تعز: مبادرة إنسانية “تترك أثرًا” في المجتمع
منذ 5 ساعات
تعز – إلهام القاضي & نجوى حسنفي مدينة تعز، حيث تتقاطع المعاناة مع الأمل، برزت مبادرة “اترك أثر” كواحدة من النماذج الشبابية الملهمة التي نجحت في تحويل الألم إلى فعل إنساني نابض بالحياة
تقود هذه المبادرة جيهان الشرعبي، وتهدف إلى ترميم ما كسرته الحرب في نفوس الناس قبل تلبية احتياجاتهم المادية
تشمل المناطق الجغرافية للمبادرة: الضباب، التربة، البيرين، ومنطقة صبر بمحافظة تعز
لم تكن “اترك أثر” مجرد مبادرةٍ عابرة، بل جاءت كاستجابةٍ صادقة لواقع مأساوي فرضه الحصار، حيث تفشى الجوع والمرض وغابت أبسط مقومات العيش الكريم، ومن رحم هذه المعاناة، وُلدت فكرة العطاء التي تطورت سريعًا لتصبح مشروعًا إنسانيًا متكاملًا
تتحدث رئيسة المبادرة، جيهان الشرعبي، لـ”المشاهد” عن البدايات قائلةً: “الشرارة الأولى كانت فكرة عطاء وتراحم، حين رأينا تبعات الحرب؛ أسر تمر عليها أيام بلا طعام، ومرضى لا يملكون قيمة العلاج أو حتى أجرة الذهاب للطبيب للكشف
وشاهدنا حالات لم نكن نتخيل رؤيتها على أرض الواقع، ومن هنا كانت الانطلاقة”
وتستطرد الشرعبي في حديثها: “بدأنا بالسعي وطلب العون من أهل الخير لمساعدة الفقراء والمساكين، انتقلنا إلى واقع الناس المعاش وكيف تمر أيامهم وهم يفتقدون لأبسط المتطلبات، وبفضل الله، وجدنا استجابةً وأيادٍ بيضاء مدت لنا يد العون، فالمعدن الطيب موجود دائماً، كانت رؤيتنا مستمدة من إيماننا بالنجاح، وأننا بعد سنوات سنكون في مكانة تمكننا من جبر خاطر المكسور، وإطعام الجائع، وكسوة العريان، وإعانة المتعب، وكان الله معنا في كل خطوة”
رئيسة المبادرة جيهان الشرعبي: دأنا بالسعي وطلب العون من أهل الخير لمساعدة الفقراء والمساكين، انتقلنا إلى واقع الناس المعاش وكيف تمر أيامهم وهم يفتقدون لأبسط المتطلبات، وبفضل الله، وجدنا استجابةً وأيادٍ بيضاء مدت لنا يد العون، فالمعدن الطيب موجود دائماً
“ومع توسع نطاق العمل، لم تكتفِ المبادرة بتقديم المساعدات التقليدية، بل ابتكرت حلولًا عملية تراعي كرامة المستفيدين، ومن أبرزها مشروع إعادة تأهيل الملابس المستعملة وتحويلها إلى قطع لائقة، تزامنًا مع توزيع الملابس الجديدة
تروي الشرعبي تفاصيل التجربة: “بدأت فكرة تدوير الملابس عندما كنا نطلب تبرعات عينية، وكان البعض يقدم ملابس مستهلكة جدًا أو تالفة، وكنا نجتهد لتجديدها وتنظيفها وتوزيعها بجانب الملابس الجديدة؛ والهدف كان إيصال المساعدة للمحتاج بطريقة لائقة لا تجعله يشعر بالدونية، كنا نقوم بغسل الملابس وكيها وتغليفها في أكياس (قراطيس) لتبدو كأنها جديدة تمامًا
وبفضل الله، تطور الأمر وأصبحنا نشتري ملابس جديدة للأب والأم والأطفال”
ورغم الحصار الجائر وشحة الموارد، واصل فريق المبادرة العمل بروح جماعية وإصرار، معتمدين على الابتكار والتعاون المجتمعي لتجاوز كافة التحديات اللوجستية والمادية
لم يقتصر أثر المبادرة على الفئات المستهدفة، بل امتد ليشمل أعضاء الفريق أنفسهم، الذين وجدوا في العمل التطوعي دافعًا نفسيًا ومعنويًا؛ يعزز قدرتهم على الاستمرار رغم قسوة الظروف
توضح الشرعبي أن الحصار خلق أزمة كبيرة دفعت الناس للخروج للبحث عن لقمة العيش وشربة ماء
ورغم هذا التضييق، ابتكرنا فكرة المبادرة لنخفف من وطأة الحصار، مؤكدين أن المدينة ما تزال متكاتفة
فريق “اترك أثر” بذل جهودًا تفوق حجمه
حيث أنجز مهامًا تتطلب فرقًا كبيرة؛ وبسبب الحصار وفارق العملة، كان الفريق يبذل قصار الجهد للبحث في الأسواق وتوفير سلال غذائية بكميات معقولة وأسعار مناسبة لتشمل أكبر عدد ممكن من المحتاجين
هذا النموذج يعكس كيف يتحول العطاء إلى قوة دافعة لا تكتفي بتخفيف المعاناة، بل تسهم في بناء مجتمع متماسك يؤمن بقيم التكافل
من داخل الفريق، تبرز قصص إنسانية تعكس الجوهر الحقيقي للتطوع
تقول ياسمين سيف، متطوعة في المبادرة: “حبنا للخير وجبر الخواطر له مذاق مختلف عندما يكون تطوعًا؛ لذة العطاء بدون مقابل تجعلنا في راحة نفسية رغم كل التحديات”
وتستذكر ياسمين موقفًا مؤثرًا: “رأيتُ طفلًا أمام مستشفى يتمسك بأمه المريضة ويحاول حملها بكل قوته، ساعدته في إيصالها للطبيب، وكانت نظرات الطفل تمزج بين المناجاة والحاجة والأنين، شعرتُ حينها بانكسار أمام ضعفه، وتبيّن أن الأم تعاني من السكري وهبوط حاد بسبب الجوع”
وتضيف: “اشتريتُ لها العلاج ووجبة طعام، ورأيتهما يتقاسمان اللقيمات بلهفة وكأنهما عائلتي، عندما أوصلتهما للمنزل، اكتشفتُ أن الأم أرملة والابن يتيم يعيل أختين صغيرتين، تلك اللحظات تعزز يقيني بأن الخير لا ينقطع”
تؤكد ياسمين أن مجتمع تعز يظل مجتمعًا معطاءً رغم الفقر، مشيرةً إلى أن إلهام الشباب للتطوع يأتي من التعامل الأخلاقي، واعتبار فعل الخير “علاجًا نفسيًا” يعيد الأمل للحياة
وتطمح ياسمين لتوسيع نطاق المبادرة، متمنيةً أن يصبح لكل فرد في الفريق دائرةً تطوعية خاصة به، عملًا بشعارها: “الناس للناس، واعمل خيرًا تجد خيرًا”
لا يكتمل العمل الإنساني دون الالتفات للجانب النفسي
وفي هذا السياق، تؤكد الأخصائية النفسية ثريا الذبحاني، أن المبادرات التطوعية تلعب دورًا محوريًا في تعزيز “الصمود النفسي” وإعادة ترميم الذات قبل المحيط
تقول الذبحاني: “المبادرات الشبابية لا تقدم دعمًا ماديًا فحسب، بل تخلق إحساسًا بالأمن، وهو ركيزة أساسية في الصحة النفسية
وتحويل الفائض إلى مصدر فرح للأيتام والفئات الضعيفة؛ يعزز ثقافة المشاركة ويوطد الروابط المجتمعية”
المختصة النفسية ثريا الذبحاني: المبادرات الشبابية لا تقدم دعمًا ماديًا فحسب، بل تخلق إحساسًا بالأمن، وهو ركيزة أساسية في الصحة النفسية
وتحويل الفائض إلى مصدر فرح للأيتام والفئات الضعيفة؛ يعزز ثقافة المشاركة ويوطد الروابط المجتمعية”
وتضيف الذبحاني أن هذه المبادرات تسد فجوات تعجز عنها المؤسسات الكبرى بفضل سرعة استجابتها
ولضمان الاستدامة، تشدد على ضرورة تطوير العمل التطوعي بمهنية تجمع بين البُعد الإنساني والتأهيل النفسي وتدريب المتطوعين على مهارات التعامل مع الأطفال والفئات الهشة، بالإضافة إلى بناء شراكات مع منظمات محلية ودولية
وتقول: “إن توثيق قصص النجاح لهذه المبادرات يعزز ثقة المجتمع ويدعو إلى إدماج برامج دعم نفسي دائمة مرافقة للأنشطة الإغاثية”
مع تنامي أثر المبادرات الشبابية، يبرز دور المؤسسات الرسمية والإعلام كشركاء أساسيين لتحويل هذه الجهود إلى نماذج مستدامة
وتقول وفاء المقطري، الموظفة بمكتب الشؤون الاجتماعية والعمل بتعز: “إنه يمكن الاستفادة من هذه التجارب من خلال تعزيز التعاون بين الشباب والجهات الحكومية والمنظمات، مع توفير الدعم المالي والتقني”
“والدرس الأهم من صمود مبادرات تعز هو قدرة الشباب على التكيف والابتكار في أحلك الظروف”، بحسب المقطري
وتشير إلى الدور المحوري للإعلام في تسليط الضوء على هذه النماذج الإيجابية، ونشر قصص النجاح الملهمة لتوسيع نطاق أثرها في مناطق أخرى
في تعز، يثبت الشباب يومًا بعد آخر أن العطاء ليس رفاهية بل ضرورة إنسانية، ومبادرة “اترك أثر” هي برهان ساطع على أن النور يولد من قلب الألم، وأن الخير عندما يحمله المخلصون، يصبح قوةً قادرة على صياغة مستقبلٍ أفضل
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن