توثيق الموروث الزراعي.. دور نسائي ملهم في تعز
منذ 21 دقائق
تعز – وداد ناصر“أول مرة أتعمق بشكل كبير في معرفة فنون الموروث الزراعي الشفهي الغنائي المرتبط بمختلف الممارسات الزراعية، وأعرف أن المهاجل والملالات ليست الوحيدة التي يرتكز عليها الموروث الغنائي الزراعي، بل هناك ما يُسمى بـ”الداعي والمناجاة الروحية” في استحضار المشاعر الإنسانية في العمل الغنائي الزراعي، والتي تمثل منجمًا غنائيًا منسيًا يجب أن يكون حاضرًا في تكوين هوية تعز الفنية”
هكذا عبّرت رابعة المسني، إحدى الفتيات المشاركات في التوثيق المسموع “الفنون الشفهية” وفريق الأداء الغنائي ضمن مشروع “ثليم”
رابعة من بين أربع فتيات من مدينة تعز خضنَ تجربة العمل على توثيق الموروث الزراعي، والتعرف على مختلف الأعمال الزراعية، من خلال النزول إلى المجتمعات المحلية الريفية والالتقاء بالمزارعين من كبار السن
رابعة، كما تقول، عملتْ على توثيق الفنون الشفهية المرتبطة بالزراعة مثل المهاجل والملالات، حيث قامت بتوثيق الكثير من هذه الفنون الغنائية التي يتم تأديتها أثناء الأعمال الزراعية خلال الحرث مثل “التليم” و”البتيل” و”الخليف”، وفي الحصاد
وتؤكد رابعة أن التقاءها بالجدّات من نساء القرى الريفية أثرى معرفتها بالفنون الغنائية الزراعية وطريقة أدائها ومواعيد تأديتها، والارتباط الشعوري الإنساني حين يتم أداء هذه المهاجل في كل عملٍ زراعي
هيفاء علي، هي الأخرى من الفتيات اللاتي شاركنَ في توثيق الموروث الزراعي من فئة الصم والبكم، تقول: “إن طريق توثيق الموروث الثقافي المادي، لا سيما الزراعي، لم تكن تجربةً سهلةً بالنسبة لها كمصورة ومهتمة بالتوثيق المصور للموروث الزراعي؛ إذ إن توثيق الموروث الزراعي، وخاصةً الممارسات الزراعية الخاصة بالحرث وإبراز تفاصيلها، لا يحتاج فقط إلى أن تكون متمكنًا في الأمور الفنية الخاصة بإعدادات ضبط الكاميرا واختيار زوايا التصوير، بل يتطلب معرفةً ثقافية دقيقة وفهمًا مكتمل الأركان بتفاصيل كل ممارسةٍ زراعية؛ حتى تتمكن من تنفيذ خطة التوثيق وتوضيح اختلاف كل ممارسةٍ زراعية عن الأخرى، من خلال النص التوضيحي والوصفي لكل صورة تلتقطها”
وتضيف: “الاختلافات بين ممارسةٍ زراعية وأخرى قد تكون بسيطةً وتستدعي أن تكون مدركًا لهذه التفاصيل التقليدية من مسميات وطريقة عمل، حتى تستطيع التوثيق بشكل متسلسلٍ لمراحل كل ممارسةٍ زراعية”
تجربةٌ استثنائية خاضتها خمس فتياتٍ في مدينة تعز ضمن مشروع “ثليم” لتوثيق الموروث الزراعي، بدأت بورشةٍ تدريبية حول مهارات التوثيق البحثي المنهجي المكتوب والمصور والمسموع، ثم نشاطٍ ميداني عملي لتوثيق الموروث الزراعي بمختلف ممارساته وأدواته وفنونه الغنائية، وصولًا إلى المشاركة في جمع كل مخرجات التوثيق لتصبح متاحةً للجمهور عبر متحفٍ مفتوح
التدريب والتأهيل في توثيق الموروث الزراعي المادي واللا مادي في تعز، كما يؤكد مدير مشروع “ثليم” لتوثيق موروث الأرض بتعز، محمد أمين، تضمن التركيز على توثيق 22 ممارسةً زراعية وأداةً وفنون شفهية
وكان دور الفتيات اللاتي حصلنَ على دورةٍ تدريبية في جانب مهارات التوثيق البحثي المكتوب، والتدوين، والتوثيق البصري والمسموع؛ حيث تم تقسيم عمل التوثيق على فريقٍ مكونٍ من فتاتين لتوثيق كافة الممارسات الزراعية والأدوات بشكلٍ مكتوب من مزارعي المجتمع المحلي في ريف تعز الغربي، وفق استمارةٍ بحثيةٍ كان للفتيات المشاركات دور في تطويرها
ويضيف: “فريق التوثيق المصور وثّق ألبومًا يزيد عن 80 صورة وفيديو، واستطاع من خلال النزول الميداني مواكبة عمل المزارعين وتصوير مختلف الممارسات والأعمال الزراعية والأدوات، مع تدوين كافة البيانات التوضيحية الوصفية لكل محتوى بصري”
وكان جانب التوثيق المسموع للفنون الشفهية الزراعية بمشاركة رابعة المسني، وماجد توفيق، ويقول أمين: “ما تم إنجازه كان توثيق أكثر من مهجلٍ وملالاة مرتبطة بممارساتٍ زراعية خاصة بالحرث والحصاد، وتم إخراج عملَين غنائيَين مميزيَن”
وكان دور الفتيات المشاركات في توثيق الموروث الثقافي المادي واللا مادي في تعز لافتًا، حيث استطعنَ تجاوز كافة التحديات في النزول الميداني إلى قرى ريفية تتسم بوعورة الطرق، وتجاوز مشكلة تفكيك المفردات الدارجة لمختلف التسميات وأدوات موروث الزراعة، وتحويلها إلى محتوى توثيقي واضح ومكتمل
وكانت تجربةً جديدة اكتسبت الفتيات من خلالها مهاراتٍ إبداعية في مجال الحفاظ على الموروث الثقافي الزراعي، والعمل على إحيائه وتطويره إلى منتجٍ إبداعي اقتصادي
وفي هذا السياق، تقول عضوة فريق التوثيق المكتوب للموروث الزراعي، ياسمين المعمري: “العمل في التوثيق الزراعي هو تأسيس مهاري لي ككاتبة وصانعة محتوى، عزّز قدرتي على إنتاج بحثٍ مهني رصين يسهم في حماية تراثنا المادي واللا مادي، لا سيما المهدد منه بالتلاشي”
من جانبها، تشاركها الرأي عضوة الفريق، أبرار مصطفى، وتقول: “لم أتلقَّ تدريبًا عن الموروث الزراعي من قبل، فكان هذا المشروع بالنسبة لي برنامجًا نوعيًا اكتسبت من خلاله أدوات ومهارات جديدة في التوثيق المنهجي والبحثي للموروث”
لم يقتصر دور المشاركات في توثيق الموروث على التوثيق الميداني فحسب، بل كان لهنّ دور أساسي في الترتيب والتجهيز للمتحف الزراعي من حيث تصميم ديكور المتحف وتقسيمه، وتدوين كافة البطاقات التوضيحية لكل أداةٍ زراعية، واستقبال الزوار للمتحف وتدوين آرائهم
إشراك الفتيات في توثيق الموروث الثقافي الزراعي يمثل أهميةً تتجاوز مجرد تدريبهنَ على مهارات التوثيق؛ فهو يفتح أمامهنَ مساحةً للمشاركة الفاعلة في حفظ الذاكرة الثقافية المحلية وإعادة تقديمها للأجيال القادمة
وعن التحديات أثناء التوثيق الميداني المصور تكشف، هنادي مهيوب، أن التوثيق على الأرض الزراعية ليس سهلًا كما كانت تظن، وخاصة في مواسم الأمطار؛ فمن هذه التجربة أدركت أن التوثيق على الأرض يتطلب معرفةً بالمواسم المناسبة للتوثيق من ناحية التغيرات المناخية، وتواجد المزارعين على الأرض، وكذلك الممارسات الزراعية وتسمياتها المختلفة، وطريقة توثيقها وفق الأرشفة التوضيحية والممنهجة، وليس بشكل عشوائي
من جهته، يقول استشاري المشاريع الثقافية، جمال مقطري: “إن إشراك الفتيات في توثيق الموروث الثقافي الزراعي يمثل أهميةً تتجاوز مجرد تدريبهنَ على مهارات التوثيق؛ فهو يفتح أمامهنَ مساحةً للمشاركة الفاعلة في حفظ الذاكرة الثقافية المحلية وإعادة تقديمها للأجيال القادمة
وأضاف: “أظهرت تجربة مشروع ‘تليم’ لتوثيق الموروث الثقافي الزراعي المادي واللا مادي قدرة الفتيات على التعامل مع الموروث الزراعي بوصفه مادةً حية يمكن البحث فيها وتوثيقها وتحويلها إلى محتوى مكتوب ومرئي ومسموع، وليس مجرد موروثٍ محفوظ في الذاكرة”
ويتابع المقطري في حديثه لـ”لمشاهد”: “أهمية هذه المشاركة تزداد في ظل أن جزءًا كبيرًا من المعرفة المرتبطة بالممارسات الزراعية التقليدية ينتقل شفهيًا داخل الأسر والمجتمعات المحلية”
وأضاف: “النساء والفتيات يمثلنَ جزءًا مهمًّا من هذه الذاكرة والمعرفة اليومية المرتبطة بالعادات والممارسات والأغاني والأهازيج والمناسبات الزراعية
ولذلك فإن تمكينهنَ من أدوات البحث والتوثيق يمنحهنَ دورًا مباشرًا في حماية هذه المعرفة من التلاشي، وفي الوقت نفسه يعزز حضور المرأة كمنتجةٍ للمعرفة الثقافية وليس فقط كمتلقية لها”
جمال المقطري : القيمة الحقيقية لهذه النتائج تدريب وتأهيل الفتيات على توثيق الموروث الزراعي كهوية ثقافية يمنية مهددة بالتلاشي تكمن في أنها تضع جيلًا جديدًا من الشباب والفتيات في موقع المشاركة في حماية الذاكرة الثقافية المحلية
وأشار المقطري إلى أن مشاركة الفتيات في توثيق الموروث الثقافي الزراعي انعكست بصورةٍ عملية في مشروع “ثليم” من خلال تدريب المشاركين والمشاركات على أساليب التوثيق المنهجي، والوصول إلى توثيق 21 عنصرًا من عناصر التراث الثقافي الزراعي المادي واللا مادي بمحافظة تعز، إلى جانب إنتاج موادٍ صوتية توثق الأهازيج والمهاجل الزراعية، وإنشاء متحفٍ زراعي مصغر لعرض جانبٍ من هذه المخرجات
من وجهة نظر المقطري، فإن القيمة الحقيقية لهذه النتائج تدريب وتأهيل الفتيات على توثيق الموروث الزراعي كهوية ثقافية يمنية مهددة بالتلاشي تكمن في أنها تضع جيلًا جديدًا من الشباب والفتيات في موقع المشاركة في حماية الذاكرة الثقافية المحلية
ويُعقّب: “لتحويل هذه التجربة إلى نموذجٍ مستدام، من المهم ألا ينتهي دور الفتيات بانتهاء المشروع أو التدريب، وإنما أن يتمّ تطوير شبكةٍ من الموثقات الشابات، وتوفير فرصٍ مستمرة لهنَ للعمل في مشاريع التوثيق الثقافي، وربطهنّ بالمؤسسات الثقافية والجامعات والمبادرات المهتمة بالتراث”
وأشار إلى إمكانية تطوير قاعدة بياناتٍ وأرشيفٍ رقمي للموروث الزراعي في تعز، بحيث تصبح المواد التي يتم توثيقها متاحةً للباحثين والمهتمين والأجيال الجديدة
وأضاف: “من المهم كذلك الانتقال من التوثيق باعتباره نشاطًا مؤقتًا إلى اعتباره مسارًا مهنيًا وإبداعيًا يمكن أن يوفر للفتيات فرصًا في البحث الثقافي، والتوثيق البصري والسمعي، وإنتاج المحتوى الثقافي، والسرد الرقمي”
واختتم المقطري بقوله: “إذا توفرت للفتيات فرص التدريب المتقدم والتوجيه والشراكات، فمن الممكن أن تتحول تجربة ‘ثليم’ إلى نموذجٍ قابل للتوسع في محافظات يمنية أخرى، بحيث تصبح المرأة جزءًا أساسيًا من الجهود الرامية إلى حماية التراث الثقافي اليمني وتوثيقه وإعادة تقديمه بوسائط معاصرة”
الموروث الزراعي المادي واللا مادي في اليمن متنوع وغني بالكثير من الممارسات والفنون والعادات والتقاليد، ويختلف من منطقةٍ زراعية إلى أخرى
وإنّ تسليط الضوء على هذه التجارب الملهمة لفتيات تعز لا يمثل مجرد توثيقٍ لمرحلةٍ زمنية أو مشروعٍ عابر، بل يضع لبنةً أساسية في مشروعٍ وطني أوسع لحفظ الهوية اليمنية المهددة باندثار تفاصيلها الشفهية والمادية
كما أن الاستثمار في قدرات المرأة والشباب في مجال التوثيق الثقافي يحوّل المعرفة التقليدية إلى طاقةٍ إبداعية مستدامة، تُبقي علاقة الإنسان اليمني بأرضه حيةً في أذهان الأجيال القادمة ووسائط العصر الحديث
توثيق الموروث الثقافي الزراعي المادي واللامادي الذى تم تنفيذه في تعز وشاركت فيه النساء بفعالية يأتي ضمن برنامج توظيف الشباب من خلال التراث والثقافة في اليمن، وهو برنامج تنموي نفذته وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر (SMEPS) بالشراكة مع منظمة اليونسكو (UNESCO) وبتمويل من الاتحاد الأوروبي ونفذه مركز مشاقر للتراث والفنون والإعلام
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن