حرب الشائعات والتضليل على تعز
منذ 34 دقائق
تعز- لؤي العزعزيبالتزامن مع ضراوة الحرب الأخيرة في تعز ووصولها إلى جنوب غرب مدينة تعز، رصد “المشاهد” حربًا خطيرة لا تقل تأثيرًا عن القتال المستمر
هذه الحرب تنشط بكبسة زرٍ وتنتشر في وقت قصير دون الحاجة إلى إرسال مقاتلين أو نصب محطة إذاعية
حرب تستغل منصات التواصل الاجتماعي، تعتمد على أساليب تضليل منسقة معروفة مثل النشر المتزامن لفيديوهات من سياقات جغرافية وزمنية مختلفة وربطها بأحداثٍ آنية لإيهام الجمهور والسكان بواقعٍ مزيف يضر أمن واستقرار ملايين السكان
في الثلاثاء 6 اكتوبر 2026 نشرت العديد من صفحات ومواقع -منها موالية لجماعة الحوثي مجهولة- خبرًا مضللًا عن مقتل اللواء عبدالرحمن الشمساني، قائد اللواء 35 مدرع، في القوات الحكومية بتعز
وهو ما نفاه اللواء على صفحته بـ”فيسبوك” في نفس اليوم
ووصل التضليل إلى ظهور حسابات وصفحات مزيفة تنشر أخبارًا مضللة منتحلة وسائل إعلام محلية
وهذا ما دفع “قناة يمن شباب الفضائية” إلى نشر بيان لها في 6 أكتوبر على صفحتها في “فيسبوك” تحذر من صفحات وحسابات تنتحل اسم وشعار القناة لتمرير أخبارٍ كاذبة ومعلومات مضللة
وكان “المشاهد” قد رصد خلال الأيام الأولى من أكتوبر الجاري موجة تضليلٍ واسعة استهدفت السكان في مدينة تعز
وخلال الفترة 7-11 أكتوبر الجاري نشر “المشاهد” أربع قصص تحقق عن معلومات كاذبة ومضللة تم تداولها في سياق الحرب على تعز
ففي 11 أكتوبر أظهر “تحقق المشاهد” أن 12 حسابًا على الأقل على منصة “إكس” تداولت في 8 أكتوبر مقطعي فيديو مضللة تزعم أن مسلحي جماعة الحوثي دخلوا مدينة تعز
وبيَن التحقق أن أحد الفيديوهات المتداولة بهذا الادعاء كان لتعزيزات عسكرية لقوات العمالقة الجنوبية باتجاه “جبال كهبوب” في 18 سبتمبر 2026
كما أن الفيديو الآخر لنفس الادّعاء ظهر أنه لتعزيزاتٍ عسكريةً للجيش السوري في ادلب باتجاه الحدود السورية اللبنانية ونشر في 17 مارس 2025
وفي 12 أكتوبر وجد “تحقق المشاهد” أن عشرة حسابات على الأقل في منصة “إكس” تداولت في 10 أكتوبر، فيديو مضلل زعم ناشروه أنه لقوات مسلحي جماعة الحوثي في المنفذ الشرقي لتعز استعدادًا لاقتحام المدينة
وتبيّن من خلال التحقق أن الفيديو قديم ونشر في 12 يوليو 2026 لقوات درع الوطن في عدن
وفي 8 أكتوبر حقق “المشاهد” في خبرٍ مضلل مرفق بفيديو نشر في 7 أكتوبر، يزعم خروج مظاهرات في مدينة تعز ضد حزب الإصلاح
حيث بيّن التحقق أن الفيديو ليس من تعز ويعود إلى احتجاجاتٍ ضد ارتفاع سعر الوقود في إدلب، بسوريا ونشر في 13 سبتمبر الماضي
وفي 7 أكتوبر وجد “تحقق المشاهد” أن حسابات على منصة “إكس” تداولت في 6 أكتوبر خبرًا مضللًا مرفق بفيديو مضلل عن نقل حزب الإصلاح السلاح من المخازن إلى المنازل
وأظهرت نتيجة التحقق أن الفيديو قديم ويعود إلى أحداث حضرموت في يناير 2026 وليس له علاقة بتعز أو حزب الإصلاح
في عصر التكنولوجيا وتقنية المعلومات أصبحت الحروب غير التقليدية أكثر خطورةً وتأثيرًا مع توفر وانتشار الهواتف الذكية المتنقلة بيد الجميع
وتعيد هذه الحرب إلى الأذهان حملات تضليل مشابهة قادتها جماعة الحوثي أثناء محاولتها إسقاط محافظة مأرب في 2020 و2021
وتقول دراسة بحثية نشرت في سبتمبر 2023، قامت بتحليل رسائل حملات دعاية وتضليل روسية على منصة “إكس”، إن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد اليوم من أهم القنوات التي تُسرّع انتشار الدعاية والمعلومات المضللة، إذ تمنح المحتوى المضلل قدرةً غير مسبوقة على الوصول إلى جمهورٍ واسع في وقت قصير
مشيرةً إلى أن الانتشار الواسع للدعاية عبر الإنترنت يشكّل تهديدًا رئيسيًا للديمقراطيات
وتنوه الدراسة أن الدعاية عبر الإنترنت أصبحت أداةً مقلقة في الحروب الحديثة، إذ تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تضخيم انتشار المعلومات المضللة وتمكين حملات الدعاية من بناء رواياتٍ زائفة حول النزاعات والحروب
ويكمن الخطر في قدرتها على التأثير في الرأي العام وتشويه فهم الجمهور لما يجري على أرض الواقع
وفي دراسةٍ أخرى نشرت في 2014 عن دور وسائل الإعلام في التحريض على القتل خلال النزاعات والعنف الجماعي الذي ترعاه الدولة ضد المدنيين
واستخدمت الدراسة مجموعة بياناتٍ فريدة على مستوى القرى من الإبادة الجماعية في “رواندا” إلى تقدير تأثير محطةٍ إذاعية شعبية كانت تشجع على العنف ضد أقلية “التوتسي”
وأظهرت نتائج الدراسة أن البث الإذاعي كان له تأثير كبير على المشاركة في القتل من قبل الميليشيات والمدنيين العاديين
يُقدَّر أن حوالي 51,000 من مرتكبي أعمال العنف، أي نحو 10% من مجمل أعمال العنف، يمكن نسبتها إلى المحطة الإذاعية التي تناولها البحث
خطر نشر الشائعات لا يتوقف عند الإرجاف وتثبيط المعنويات، بل له آثار سلبية خطيرة على المواطنين العزل والمجتمعات المسالمة، حيث تثير الشائعات الخوف بين الناس وتؤدي إلى التهجير والنزوح القسري وارتفاع الأسعار وغيرها من الآثار السلبية
وفي هذا السياق، يقول رئيس تحرير منصة “يوب يوب” لتدقيق المعلومات، فاروق الكمالي، في حديث لـ”المشاهد”: “إن حدة التضليل والتزييف عالية جدًا؛ وتؤدي إلى الإضرار بالنسيج الاجتماعي وهزّ الثقة بين المجتمعات القريبة من بعضها، حيث أن الشائعات تمثل بيئةً خصبةً لتنامي الكراهية والأحقاد وتتحول إلى ألغامٍ يصعب تفكيكها؛ حيث أن كذبةً واحدة ينشرها أحدهم عن سقوط منطقةٍ ما يؤدي الخبر إلى ظهور آخر يتهم القيادات بالخيانة والتسليم؛ ليفضي الأمر إلى تبادل الاتهامات والكراهية”
وتؤدي الشائعات، حسب الكمالي، في أوقاتٍ كثيرة إلى تهجير ونزوح الأهالي خوفًا من التعرض للأذى؛ مما يؤدي إلى أضرارٍ مادية جسيمة في ظروفٍ اقتصادية هشّة أصلًا بفعل الحرب المستمرة
رغم ضرر الشائعات لم يكن هناك الجهد الكافي لردعها وكشفها، سواءً مجتمعيًا أو عبر مؤسسات، رغم وجود منصات تحقق متخصصة تعمل على رصد التضليل من داخل اليمن وخارجها
وكان وزير الإعلام في الحكومة المعترف بها دوليًا “معمر الإرياني” قد أعلن في 2 أكتوبر الجاري عن إطلاق مركز التحقق الإعلامي لمواجهة الشائعات والأكاذيب
وفي هذا الصدد، يقول الكمالي: “الإشكالية تكمن في متابعة مئات الألاف لحساباتٍ غير موثوقة
مشيرًا إلى أن جهود مكافحة التضليل والتزييف والشائعات لا تزال جهود شخصية فردية طواعية دون أي دعمٍ أو تمويل”
من جانبها، تقول المحامية والناشطة الحقوقية تهاني الصراري لـ”المشاهد”: “إن حرية الصحافة والرأي لا تمنح الحق في نشر ما قد يضر الأمن القومي أو الصالح العام، وخصوصًا في ظروف الحرب والنزاع المسلح”
وتؤكد الصراري على ضرورة مواجهة الشائعات بقوةٍ وحزم لا يعطي الأجهزة الأمنية سلطةً مطلقة لمنع أو قمع وتكميم الأفواه أو تحييد الصحافيين والناشطين؛ حيث بينت ضرورة التمييز والتفريق بين المعلومات المجتمعية الصحافية التي تهم الناس والمجتمع وبين المعلومات العملياتية الحساسة التي يؤدي نشرها للإضرار المباشر”
بدوره، يقول أستاذ الإعلام بجامعة صنعاء ومؤلف كتاب “الشائعات وشبكات التواصل الاجتماعي”، وديع العزعزي، في حديث مع “المشاهد”: “من المهم كشف آلية الدعاية الحوثية في تضخيم التقدم المحدود واسقاط المواقع قبل سقوطها واستخدام مقاطع مصورة قديمة أو خارج مسرح العمليات وربطها بالعمليات الميدانية الآنية، وكذا إخراج الصورة من سياقها واخفاء الخسائر وتزييف الانتصارات الوهمي”
ويرى العزعزي أن هذه الأساليب تهدف لإرباك الناس ورفع معنويات أنصارها”
ويوصي العزعزي بضرورة التحقق من الأخبار قبل النشر، وتدقيق المعلومات والتأكد من الصور والفيديوهات ومعرفة المكان والتاريخ والسياق
مشيرًا إلى أهمية نسب المعلومات إلى مصادرها بوضوح، والتمييز بين الخبر المؤكد والادّعاء والمعلومة التي لم يتسنَ التحقق منها
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected][related_posts] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن