تقارب تركيا والسعودية في رؤيتهما لليمن

منذ شهر

غونول تول- معهد الشرق الأوسطترجمة عبدالله قائد- المشاهدبدأت تركيا تقترب تدريجيًا من السعودية، مع تصاعد التنافس بين الرياض وأبو ظبي في اليمن وما وراءه

وقد أقر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بالمخاوف السعودية علنًا، قائلاً في مقابلة تلفزيونية في 8 يناير إن “التطورات في المنطقة — وخصوصًا الأخيرة منها — تشكل تهديدًا للسعودية

”وبعيد ذلك بوقت قصير، ظهرت تقارير تفيد بأن أنقرة تسعى للانضمام إلى اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية التي وُقعت في سبتمبر الماضي، والتي تعتبر أي هجوم على أي من البلدين هو “اعتداءً على كلاهما

” غير أن هذه اللغة التي تعبر عن مبدأ “الواحد من أجل الجميع، والجميع من أجل الواحد” — والتي تذكر ببند الدفاع المتبادل رقم 5 في حلف شمال الأطلسي (الناتو) — قد أسهمت في إثارة مزاعم في واشنطن والشرق الأوسط بأن ثمة ترتيب إقليمي جديد يتشكل: وهو محور تركي-سعودي مدعوم بهيكل دفاعي يشبه الناتو، ومواز ضمنيًا ضدا على إسرائيل والإمارات العربية المتحدة

هذا التفسير يبالغ في الأمر

فالتطلعات الإقليمية لتركيا تتقاطع بشكل متزايد مع تلك الخاصة التطلعات الخاصة بالسعودية — من اليمن إلى سوريا وليبيا والقرن الأفريقي

وكل من أنقرة والرياض يفضلان وجود دول مركزية قوية كأساس للأمن والاستقرار الإقليمي المتكامل، في حين أنه غالبا ما دعمت الإمارات الفاعلين الذين يقوضون تلك السلطات المركزية

أنقرة والرياض يفضلان وجود دول مركزية قوية كأساس للأمن والاستقرار الإقليمي المتكامل، في حين أنه غالبا ما دعمت الإمارات الفاعلين الذين يقوضون تلك السلطات المركزية

كما تولي أنقرة أهمية كبيرة للتقارب مع الرياض، معتقدة أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يتمتع بعلاقات أقوى مع الرئيس دونالد ترامب مقارنةً بالقائد الإماراتي محمد بن زايد، وهي ديناميكية يراها المسؤولون الأتراك مفيدة بشكل محتمل لمعالجة القضايا العالقة مع واشنطن، وفقًا لمسؤول تركي تحدث إليه كاتب هذا التحليل

وعلى نحو جزئي من هذه الاعتبارات، تعمقت العلاقات الدفاعية والمالية بين تركيا والسعودية في السنوات الأخيرة

لكن أنقرة لا تستطيع تحمل موقف صريح مناهض للإمارات

ففي حين ساعدت قدرة السعودية على ضخ رؤوس الأموال، الرئيس أردوغان في لحظات حرجة، فإن النفوذ المالي للإمارات يسري بشكل أعمق وأكبر في بنية الاقتصاد التركي — من مشاريع تبادل العملات والأسواق المالية إلى مبادرات الشراكات — مما يمنح أبو ظبي نفوذًا بنيويا أكبر على أنقرة

كما أن تركيا حذرة من قوة اللوبي التي تمتلكه أبو ظبي في واشنطن، والتي يعتقد المسؤولون الأتراك أنها أضرت بمصالح أنقرة بعد أن دعمت الأخيرة جماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين عقب الانتفاضات العربية في 2011

وعليه فإن مصالح تركيا تكمن في موازنة علاقاتها مع السعودية والإمارات، وليس في اختيار واحد منهما

كما أن اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية — حتى مع احتمال مشاركة تركيا فيها — من غير المرجح أن تتحول إلى “ناتو إسلامي”

بل في أفضل حال يفهم على أنه إشارة سياسية تأتي للتأكيد على التضامن الإسلامي ردًا على ما تعتبره هذه الدول أفعالا مزعزعة للاستقرار تقوم بها إسرائيل المتهورة على نحو متزايد

مصالح تركيا تكمن في موازنة علاقاتها مع السعودية والإمارات، وليس في اختيار واحد منهما

كما أن اتفاقية الدفاع السعودية-الباكستانية — حتى مع احتمال مشاركة تركيا فيها — من غير المرجح أن تتحول إلى “ناتو إسلامي”

بل في أفضل حال يفهم على أنه إشارة سياسية تأتي للتأكيد على التضامن الإسلامي ردًا على ما تعتبره هذه الدول أفعالا مزعزعة للاستقرار تقوم بها إسرائيل المتهورة والأهم من ذلك هو أن أنقرة تفضل أن تكون الإمارات داخل هذا الائتلاف وليس خارجه، على الرغم من الخلافات المستمرة مع أبو ظبي

استخلصت أنقرة درسين واضحين من سياستها بعد الربيع العربي في دعم الجماعات التي تسعى للإطاحة بالحكومات المركزية في الشرق الأوسط

أولهما أن الفوضى التي أعقبت ذلك كانت دائمًا ما تقوض مصالح تركيا الخاصة

إذ دفعت الانتفاضة السورية بملايين اللاجئين إلى تركيا، مما جعلها أكبر مستضيف للاجئين السوريين في العالم، ومكّن من ظهور منطقة كردية مستقلة على حدودها، وهي نتيجة اعتبرتها أنقرة كتهديد أمني مباشر لها

وفي ليبيا، كلف انهيار السلطة المركزية الشركات التركية مليارات الدولارات بسبب العقود التي جرى تعليقها وإلغاؤها

وفي مصر، أدى النظام الجديد الذي أعقب الربيع العربي إلى تعقيد طموحات تركيا في شرق البحر المتوسط

والدرس الثاني هو أن ذلك ترك أنقرة معزولة إقليميًا، بل ومستهدفة مباشرة من قبل دول الخليج التي تحتاج تركيا إلى دعمها المالي بشدة، حيث لا تزال تركيا تسعى جاهدة من أجل التعافي من اقتصاد ضعيف

ومنذ عام 2020، أعادت تركيا ضبط سياساتها

فقد اتجهت لدعم الحكومات المركزية القوية، وتراجعت عن دعمها للحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وسعت لإصلاح العلاقات مع قوى خليجية مثل السعودية والإمارات

منذ عام 2020، أعادت تركيا ضبط سياساتها

فقد اتجهت لدعم الحكومات المركزية القوية، وتراجعت عن دعمها للحركات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وسعت لإصلاح العلاقات مع قوى خليجية مثل السعودية والإمارات

ترى أنقرة الآن أن ثمة استراتيجية إقليمية للحفاظ على الوضع الراهن — تركز على الاستقرار من خلال التجارة والاستثمار وتكامل البنية التحتية — ستكون أساسية لكل من الانتعاش الاقتصادي والنفوذ الدبلوماسي

وهذا الأسلوب في العمل يلتقي أكثر فأكثر مع استراتيجية محمد بن سلمان الاقتصادية طويلة الأمد للمملكة العربية السعودية، ممثلة برؤية 2030، التي تقوم على تعزيز التكامل الإقليمي وتقليل الصراعات لتمكين التنويع الاقتصادي

ووفقًا لهذا النهج، فمنذ عام 2021، عززت الرياض علاقاتها مع عمان، وأصلحت علاقاتها مع قطر، وطبعت العلاقات مع تركيا، وتوصلت إلى تفاهم برعاية الصين مع إيران، وسعت للتواصل مع الحوثيين وإدارة التوترات في اليمن

وإجمالا، فإن هذه الخطوات تشير إلى تحول واضح بعيدًا عن سياسات المواجهة الإقليمية نحو استراتيجية أكثر براغماتية، مبنية حول دعم الحكومات المركزية المعترف بها دوليًا في المنطقة وما ورائها

وقد اتبعت السياسة التركية هذا النهج مرارًا وتكرارًا، فأحيانًا بالتعاون مع السعوديين، وأحيانًا أخرى باقتفاء أثر السعودية، وفي بعض المجالات بشكل عرضي حينما كانت السعودية تقوم بذلك، غير أن الأهم من ذلك أنها كانت تتحرك في نفس الاتجاه

وفي اليمن، حيث أدت سيطرة الحوثيين على صنعاء في أواخر 2014 إلى اندلاع حرب أهلية قسمت الدولة، دعمت السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وبدأت تدخلًا عسكريًا لدعمها في مارس 2015 كجزء من تحالف إقليمي

وقد برز تمسك الرياض بالسلطة المركزية اليمنية المعترف بها دولياً بشكل أوضح مؤخرًا مع خروج الخلاف بينها وبين شريكها السابق في التحالف، أبو ظبي، إلى العلن

ففي 30 ديسمبر، شنت السعودية غارات جوية على ميناء المكلا في جنوب اليمن، مستهدفة ما قالت إنها شحنات أسلحة مرسلة من الإمارات إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، وهي جماعة انفصالية مدعومة إماراتياً تسعى لاستقلال جنوب اليمن

لقد توافقت تركيا مع تأكيد السعودية على وحدة اليمن وسلامة أراضيه

واليمن ذاته ليس محوريا في استراتيجية أنقرة الإقليمية ما بعد الربيع العربي؛ بل إن موقف تركيا إلى حد كبير يتبع تقلبات علاقاتها مع الرياض وأبو ظبي

ومنذ عام 2015، قامت أنقرة بضبط موقفها من اليمن وفقًا لعلاقاتها الأوسع مع هاتين القوتين الخليجيتين

وعندما انهارت علاقاتها مع السعودية والإمارات خلال الحصار الذي فرضته على قطر في عام 2017، أكد الرئيس رجب طيب أردوغان على الكارثة الإنسانية في اليمن ودعا إلى إنهاء الحرب

وعندما تحسنت العلاقات مع الرياض لاحقًا، غيّرت أنقرة نبرة موقفها، مدينة بشكل علني دور إيران في النزاع ودعمها للحوثيين

ويشير رد تركيا على آخر خلاف بين السعودية والإمارات في اليمن إلى توافق متجدد مع الرؤية الإقليمية للرياض

ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن