خناجر في الظهر.. كيف قوضت الإمارات الشرعية واستعادة الدولة اليمنية؟
منذ 16 ساعات
منذ انطلاق عمليات التحالف العربي لدعم الشرعية في عام 2015، شهدت الساحة اليمنية تحولات جيوسياسية معقدة، برز فيها الدور الإماراتي كعنصر محوري ومثير للجدل
فرغم اعلان أبوظبي انسحابها العسكري المباشر من اليمن في عام 2019، إلا أنها حافظت على نفوذ واسع عبر دعمها لتشكيلات عسكرية وسياسية محلية، كان أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، لتواصل من خلالها رحلة الاطماع التوسعية على حساب تشظي اليمن
ويؤكد العديد من المراقبين والخبراء أن دعم الامارات لتشكيلات وعصابات مسلحة، هو تجسيد واضح لمشروعها التخريبي الذي يهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية بعيدة وقريبة المدى، تتجاوز الأهداف المعلنة للتحالف، وتتقاطع بشكل مباشر مع وحدة اليمن وسيادته
بلغت هذه التوترات ذروتها مؤخراً مع محاولات المجلس الانتقالي فرض سيطرته على مناطق استراتيجية في جنوب وشرق اليمن، وما تبعها من رد فعل حازم من الحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية، التي أكدت التزامها بوحدة الأراضي اليمنية
تطور الدور الإماراتي بدأ التدخل الإماراتي في اليمن كجزء من التحالف العربي الذي تقوده السعودية بهدف استعادة الحكومة الشرعية ومواجهة تمدد جماعة الحوثي، ومع مرور الوقت، بدأ الدور الإماراتي يأخذ منحى مختلفاً، حيث ركزت أبوظبي على بناء نفوذ خاص بها في المحافظات الجنوبية والشرقية، بعيداً عن أولويات الحكومة الشرعية
ففي عام 2019، أعلنت الإمارات سحب قواتها، لكنها، بحسب العديد من التقارير، وتأكد ذلك لاحقًا، لم تنسحب فعلياً بل أعادت تموضعها خلف واجهات محلية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أسسته ودعمته عسكرياً وسياسياً
ويرى محللون سياسيون بينهم ياسين التميمي، أن الإمارات لم تنسحب فعلياً في 2019، بل أعادت تموضعها خلف واجهات محلية (الانتقالي، العمالقة، طارق صالح) للسيطرة على الجزر والموانئ
هذا التحول في الاستراتيجية الإماراتية أثار تساؤلات عديدة حول الأهداف الحقيقية لأبوظبي في اليمن، فبدلاً من دعم الحكومة الشرعية في حربها ضد الحوثيين، انخرطت الإمارات في بناء كيانات عسكرية وسياسية موازية، مما أدى إلى إضعاف الدولة المركزية وتعميق الانقسامات الداخلية
في هذا السياق، أشار تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الصادر في أكتوبر 2024 إلى أن تعدد التشكيلات العسكرية خارج إطار وزارة الدفاع (المدعومة من الإمارات) يظل العائق الأكبر أمام استعادة مؤسسات الدولة
أطماع بحرية ودعم للانفصال تتعدد الأهداف الإماراتية في اليمن بين ما هو معلن وما هو خفي، لكنها تتركز بشكل أساسي حول تعزيز النفوذ البحري الإقليمي والسيطرة على الممرات المائية الحيوية، ومن الأهداف بعيدة المدى لأبوظبي- وفق مراقبين وتقارير لمراكز دراسات- السيطرة على الموانئ والجزر الاستراتيجية مثل سقطرى، ميون، بلحاف، عدن، والمكلا، وهي المواقع التي تمنح الإمارات تفوقاً جيوسياسياً في خليج عدن والبحر الأحمر، وتؤمن طرق التجارة البحرية، بالإضافة إلى إمكانية بناء قواعد عسكرية تخدم مصالحها الأمنية والعسكرية وتؤكد التقارير الرسمية والحقوقية والشهادات المحلية، أن سقطرى وميون تحولتا إلى قواعد عسكرية مغلقة تدار مباشرة من أبوظبي بعيداً عن سيادة الدولة اليمنية
أما الأهداف قريبة المدى، فتتمثل في دعم الانفصال عبر المجلس الانتقالي الجنوبي، بهدف إضعاف الدولة المركزية في اليمن وضمان وجود حليف محلي دائم يخدم مصالحها
يرى مراقبون أن الدعم الاماراتي للانفصال ليس مجرد تكتيك عابر، بل هو جزء من مشروع أوسع يهدف إلى تقسيم اليمن إلى دويلات صغيرة، مما يسهل على الإمارات التحكم في المشهد اليمني
وفقا للباحث نبيل البكيري، فإن ما يفعله الزبيدي هو تكرار لسيناريو حميدتي في السودان، وهو جزء من مشروع إماراتي لتقسيم اليمن وإضعاف الدولة المركزية
ويضيف البكيري أن الإمارات تسعى لبناء كيانات موازية للدولة لضمان بقاء نفوذها حتى بعد انتهاء الحرب
هذه الأهداف تتناقض بشكل صارخ مع الأهداف المعلنة للتحالف العربي، التي تركز على استعادة الشرعية ووحدة اليمن
وقد أدت هذه السياسات إلى توترات عميقة بين السعودية والإمارات، خاصة مع إدراك الرياض، بحسب تحليل معهد الدوحة للدراسات العليا، أن استمرار دعم أبوظبي للانفصال يهدد الأمن القومي السعودي ووحدة الأراضي اليمنية التي تعتبرها السعودية عمقاً استراتيجياً لها
جيوش موازية للدولة لتحقيق أهدافها في اليمن، اعتمدت الإمارات على شبكة واسعة من التشكيلات العسكرية المحلية، التي تعمل خارج إطار الدولة اليمنية الشرعية
وتشمل الأدوات المحلية المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يعتبر الذراع السياسي والعسكري الرئيسي للإمارات في جنوب اليمن، الى جانب قوات الحزام الأمني والتي تؤكد تقارير حقوقية ارتباطها بالعديد من الانتهاكات الحقوقية، فضلا عن النخبة الشبوانية والنخبة الحضرمية، وألوية العمالقة وغيرها من القوات الخبير العسكري علي الذهب وصف هذه القوات وتحديدا المجلس الانتقالي الجنوبي، بأنه أداة وظيفية لتنفيذ استراتيجية الإمارات البحرية في خليج عدن والبحر الأحمر
ويقدر عدد المقاتلين المدعومين إماراتياً بنحو 90,000 مقاتل، في حين تشير تقديرات اخرى الى ان العدد يتجاوز 150 الف مقاتل، مما يشكل قوة عسكرية كبيرة تعمل خارج سيطرة الحكومة الشرعية، وتساهم في إضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الفوضى
هذه القوات، بدلاً من أن تكون جزءاً من جيش وطني موحد، أصبحت أدوات لتنفيذ أجندات إقليمية، مما يعقد من جهود إحلال السلام والاستقرار في اليمن
الوجه الآخر للمشروع التخريبي لم يقتصر الدور الإماراتي في اليمن على الدعم السياسي والعسكري للفصائل الانفصالية، بل امتد ليشمل انتهاكات حقوقية جسيمة، وثقتها العديد من المنظمات الدولية
وكشفت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية عن وجود سجون سرية في مناطق تسيطر عليها القوات المدعومة إماراتياً، مثل عدن وحضرموت، وهي السجون التي تؤكد التقارير انها شهدت حالات تعذيب وإخفاء قسري للمعارضين والناشطين والصحفيين
ففي تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الصادر عام 2025، تم التأكيد على استمرار هذه الانتهاكات في المناطق الخاضعة لسيطرة المجلس الانتقالي، بما في ذلك الاعتقال التعسفي للصحفيين والناشطين المعارضين لمشروع الانفصال
كما أشارت التقارير إلى أن معسكر الجلاء وبير أحمد في عدن، ومطار الريان في المكلا، تُستخدم كمنشآت احتجاز غير قانونية تديرها قوات مدعومة إماراتياً
بالإضافة إلى ذلك، كشف تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في يناير 2024 عن تمويل الإمارات لعمليات اغتيال لشخصيات سياسية وخطباء مساجد في عدن بين عامي 2015 و2018، وذلك باستخدام مرتزقة أمريكيين تابعين لشركة Spear OperationsGroup
تركزت هذه الاغتيالات ضد شخصيات معارضة للمشروع الإماراتي، وساهمت في نشر حالة من الخوف وعدم الاستقرار في المناطق الجنوبية
محاولة الانفصال والرد السعودي شهدت نهاية عام 2025 وبداية عام 2026 تصعيداً خطيراً وتوجها اماراتيا واضحا لفصل جنوب اليمن عن شماله، بعدما حاول المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر المنصرم، فرض سيطرته على كامل محافظتي حضرموت والمهرة، وهما محافظتان غنيتان بالنفط ومطلتان على بحر العرب، في خطوة اعتبرت تمهيداً لإعلان دستور دولة الجنوب العربي والانفصال
شملت هذه التحركات سيطرة الانتقالي على ميناء المكلا الاستراتيجي ومطار سيئون، لكن الرد السعودي جاء حازماً وسريعاً، بالتوازي مع رد مماثل من القيادة الشرعية ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، الذي اصدر في 30 ديسمبر 2025، قرارات حاسمة، كان أبرزها إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات، والمطالبة بخروج القوات الإماراتية ومنسوبيها من الأراضي اليمنية كافة خلال مهلة لا تتجاوز 24 ساعة، وإعلان حالة الطوارئ في عموم أراضي الجمهورية لمدة 90 يوماً
كما وجه قوات درع الوطن إلى التحرك لتسلم جميع المعسكرات في المحافظتين
لاحقًا، أصدر مجلس القيادة قرارا بإسقاط عضوية الزبيدي من المجلس، وتوجيه القوات الى ابين وعدن، ما اجبر الزبيدي على الفرار باتجاه الصومال ومنها الى الامارات
يرى مراقبون أن الرد السعودي الأخير على تجاوزات الإمارات في اليمن، رغم تأخره، يمثل ضرورة لحماية الأمن القومي للمملكة ووحدة اليمن
حماية الوحدة والأمن القومي لطالما تمسكت المملكة العربية السعودية بموقفها الداعم لوحدة اليمن، باعتبارها ضمانة لأمنها القومي
ورغم التنسيق الأولي مع الإمارات في إطار التحالف، إلا أن الرياض بدأت تدرك أن الأجندة الإماراتية في اليمن تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية، ما دفعها إلى تغيير طريقة التعامل مع ابوظبي وصولا إلى الصدام المباشر
ومثل دعمت السعودية لقوات درع الوطن استراتيجية واضحة لمواجهة نفوذ المجلس الانتقالي والتشكيلات المدعومة إماراتياً، وهذه القوات، التي تعمل تحت قيادة وزارة الدفاع اليمنية الشرعية، تهدف إلى استعادة سيادة الدولة وبسط نفوذها على كامل الأراضي اليمنية
يؤكد هذا التحول في الموقف السعودي على أن الرياض لن تسمح بتقسيم اليمن، وأنها مستعدة لاتخاذ خطوات حاسمة لحماية وحدة جارتها الجنوبية
خط أحمركان المشروع الإماراتي في اليمن، بأهدافه البعيدة والقريبة ودعمه للانفصال، يمثل تحدياً كبيراً أمام استعادة الدولة اليمنية ووحدتها، فبينما يواجه اليمن أزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة، تساهم الأجندات الإقليمية المتضاربة في تعميق معاناته وتأخير أي حل سياسي شامل
بالمقابل، كان تعدد التشكيلات العسكرية خارج إطار الدولة، والانتهاكات الحقوقية المرتبطة بها، كلها عوامل تقوض جهود بناء دولة مستقرة وموحدة
وأظهرت الأحداث الأخيرة أن وحدة اليمن ليست مجرد شعار، بل هي خط أحمر بالنسبة للحكومة الشرعية والمملكة العربية السعودية
ورغم التحديات، فإن إجهاض محاولة الانفصال الأخيرة، والقرارات الحازمة التي اتخذتها الحكومة الشرعية والسعودية، تبعث برسالة واضحة بأن أي محاولة لتقسيم اليمن ستقابل بمقاومة قوية وسينتهي لها الامر الى الفشل