خليل مثنى العمري : "ماهان إير".. رحلة إلى صنعاء أم إلى الحرب؟
منذ 19 أيام
خليل مثنى العمري لم تكن الطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار #صنعاء الدولي فجر الثالث من يوليو 2026 مجرد رحلة جوية عادية؛ إذ كان اسم الشركة الناقلة كافياً وحده لاستدعاء ذاكرة حرب محلية وإقليمية كاملة: ماهان إير
قبل أكثر من عقد، وتحديداً في مارس 2015، هبطت أول طائرة إيرانية تابعة للشركة نفسها في صنعاء، لتدشّن جسراً جوياً بواقع 14 رحلة أسبوعياً بين طهران والعاصمة اليمنية التي كانت قد سقطت للتو في قبضة الميليشيات الحوثية
وفي نهاية الشهر ذاته، دخل اليمن نفق حرب طويلة، تزامنت مع إعلانات متعجرفة من طهران بسقوط العاصمة العربية الرابعة في مربع نفوذها
لذلك، أعتبر هبوط ماهان إير مجدداً في صنعاء إعلاناً صريحاً عن عودة التدخل الإيراني المباشر
فالأجواء اليمنية التي ظلت منذ 2015 خاضعة لتوازنات وقيود أمنية وسياسية معقدة، تحولت فجأة إلى ساحة لخرق السيادة اليمنية، والتلويح بتهديد أمن منطقة الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية
أعلنت الجماعة الحوثية أن الرحلات إلى صنعاء ستستمر دون إذن من أحد، في محاولة مكشوفة لفرض أمر واقع جديد وتغيير قواعد الاشتباك القائمة
وفي المقابل، قوبلت هذه الخطوة برفض قاطع من مجلس القيادة الرئاسي اليمني وكل المؤسسات الرسمية والسياسية، فيما لوّحت السعودية برد حازم وغير مسبوق إذا ما جرى تجاوز الخطوط الحمراء وتهديد السيادة اليمنية والأمن القومي للمملكة
تدحرجت كرة النار سريعاً؛ فبعد ما وصفه الحوثيون بمحاولة مقاتلات سعودية اعتراض الطائرة وتدخل دفاعاتهم الجوية، خرج المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، بتهديدات واسعة النطاق لم تقتصر على الأهداف العسكرية التقليدية، بل تمددت لتستهدف عصب الاقتصاد السعودي، ملوحاً بضرب منشآت شركة أرامكو، وميناء ينبع، والأسواق المالية، ومشاريع رؤية 2030، وهو ما يمثل تحولاً خطيراً نحو استهداف الأعيان المدنية والاقتصادية
تزامن هذا الاستفزاز الجوي مع عودة علنية للسفير الإيراني إلى صنعاء لعقد لقاءات تحت لافتة كسر الحصار بعد غياب منذ العام 2024
بدا أن طهران تحاول تثبيت موقعها في المشهد اليمني، منتشيةً بما اعتبرته تفاهمات مع واشنطن عقب حرب يونيو وإغلاق مضيق هرمز
أرادت طهران إرسال رسالة واضحة للرياض وواشنطن بأن اليمن لا يزال محوراً فاعلاً في منظومة النفوذ الإيرانية، وأن ترتيبات ما بعد الحرب لن تُصاغ بمعزل عن حضور المحور الحوثي
هل استعجلت #إيران والحوثيون التصعيد؟كان التصعيد الحوثي الإيراني في الملف اليمني مفاجئاً للكثير من المراقبين بعد تفاهمات إقليمية ودولية أفضت لهدنة طويلة
وثمة من يربطه بالاستراتيجية الإيرانية القائمة على استخدام الحلفاء الإقليميين كأدوات ضغط متعددة الجبهات لتحقيق مكاسب تفاوضية
ومن هذه الزاوية، فإن تهديد السعودية لم يكن تحركاً معزولاً عن هذا النمط الإيراني، بل حلقة جديدة من استراتيجية الحرس الثوري باللعب في ميادين محاوره
أعتقد أن إيران والحوثيين استعجلوا التوقيت بإظهار التهديد وتجاوز مسارات التهدئة، سواءً المسار الإيراني السعودي عبر اتفاق بكين في مارس 2023، أو مسار التفاهمات الحوثية السعودية عبر مسقط، التي أنجزت هدنة طويلة وتفاهمات بشأن خارطة الطريق
وربما ظهر لقيادات المحور الموحد أن الرياض ستميل إلى احتواء التصعيد بأي ثمن، وأن واشنطن غير مستعدة للعودة إلى خيار الضغط العسكري
لكن الحسابات الحوثية اصطدمت بواقع مختلف تماماً؛ فالتهديد المبكر للمصالح الاقتصادية الحيوية للخليج في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وفّر لخصوم إيران مبرراً مثالياً للعودة إلى لغة الردع الخشن، وأجهض مساحات المناورة السياسية التي كانت تتيحها الوساطات الإقليمية
كما أن الهجمات الأمريكية على إيران في الثامن من يوليو الجاري، وحتى وضع طائرة ماهان إير التي بدت عالقة وغير قادرة على إعادة القيادات الحوثية التي شاركت في تشييع خامنئي، أظهرت أن المشهد دخل مرحلة أكثر تعقيدا ولم يكن بالسهولة التي اعتقدتها غرفة عمليات المحور
رغم الضجيج العسكري، يظل الحوثيون حالة إقليمية مأزومة؛ فالجماعة التي تحولت بفعل الجغرافيا السياسية وموقع اليمن على باب المندب إلى مصدر إزعاج دولي، تجد نفسها اليوم أمام مأزق كبير: كلما اتسع نطاق المواجهة، اتسعت دائرة الخصوم، وكلما اقتربت الجماعة من ملفات الأمن والاقتصاد البحر الأحمر -أرامكو، ضاق هامش مناورتها المحلية، خصوصاً مع وجود تغير في المزاج القبلي وغضب شعبي تجاه سياساتها المدمرة وأي تصعيد من جانب الجماعة لن يكون لصالحها هذه المرة
يبدو أن ماهان إير أصبحت مشعلة للحرائق في اليمن، ومؤشراً على انتقال الصراع إلى مرحلة أعلى من التصعيد
فهل يستمر الحوثيون في الرحلات، بما يعنيه ذلك من احتمال اتساع المواجهة، أم أن قراءتهم للأحداث كانت خاطئة وسيتبعون مسار التهدئة؟