عمل كاملة تشجع عليه أو تغض الطرف عنه فتفقد المؤسسة العامة وظيفتها الأساسية، وتتحول إلى عبء على الدولة بدل أن تكون أداة لخدمتها

أما على مستوى الدولة، فالنتائج أكثر كلفة يلتهم الموارد، ويعرقل الاستثمار، ويضعف ثقة المواطن، ويخلق فجوة بين النص القانوني والتطبيق الفعلي هذه الفجوة هي التي تفتح الباب لاضطرابات اجتماعية أو اقتصادية، لأن الناس حين تفقد الثقة في العدالة، تبحث عن بدائل خارج إطار النظام

ولمواجهة هذا الواقع، يجب أن يكون بمنظومة من القيم الدقيقة والإجراءات المالية والإدارية الواضحة والقابلة للتتبع بشفافية تامة تبدأ بالوضوح

الجانب الآخر هو الاستقلال الحقيقي لأجهزة الرقابة، فأي جهاز رقابي بلا صلاحيات أو بلا حماية قانونية يتحول إلى واجهة شكلية، والمطلوب تمكين هذه الأجهزة من الوصول إلى المعلومات، واتخاذ الإجراءات، وإحالة المخالفين دون تدخل أو ضغط

 والتحول الرقمي يمثل اليوم أداة فعالة في هذا السياق، وكلما قل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، تقلصت فرص الابتزاز أو التلاعب، ومن يقرأ تجارب الدول الشقيقة في إدارة الأنظمة الإلكترونية سيلاحظ الفرق، لاسيما إذا تم تصميمها بشكل محكم، فإنها تفرض مسارًا واضحًا للإجراء وتسجل كل خطوة، مما يجعل التلاعب أكثر صعوبة

ويبقى العنصر الأبرز في مواجهة الفساد هو الوعي بالقوانين والأنظمة، يأتي في هذا الإطار دور التعليم ومنبر الجمعة والإعلام في ترسيخ فكرة أن الوظيفة العامة أو الخاصة أمانة، وأن المال المستأمن عليه مسؤول عنه أمام الله ثم أمام الدولة والتهاون فيه خيانة للمجتمع كله

(وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) * وزير الأوقاف والإرشاد اليمني