تعز: لوحات الفن مساحة للأمل والدعم النفسي

منذ 3 ساعات

تعز- هائل الفقيهفي مدينة تعز التي أنهكتها الحرب والأزمات، تحولت الألوان لدى مبادرة «ضوء الفن» إلى وسيلة للتعبير ومساحة لاستعادة الثقة ونافذة للأمل

ترفع فتاة صغيرة فرشاة رسم ملوثة بالألوان داخل غرفة ضيقة تتسرب إليها خيوط الشمس

 تمتد أصابعها على اللوحة البيضاء بخطوط مترددة تحاول اقتلاع شبح الخوف من الذاكرة

 تأسست مبادرة ضوء الفن في شهر مايو 2021، داخل مدينة تعز على يد الفنانة منار الشميري

تجاوزت المبادرة أطر الفن التقليدي لتتحول إلى مساحة تفاعلية تقدم الدعم النفسي عبر الفنون البصرية للمتأثرين بالنزاعات

وتسعى المبادرة إلى استخدام الفنون البصرية في خدمة المجتمع، وربط الابداع بالتعبير والدعم النفسي وقضايا السلام والمناصرة

وبدأت «ضوء الفن» بفكرة تحويل الفن من نشاط عادي إلى مساحة يستطيع فيها الإنسان التعبير عن نفسه والتفاعل مع الآخرين

تقول مؤسسة المبادرة الفنانة منار الشميري: إن الهدف منذ البداية لم يكن تعليم الرسم أو إقامة المعارض فقط، بل خلق مساحة يشعر فيها الإنسان بقدرته على التعبير والمشاركة، حتى وإن لم يكن فناناً محترفاً

وتوضح أن الفن يمكن أن يمنح الأشخاص في البيئات المتأثرة بالأزمات فرصة لاستعادة شيء من التوازن والثقة والتواصل

وتضيف الفن بالنسبة لنا وسيلة للتواصل، وأحياناً تكون هناك مشاعر لا يستطيع الشخص أن يشرحها بالكلمات، لكنه يستطيع أن يضعها في لون أو شكل أو لوحة

وبهذا النهج، تجاوزت المبادرة النشاط الفني التقليدي لتربط الإبداع بحياة الناس واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية

وفي ورش الرسم، لا تقتصر المشاركة على إنتاج لوحة جميلة، بل تمنح المشاركين فرصة للتجربة والاختيار والتعبير

تقول الفنانة منار الشميري إن نجاح الورشة لا يقاس بعدد اللوحات فقط، وإنما بقدرة المشاركين على تجاوز التردد والانخراط في النشاط والتعبير عن أنفسهم

وتؤكد أن الأنشطة الفنية ليست بديلاً عن العلاج أو الرعاية النفسية المتخصصة، وإنما مساحة مساندة للتعبير والتفاعل المجتمعي

وتقول إن الفن ليس بديلاً عن الطبيب أو الأخصائي النفسي، لكنه يمكن أن يكون مساحة مساندة، وأن يساعد الشخص على التعبير والتواصل والشعور بأنه ليس وحده

وتكتسب هذه المساحات أهمية خاصة في تعز، حيث تتداخل الضغوط النفسية مع الظروف الاقتصادية والاجتماعية وآثار النزاع

وقالت منظمة الصحة العالمية أن نحو سبعة ملايين شخص في اليمن يعانون من صدمات نفسية إو إجهاد مرتبط بالنزاع المستمر، والنزوح والفقر

وهذه الإحصائية قبل تجدد القتال الأخير في غرب تعز

حيث أدى القتال المستمر هناك إلى نزوح أكثر من 200 ألف شخص منذ يونيو الماضي حتى مطلع أكتوبر الجاري، حسب “منظمة الهجرة الدولية“

ويقول “صندوق الأمم المتحدة للسكان” إن عدد الأطباء النفسيين لا يتجاوز 46 طبيبا، مما يعني طبيب لكل 700 ألف شخص

وقالت خيرية الخليدي، مسئولة الوحدة النفسية في مستشفى الجمهوري في حديث مع “المشاهد” نشر في أكتوبر من العام الماضي، ان الوحدة قدمت الدعم النفسي لحوالي 500 حالة وتعافوا من المرض من إجمالي 1000 حالة استقبلتها الوحدة على مدار ثلاث سنوات

في سبتمبر 2022، نفذت المبادرة فعالية للدعم النفسي للأطفال من ذوي الاعاقات المزدوجة في مركز الخير للاعاقات المزدوجة، بتعز، وذلك بمشاركة تسعة أطفال من ذوي الإعاقات المزدوجة

وتقول الفنانة منار: نريد أن يشعر الجميع بأن لهم مكاناً في هذه المساحة

وتعتمد «ضوء الفن» على إشراك المستفيدين في صناعة النشاط، بدلاً من التعامل معهم كمتلقين

فالمشاركون يختارون الألوان والأفكار، وينفذون أعمالهم ثم يعرضونها ويتحدثون عنها

وتقول منار “نحن لا نريد أن يكون الشخص مجرد مستفيد يحصل على نشاط ثم يغادر

نريده أن يكون جزءاً من النشاط، وأن يشعر بأن له دوراً وصوتاً

”وترى أن انجاز لوحة بسيطة وعرضها أمام الآخرين قد يمثل خطوة مهمة في بناء الثقة بالنفس، خصوصاً لدى الأطفال والشباب

ويمثل دعم الصحة النفسية للأطفال والمراهقين أولوية أخرى، حسب “منظمة الصحة العالمية“

 وتوضح المنظمة أن النهوض بالصحة النفسية للأطفال والمراهقين تشمل ” وضع سياسات وقوانين تحمي الصحة النفسية، ودعم مقدمي الرعاية، وبرامج مدرسية، وتحسين البيئات المجتمعية والبيئات الإلكترونية

ومن بين هذه النهج، تعد برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي في المدارس فعالة بوجه خاص في جميع مستويات الدخل

”وفي هذا الجانب، يقول الدكتور عدنان القاضي، المتخصص في الإرشاد والعلاج النفسي بجامعة تعز، إن الفن والرسم يمثلان وسيلة مهمة لمساعدة الأطفال على التعبير عن مشاعرهم، خصوصًا عندما يصعب عليهم التعبير عنها بالكلمات

ويوضح أن الرسم يمكن أن يكون «لغة بديلة للتعبير النفسي»، يعبّر الطفل من خلالها بالألوان والخطوط والأشكال عن مشاعر مثل الخوف والحزن والفقد وعدم الأمان، لكنه لا ينبغي اعتباره أداة لتشخيص الحالة النفسية، بل مساحة آمنة للتعبير والتواصل

ويشير القاضي إلى أهمية الأنشطة الفنية للأطفال المتأثرين بالحرب والنزوح والفقد، إذ يمكن أن تساعدهم على تنظيم انفعالاتهم واستعادة الشعور بالأمان وتقليل العزلة، كما يسهم إنجاز العمل الفني والتشجيع عليه في تعزيز الثقة بالنفس والشعور بالقدرة على الإنجاز، بينما تتيح الأنشطة الجماعية فرصاً للتعاون والتواصل والانتماء

ويشدد على ضرورة عدم تفسير لون أو رسم معين باعتباره دليلاً على اضطراب نفسي، مؤكداً أن فهم رسومات الأطفال يتطلب مراعاة أعمارهم وظروفهم وسياقهم النفسي والاجتماعي

و يؤكد القاضي أن الفن «ليس بديلًا عن العلاج النفسي المتخصص»، موضحاً أن استمرار الخوف أو الحزن الشديد، والعزلة الملحوظة، والكوابيس واضطرابات النوم، والتراجع الدراسي أو السلوكي، أو السلوكيات التي تنطوي على إيذاء النفس أو الآخرين، تستدعي تقييمًا من مختص في الصحة النفسية للأطفال

ويخلص إلى أن دور الفن في هذه الحالات يظل مسانداً، وقد يحتاج الطفل إلى تدخل نفسي أو أسري أو طبي بحسب طبيعة حالته

خلف أنشطة المبادرة، تظهر قصص إنسانية تعكس أثر المشاركة الفنية في حياة الأطفال

فقد لاحظت أم أيهم على ابنها الانطواء والتردد وصعوبة التعبير عما يشعر به، قبل أن يشارك في أحد الأنشطة الفنية التابعة للمبادرة

وتقول الأم إن طفلها أصبح أكثر ارتياحاً وتفاعلاً، وبدأ يتحدث عن رسوماته وما تعنيه بالنسبة إليه

وتضيف أكثر شيء لفت انتباهي أنه أصبح ينتظر النشاط ويشعر بالسعادة عندما يذهب، بالنسبة لي لم تكن المسألة مسألة رسم، بل شعرت أنه وجد مكاناً يستطيع فيه أن يعبر عن نفسه

وتعلق الفنانة منار الشميري عن انطباع أم أيهم قائلة: أن هذه التجربة لا تعني أن الفن عالج حالة نفسية، وإنما تكشف امكانية أن توفر الأنشطة الفنية الجماعية مساحة للتفاعل والتعبير والشعور بالانتماء

وتضيف الشميري إن مثل هذه الملاحظات من الأهالي تؤكد وصول المبادرة إلى الهدف الذي تسعى إليه

في فبراير 2022، استخدمت «ضوء الفن» الرسم لفتح مساحة للتعبير عن السلام، من خلال مشروع «ألوان السلام» بدعم من منظمة أجيال بلا قات، واستمر المشروع شهراً واستهدف 10 فنانين، في تعز

لم يقتصر المشروع على تطوير مهارات الرسم، بل منح الفنانين فرصة للتعبير عن مفهوم السلام من خلال أعمالهم وتجاربهم الخاصة

وتقول الشميري كنا نريد أن نعطي الفنانين فرصة للتعبير عن السلام بالطريقة التي يرونها هم

وترى أن اللوحة قد تصل إلى المتلقي بطريقة مختلفة عن الخطاب المباشر، وتدفعه إلى التساؤل والتفكير

ومن هذا المنطلق، أصبح الفن أداة للمناصرة وفتح النقاش حول قضايا السلام والمجتمع

في 2023، وسعت المبادرة دائرة المشاركة من خلال معرض «Space Art»، الذي جمع بين الفن والتعلم والتفاعل المجتمعي

ضم المعرض 144 لوحة فنية، واستفاد من أنشطته 185 طالباً وطالبة، في تجربة أتاحت لهم المشاركة في إنتاج الأعمال وعرضها أمام الجمهور

تقول الفنانة الشميري إن رؤية الطالب لعمله معروضاً أمام الجمهور تمنحه شعوراً بأن ما أنجزه له قيمة وأن صوته يمكن أن يصل إلى الآخرين

وتضيف نحن نؤمن بأن المشاركة نفسها جزء من التعلم، فقد لا يصبح كل مشارك فنان، لكن يمكن أن يخرج من التجربة وهو أكثر ثقة بنفسه وأكثر قدرة على التعبير

وهكذا تتحول اللوحة إلى تجربة شخصية تعزز لدى الطالب الشعور بالإنجاز والثقة

وفي 2024، امتدت تجربة «ضوء الفن» إلى مجال الإعلام من خلال مشروع «إعلاميون من أجل السلام»، بدعم من مؤسسة القافلة للتنمية، واستهدف 14 صحفياً وصحفية، بواقع سبعة ذكور وسبع اناث، بتعز

وتقول الشميري إن الجمع بين الفن والإعلام يفتح طرقاً مختلفة لإيصال الرسائل المتعلقة بالسلام وقضايا المجتمع

وتوضح نريد أن تكون القضايا الإنسانية حاضرة في الصورة والكلمة معاً، وأن يكون الإعلام والفن أدوات تساعد على نشر خطاب أكثر إيجابية وإنسانية

وبذلك اتسعت رؤية المبادرة للفن باعتباره جزءاً من منظومة أوسع للتواصل والمناصرة

تقول الشميري إن الألوان تمنح الأطفال وسيلة بسيطة للتعبير، موضحة أن رسوماتهم قد تكشف عن عالمهم ومشاعرهم أكثر مما تكشفه الأسئلة المباشرة

ولا تقتصر أعمال المبادرة على الجانب الجمالي، فيمكن للوحة أن تفتح نقاشاً حول قضايا المرأة والحقوق والسلام والحرب وغيرها من القضايا المجتمعية

وتقول الشميري إن الفن يستطيع لفت الانتباه إلى قضايا قد لا تصل بالطريقة نفسها من خلال الخطاب المباشر

وتضيف نحن نؤمن بأن الفنان جزء من مجتمعه، وبالتالي من الطبيعي أن يتفاعل مع قضايا الناس، وأن يستخدم أدواته للتعبير عنها

وبذلك يصبح الفنان طرفاً في النقاش حول قضايا مجتمعه ومستقبله

تواجه المبادرات الفنية والثقافية في اليمن بشكل عام وتعز على وجه الخصوص تحديات تتعلق بالتمويل والمساحات والموارد والاستدامة، خصوصاً مع اعتماد كثير من المشاريع على تمويل قصير الأجل

وتقول الشميري أكبر تحدي هو الاستمرارية، فتنفيذ مشروع لمدة شهر أو شهرين ممكن عندما يتوفر الدعم، لكن بناء مبادرة مستدامة تحتاج إلى موارد ومساحات وشراكات طويلة المدى

وتشير إلى صعوبة الحصول على الدعم للبرامج الفنية والثقافية في ظل الأولويات الاقتصادية والإنسانية المتزايدة

ومع ذلك، ترى أن المبادرات المحلية تتمتع بميزة قربها من المجتمع ومعرفتها باحتياجاته

لا تدعي مبادرة «ضوء الفن» أن الفن قادر وحده على معالجة آثار الحرب، لكنها تراهن على أثر يبدأ من الإنسان

فطفل يجد مساحة للفرح، وشاب يكتشف قدرته على الإنجاز، وامرأة تعبر عن قضية تهمها، وفنان يجد جمهوراً لعمله

تقول الشميري نحن لا نقول إن الفن سيحل كل المشكلات، لكننا نؤمن أن الإنسان يحتاج إلى مساحة يعبر فيها عن نفسه، وأن هذه المساحة يمكن أن تصنع فرقاً

وتضيف إذا خرج شخص من النشاط وهو يشعر بأنه أفضل، أو أكثر ثقة، أو أكثر قدرة على التعبير، فهذا بالنسبة لنا أثر مهم

وتقول الشميري نريد أن يستمر الفن كجزء من حياة المجتمع، وليس كفعالية مؤقتة، نريد مساحات يستطيع فيها الأطفال والشباب والنساء والفنانين أن يعبروا ويشاركوا ويشعروا بأن لهم مكاناً

وفي تعز، حيث تتراكم آثار الحرب والضغوط، تبدو الحاجة إلى هذه المساحات أكبر من حديث عن ترفيه؛ إنها مساحة للتعبير والمشاركة واستعادة الثقة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected][related_posts] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن