د. تركي القبلان : هندسة الصراعات الإقليمية في نظرية الأمن الإسرائيلي
منذ ساعة
د
تركي القبلان لم تقم النظرية الأمنية الإسرائيلية على بُعد واحد لكن تراكمت ركائزها عبر الزمن بين تجارب الحرب ودروس الهشاشة الجغرافية
ومن أبرز ما أُضيف إلى هذه المنظومة فكرةٌ تتجاوز حسابات القوة العسكرية المباشرة نحو إدارة البيئة الإقليمية ذاتها بوصفها متغيراً أمنياً لا يقل أهمية عن الجهد العسكري
ومن هنا أضافت إسرائيل ركيزة أخرى إلى نظريتها الأمنية ، صاغ ملامحها الجنرال الإسرائيلي جور: رئيس أركان الحرب السابق ، خلال حوار دار بينه وبين مناحيم بيجن و موشي ديان في القدس
وقد انطلقت هذه الفكرة من تصور استراتيجي مفاده أن “ضمان أمن إسرائيل القومي لا يتحقق بالتفوق العسكري وحده، بل أيضاً بانشغال العالم العربي بصراعات أخرى خارج إطار الصراع العربي–الإسرائيلي” ، بما يمنع تشكّل جبهة عربية موحدة قادرة على تركيز طاقتها السياسية والعسكرية ضد إسرائيل
هذه الفكرة تُعبِّر عن أحد المبادئ غير المعلنة في العقيدة الأمنية الإسرائيلية ، ويمكن قراءتها ضمن ما يسميه بعض الباحثين في الدراسات الاستراتيجية “استراتيجية تشتيت البيئة المعادية” أو “إدارة الانشغال الاستراتيجي للخصوم”
الفكرة تقوم على منطق بسيط في الحسابات الاستراتيجية: أمن إسرائيل لا يتحقق فقط بتفوقها العسكري المباشر ، بل أيضاً بتفكك البيئة الإقليمية المعادية لها
بمعنى أن أفضل وضع أمني لإسرائيل هو أن تكون الدول العربية منشغلة بصراعات داخلية أو إقليمية بحيث لا يتشكل تركيز سياسي أو عسكري كافٍ لمواجهة إسرائيل كجبهة موحدة
من منظور نظريات الأمن القومي يمكن فهم هذه الفكرة ضمن ثلاثة مستويات: أولاً: مبدأ تشتيت التهديدبدلاً من مواجهة كتلة عربية متماسكة تسعى إسرائيل إلى بيئة إقليمية مجزأة حيث تتحول الصراعات من صراع عربي–إسرائيلي مركزي إلى صراعات عربية–عربية أو داخلية
هذا يقلل احتمال تشكل تحالف عسكري واسع ضدها أو في أقل تقدير موقف سياسي موحد
ثانياً: نقل مركز الصراعحين ينتقل مركز التوتر في المنطقة من إسرائيل إلى صراعات أخرى (طائفية، قومية، حدودية، أو حروب أهلية) تصبح إسرائيل خارج بؤرة الصراع الرئيسية ، وهو ما يمنحها هامش حركة استراتيجياً أكبر
ثالثاً: استنزاف البيئة المعاديةالصراعات البينية تستنزف القدرات العسكرية والاقتصادية للدول المحيطة ، ما يؤدي إلى إضعاف قدرتها على خوض صراع طويل مع إسرائيل
تاريخياً هذه الفكرة تتقاطع مع ما عُرف في الأدبيات الإسرائيلية بمشروعات مثل:عقيدة الأطراف (نظرية المحيط لابن غريون سبق وأن تكلمت عنها) التي سعت إلى بناء علاقات مع قوميات غير عربية في محيط المنطقة
وكذلك قد نربطها بما سُمّي في الثمانينيات 1982م “خطة ينون” حول تفكيك البيئة الإقليمية (عوديد ينون - دبلوماسي وصحفي إسرائيلي)
وهذا يعكس منطقاً استراتيجياً معروفاً في علم الأمن القومي: الدول تميل إلى تفضيل بيئة إقليمية يكون خصومها فيها مجزئين أو منشغلين بملفات أخرى بدلاً من أن يكونوا متماسكين ومركَّزين على تهديد واحد
الامتداد الراهن: نتنياهو ومنطق إعادة هندسة البيئة الإقليميةلا يبدو خطاب نتنياهو حول ما يسميه “مواجهة التطرف السني والشيعي” منفصلاً عن هذا الإرث النظري بل يمكن قراءته امتداداً عملياً له في سياق مختلف
فإذا كانت النظرية التأسيسية قد رأت في تجزئة البيئة العربية ضماناً استراتيجياً وكذلك مضمون “نظرية جور” ، فإن المرحلة الراهنة تُقدّم الصراع مع إيران بوصفه المحرك الجديد لإعادة رسم خارطة التوتر الإقليمي
ما يجري اليوم من مواجهة (أمريكية-إسرائيلية) مع إيران لا يُقرأ فقط كصراع على النفوذ ، بل قد يكون مُصمَّماً ليكون صراعاً طويل الأمد بمنطق حروب الاستنزاف والإنهاك ، تُعاد بموجبه هندسة المنطقة لا بالغلبة العسكرية الحاسمة ، إنما بإطالة حالة الاحتراق الإقليمي حتى تتشكّل توازنات جديدة تُكرّس فيها إسرائيل مكانتها قوةً مرجعية لا تُحاصَر