حضرموت تعيد ترتيب المشهد الجنوبي بعيداً عن تسلّط «الانتقالي»
منذ 4 ساعات
تمثل الدعوة السعودية لعقد مؤتمر يضم المكونات السياسية الجنوبية اليمنية، لمناقشة القضية الجنوبية في إطار أوسع من الترتيبات السياسية المقبلة، إدراكاً عميقاً لأهمية معالجة الملفات المؤجلة التي لم تعد قابلة للإدارة عبر التفاهمات الهشة أو الحلول المؤقتة، في ظل التطورات الخطيرة، والتحديات الأمنية في المنطقة التي تعززها التدخلات الخارجية المهددة للاستقرار
جاءت الدعوة السعودية بناءً على طلب من رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة، بعد التطورات الأخيرة في حضرموت، وفي لحظة شديدة الحساسية، بعد أن تسببت إجراءات المجلس الانتقالي الجنوبي الأحادية في تهديد خطير لكيان الدولة اليمنية ومستقبلها، منذرةً بتفتيت جبهتها التي تخوض حرباً مع الجماعة الحوثية الانقلابية، مما يُفقدها ثقة المجتمع وتأييده
وتحمل الدعوة، في مضمونها وتوقيتها، سعياً حازماً لإعادة ضبط مسار النقاش الجنوبي تحت مظلة سياسية جامعة، بعيداً عن منطق فرض الوقائع بالقوة أو الاحتكام إلى موازين السلاح
جاءت أحداث حضرموت، لتعيد هذه المحافظة المترامية الأطراف فجأة إلى قلب الحسابات السياسية والعسكرية، ليس بوصفها ساحة مواجهة مفتوحة، بل بصفتها اختباراً حساساً لعلاقة الحكومة الشرعية اليمنية مع حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية التي تقود تحالف دعم الشرعية في اليمن
إسقاط المبرراتتعاطت الحكومة اليمنية مع التطورات الأخيرة من زاوية واحدة واضحة وهي استعادة سلطة الدولة ومنع تكريس وقائع أمنية خارج الإطار الرسمي، إذ حمل الموقف بقيادة رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في جوهره قلقاً سيادياً عميقاً من تحوّل حضرموت إلى نموذج جديد لتعدد مراكز القوة، وهي التي تمثل شرياناً اقتصادياً وأمنياً بالغ الأهمية
وبناءً على ذلك فقد وصفت القرارات والتحركات الرئاسية بالإجراءات الضرورية، وليست معركة سياسية أو تصفية حسابات داخلية
وسبق كل تلك القرارات والتحركات خطاب رسمي هادئ يدعو إلى التفاهم بلغة العقل والشراكة والحرص، ومن خلفه كانت المساعي الدبلوماسية التي قادتها السعودية بلغة ناعمة وعلى هيئة وساطة لمنع التداعيات، وتذكيراً بمبادئ الشراكة التي جرى صياغتها باتفاقيات وتفاهمات، وعلى رأسها اتفاق الرياض 2019
وعكست المقاربة السعودية قراءةً أكثر حذراً للمشهد
فدعم الشرعية ظل ثابتاً، لكنه اقترن بتأكيد متكرر على أولوية التهدئة والحوار وتفادي التصعيد
معبراً عن قلق الرياض من أن يؤدي الانفجار الداخلي في حضرموت إلى تقويض ما تبقى من تماسك المعسكر المناهض للحوثيين، وفتح جبهة صراع جانبية في وقت لا يحتمل فيه المشهد اليمني مزيداً من التشظي
يرى فهمي محمد، الناشط السياسي اليمني، في الموقف السعودي الحازم، إدراكاً استراتيجياً للأهمية الجيوسياسية الفائقة لمحافظتي حضرموت والمهرة لأمن المملكة، وهو ما دفع «الانتقالي» إلى تغيير خطابه أكثر من مرة كمحاولة لتبرير خطواته تحت عناوين واسعة مثل «قطع خطوط تهريب السلاح للحوثيين» و«إنهاء زمن المعارك الجانبية»
ويبيّن لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التبريرات، كانت تأكيداً على نجاح الدبلوماسية السعودية في تصوير الأحداث على أنها انقلاب على الشرعية اليمنية وليست خطوة تصحيحية في مسار القضية الجنوبية، لا سيما مع اعتراف «الشرعية» والسعودية بعدالتها، في حين يبدو كأن الموقف السعودي لم يكن ضمن حسابات «الانتقالي»، فاضطر إلى تعديل خطابه
ولا مانع من أن يكون للمجلس الانتقالي كامل الحق في تأسيس وجوده السياسي بتبنيه القضية الجنوبية، حسب الناشط السياسي فهمي محمد، وهو قيادي في الحزب الاشتراكي اليمني، لكنه يطالب «الانتقالي» بإدراك أن تحقيق مصلحة الجنوبيين سيظل مرتبطاً جوهرياً باستقرار اليمن شمالاً وجنوباً تحت راية الدولة اليمنية، وخاليين في الوقت ذاته من أي تهديد للمملكة
ويستدعي ذلك تحمُّل الجميع مسؤولية القضاء على الانقلاب الحوثي، وإعادة اليمن إلى وضعه الطبيعي، ثم إتاحة الفرصة لبحث تقرير المصير
ترتيب المشهدتكشف تطورات حضرموت والمهرة عن أن الصراع في اليمن لا ينبغي أن ينزلق من كونه بين جبهتين واضحتين، ليصل إلى التشكيك في «الشرعية» التي يجب فرض وجودها في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع توسع الأطماع في المنطقة واستهدافها بسيناريوهات تهدد أمنها واستقرار شعوبها
عربات عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي خلال سيطرتها على مدينة المكلا مركز محافظة حضرموت (أ
ف
ب)عربات عسكرية تابعة للمجلس الانتقالي خلال سيطرتها على مدينة المكلا مركز محافظة حضرموت (أ
ف
ب)ويذهب أحمد عباس، الباحث السياسي اليمني، إلى أن ما يشهده الملف اليمني اليوم، وفي صلبه حضرموت والمهرة، أكبر من أن يجري اختزاله في خلافات عابرة أو تجاذبات ظرفية، بل يعكس مساراً وطنياً حاسماً لتصويب الوضع، وطيّ صفحة التشتت، واستعادة البوصلة نحو الهدف الجوهري
ويشدد عباس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على أن الهدف واضح ولا يحتمل التأويل، وهو توحيد الصف الجمهوري تحت راية الدولة وحدها، وإنهاء التباينات الداخلية التي أنهكت الجبهة الوطنية وأسهمت في إطالة مواجهة الجماعة الحوثية، مما سمح لنفوذ الانقلابيين بالتغول على اليمنيين
ووفقاً لعباس، فلا مكان للمناورات الجانبية ولا لترف إهدار الوقت؛ كون المدخل الإجباري لكسر المشروع الانقلابي واستعادة السيادة على الأراضي والمؤسسات التي تخضع للنفوذ الحوثي، يبدأ بترتيب البيت الداخلي، وفي هذا المسار المصيري يظل الدور السعودي ركيزة أساسية في دعم أمن اليمن واستقراره، وحماية هويته العربية
كانت الرياض قد أرسلت وفداً إلى حضرموت للإشراف على اتفاق تهدئة عقب توسع المجلس الانتقالي فيها، وتضمنت مساعيها وقف التصعيد العسكري والإعلامي وإعادة تموضع القوات وتهدئة الأوضاع
ورفض المجلس الانتقالي كل مساعي التهدئة، مما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إصدار قرارات صارمة لمعالجة الموقف ومنع خروج شرق البلاد من تحت سيادة الدولة، ولاقت قراراته دعماً سياسياً وعسكرياً سعودياً