د. عبدالقادر الجنيد : العقائديون المتطرفون

منذ 5 أيام

د

عبدالقادر الجنيد التشدد ليس دينيا، ولكنه بنيوي في النفس البشرية

نوع من أنواع تكوينات الإنسان

مسيحي متشدد أراد الإعتداء على الرئيس ترامب الذي يتمتع بتأييد قوي من نفس مذهبه: الإيڤانجليكاليون الأمريكيون

**أولا: عقائدي أمريكي غاضب على ترامب**هو ذكي ومهندس ومتفوق ومخترع ومشهود له بالهدوء واللياقة

١- هو متدين للغاية*مسيحي يؤمن بالإيڤانجليكية، إسمه كول توماس أللين (Cole Tomas Allen، ٣١ سنةينخرط في جماعات دينية طلابية، وهو  أمر شائع جدا في الجامعات الأمريكية، ولا يدل بحد ذاته على تطرف

وحتى نشاط مثل Nerf Club (يتعاركون بأسلحة مصنوعة من الإسفنج) يعكس في العادة تفريغا اجتماعيا مرحا، لا ميولا عدوانية حقيقية

ربما يقولون نفس الشيء في اليمن في وصف المعسكرات الصيفية للحوثيين ومخيمات الشواطئ

٢- التدين*التدين بحد ذاته لا يولّد العنف، لكنه قد:يمنح إطارا أخلاقيا صارما

ويُضخّم فكرة “الحق المطلق مقابل الباطل المطلق”إذا اجتمع هذا الخليط من الصرامة وفكرة الحق المطلق في شخص بصفات معينة تتميز:بالحساسية وعدم المرونة والزيادة في المثالية

(٢) الشعور بالغضب الأخلاقي

(٣) أو شعور بالعجز أمام “الشر”

فقد يتحول التدين من مصدر توازن وشخص متوائم مع مجتمعه إلى وقود لتبرير فعل حاد

الدين هنا ليس السبب، بل لغة التبرير

**ثانيا: حكايتي مع إيڤانجليكالي وحوثي وقاعدة**١- مع سجان عقائدي ومسجونين عقائديين*عندما كنت سجينا معتقلا عند الحوثي، قضيت ثلاثة أشهر في زنزانة واحدة مع المستر مارك، وهو مسيحي أمريكي معمداني شديد التدين

كنا نخرج للتشمس أحيانا مع بقية المعتقلين  لمدة ساعة وكان هناك أفراد من تنظيم القاعدة المتزمتين المتشددين

الغريب أنهم وقعوا في حالة انجذاب شديدة لهذا الأمريكي المسيحي بعد أن شرحت اهم شدة تدينه والطقوس التي يؤديها كل يوم

لا يهم عندهم أنه من دين مغاير بقدر ما يهم أنه ليس علمانيا، لأن هناك حلا لهذه المشكلة

كانوا يعتبرونني علمانيا، وهذا ليس شيئا جيدا على الإطلاق بنظرهم

المتشدد ينجذب إلى المتشدد*المتشدد المسلم من القاعدة، انجذب للمتشدد المسيحي من الإيڤانجليكيلية أكثر مما انجذب لشخص مسلم عادي غير متشدد يشترك معه بنفس اللغة والهوية والوطن

في مناسبة أخرى قالي لي أحد أفراد القاعدة الفخورين بتطرفهم بأنه يحترم الحوثيين (بالرغم من أنهم أعداء لهم)  أكثر مما يحترم حزب الإصلاح (بالرغم من أنهم مذهب سني مثلهم) بسبب غلوهم في التشدد واستعدادهم القيام بالعنف لتنفيذ أغراضهم

الزرقاوي يفكر بسرعة*الحل الذي اقترحه الزرقاوي المعتقل الذي كان له مهابة كبيرة عند بقية أفراد القاعدة وكأنه الزعيم بوضع اليد بسبب تاريخه وقوة جسمه وطوله وعرضه، … هو أن يقوم هو بخطف الأمريكي الإيڤانجليكالي ويخفيه في جبال محافظة أبين ويعلمه الإسلام

والتفت نحوي بغرض إكمال الموضوع ، وقال:وسوف أختطفك أنت أيضا لأننا سوف نحتاجك للترجمة

انتابتني قشعريرة بؤس ويأس ممزوجة بالخوف والغضب والشراسة

مازلت أتذكر هذه المشاعر بعد مرور ١١ سنة كأنها كانت يوم الأمس

يعني أخرج من زنزانة واحدة مع إيڤانجليكالي صارم متشدد في معتقل مع حوثيين صارمين متشددين، لأبقى في مجاهل جبال غير مأهولة مع رجال قاعدة متشددين

نظرت بغضب للزرقاوي، قائلا:لن يحدث هذا ولا حتى في أحلامكيعني أخرج من عند الحوثيين إلى عندكم؟ ما الفرق؟٢- الوالد من العارفين Elder*والد كول أللين هو elder at Grace Torranceما معنى elder؟عرفت الكثير عن مذاهب كنائس الإصلاحيين الأمريكيين reformists من خلال ثلاثة شهور في زنزانة واحدة مع مسيحي معمداني أمريكي

وهي مذاهب وحتى ديانات كاملة مسيحية أمريكية كلها نشأت خلال المائتين سنة الماضية

أيضا، كان المستر مارك في البداية مهتما باعتناقي للدين المسيحي

استنكر مارك محاولة الزرقاوي بإدخاله الإسلام ولكن كان شيئا عاديا أن يحاول إدخالي الإيڤانجليكالية

قال أنه قد اشتغل أيضا في العراق وأفغانستان

وأنه قد كان موفقا بهداية أحد الأفغان إلى المذهب المسيحي المعمداني عندما عرض عليه أوراق كتبها elder للكنيسة

سألته: ما معنى elder؟ وما هي الأوراق؟أجاب: elder، هو شخص على تواصل مع الله

والله يكشف له الأسرار ويؤتيه الحكمة

وهو يكتب ما يأتيه في أوراق papers ويرسلها لكنائسه وهم يجلبونها ويتبعون إرشاداتها حرفيا، بما فيها الأوامر بشأن من يجب أن يؤيدوا من السياسيين

وعلى فكرة، وعدني مارك بأنه سوف يرسل لي الأوراق بصورة منتظمة بعد الخروج من السجن، ولكنه لم يف بالوعد ولم يرسل حتى ورقة واحدة

ترجمة معنى elder:*من خلال شرح المستر مارك، أنا أخترت أن أترجم elder بأنه أحد العارفين الواصلين وكأنه ولي من أولياء الله عند بعض المذاهب الإسلامية أو أحد المتصوفين الذي قد اتحد بالذات الإلهية والذي أصبح يعرف ما لا نعرف نحن وعندما يتحدث فإن هذا يكون بالطلاسم التي لا يفهمها سوى العارفين الواصلين

إذا رأيناها تخاريفا وطلاسما، فإن العيب فينا

وإذا لم نقتنع، فيجب أن نقتنع

هناك حكمة هم يرونها ونحن لا نراها

قد يكون فهم المستر مارك لدور ومكانة elder بها نوع من التدين الشخصي المتضخم، ولكن هذا كان هو ما قاله لي

إذا بحثت مصدرا أخرى لمعنى elder، ستجد شيخ الكنيسة، أو القائد الروحي للكنيسة، وهذا ليس قريبا على الإطلاق من شرح مارك

**ثالثا: النشأة في بيئة متدينة**١- خط واضح بين الخطأ من الصواب*النشأة في بيئة دينية منظمة، تجعل المعايير الأخلاقية واضحة

ويكون هناك حضور قوي لفكرة “الصواب والخطأ”

وعندما يكبر الأطفال ويواجهون الحياة، يحدون تناقضا بين ما نشأوا عليه وبين حقائق الحياة الغارقة في الأخطاء والخطايا

هناك درجات مختلفة كثيرة من التأثر بالنشأة الدينية

بغرض التبسيط سنختار نموذجي الأخ المتكيف والأخ الحساس

٢- الأخ المتكيف والأخ الحساس*لكن قد يخرج من أطفال نفس البيت إخوة أشقاء مختلفون

قد يكون هناك إثنان إخوة أشقاء من نفس الأم والأب والبيت والمجتمع وتحت نفس نظام الحكم

ويكون أحد الأخوين متعايشا ومتكيفا ولا يحس بأي مشكلة ذاتية داخلية ولا بأي دافع للتغيير

ويكون الأخ الآخر حساسا ويشعر بداخله أن عليه واجب تغيير ما يحدث

الأخ الشقيق الحساس، يعصف بداخله شعور بالذنب، أو يغلي بتمرد داخلي، أو يتطرف في الالتزام ويقرر أن يقوم بالمبادرة

تركيبة مثل هذا الشخص وتكوين جيناته وكروموسوماته، تجعله قابل للانطلاق أو الانفجار في أي مكان

البيئة، قد تحدد فقط نوع الانفجار

هذا إسمه التنوُّع diversity

التنوع، مهم للتطور evolution والارتقاء وبقاء النوع

هذا ليس تبريرا للتشدد

إنه تفسير فقط للتشدد والتزمت والتطرف

٣- مشاعر كولين تجاه ترامب*كولين أللين، إيڤانجليكالي غاية في الحماسة لتصحيح الأخطاء وحماية الأخلاق، ذهب إلى حفل الصحافيين السنوي التقليدي الذي يقيمونه لكل رئيس أمريكا وهو محمل بسكينة ومسدسين، وأطلق رصاصة قبل أن يبطحه أرضا الحراس

في الأوراق التي كان كولين أللين، قدكتبها، يقول:أن عنده مشاعر قوية ضد التصرفات والميول الجنسية للرئيس ترامب

ويعتبر ترامب خائنا

ولا يستطيع أن يتحمل استمرار ترامب باقتراف الجرائم

هذه أزمة نفسية حدثت عند شخص حساس رأى أن ترامب قد خان الأمانة فامتلأ كيانه بالغضب الأخلاقي

ثم أصبح خطرا على المجتمع والأمن عندما  اقتنع وقرر بأن “الفعل العنيف واجب أخلاقي”

القرار*هو يرى نفسه شريكًا في الجريمة إن لم يتدخل

قرر نقل نفسه “مواطن معارض” إلى “بطل الأخلاق المُلزَم بالتصحيح”

عندما يعتقد الإنسان أن عدم الفعل، يكون أيضا مشاركة في الشر، فإنه قد يبرر أي فعل حتى العنف

**رابعا: المتشددون المتزمتون المتطرفون المعاصرون**هذا هو حصر لكل أنواع التشدد، هذه الأيام:١- في الإسلام *(١) تنظيم القاعدة    يرى العالم ساحة صراع مفتوح، ويُشرعن العنف ضد “العدو البعيد” والأنظمة المحلية

(٢) تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)    نسخة أكثر حدّة: تكفير واسع، وعنف مفرط، وادعاء احتكار “الإسلام الصحيح”

(٣) الحوثيون (أنصار الله)    مزج ديني–سياسي، مع شعور بالاصطفاء، وتبرير الهيمنة بالقوة

(٤) السلفي المتشدد    ليس تيارا واحدا لكن بعض فروعه تتبنى قراءة حرفية ضيقة، وترفض التعدد

وقد ينزلقون  إلى التكفير أو الإقصاء

الخلاصة:التشدد هنا غالبا = احتكار الحقيقة + تكفير الآخر + تبرير العنف

٢- في المسيحية*(١) الإيڤانجليكالي المتشدد  النسخة المتشددة تتميز بـ:— يقين مطلق بتفسير واحد للكتاب

— تسييس الدين (خصوصا في قضايا الهوية والأخلاق)— أحيانًا خطاب “نحن مقابل عالم فاسد”— في بعض الولايات الأمريكية هناك حالات متشددة داخل التيار معهم أمنهم الخاص وجيشهم الخاص

(٢) أشكال أخرى أقل شيوعا— الميليشيات المسيحية المتطرفة (ظهرت تاريخيا في سياقات حروب أهلية مثل لبنان)

— جماعات “الهوية المسيحية” في الغرب (تمزج الدين بالعرق، وهي هامشية لكنها صاخبة)الخلاصة:التشدد هنا غالبا يعني مزج الإيمان بالهوية السياسية أو القومية + رفض التعدد القيمي

٣) في اليهودية* (داخل إسرائيل وخارجها)(١) الحريديم المتشددون (بعض التيارات)تركيز على الانغلاق ورفض الحداثة، وأحيانًا رفض الدولة نفسها (بعضهم، لا كلهم)

(٢) الصهيونية الدينية المتشددة ترى أن الأرض “وعد إلهي”، وقد تبرر التوسع أو العنف باسم هذا الحق

(٣) شباب التلال ( Hilltop Youthمجموعات استيطانية راديكالية، تقوم أحيانا بأعمال عنف ضد الفلسطينيين

(٣) حركات كاهانية  (نسبة إلى مائير كاهانا)    تدعو لتفوق يهودي صريح، وتم تصنيف بعضها كجماعات متطرفة

(٤) جماعات تدفيع الثمن (Price Tag)    عمليات انتقامية ضد الفلسطينيين أو حتى مؤسسات إسرائيلية

الخلاصة:التشدد هنا غالبا تقديس الأرض + هوية دينية–قومية حصرية + تبرير الإقصاء أو العنف حتى ولو أدى هذا إلى إزالة الفلسطينيين من الوجود

٤- الثوريون السياسيون*هناك نماذج من اليسار أو اليمين الثوريويرى المتشددون منهم أن النظام فاسد بالكامل، ولا يُصلح إلا بالهدم

وقد يبررون العنف كـ “ضرورة تاريخية”

جوهر التشدد:الغاية تبرر الوسيلة٥- القوميون المتشددون*نعم، هناك أنواع من القوميين المتشددين

يربطون الوطن بهوية واحدة (عرق/دين/لغة)يرون الآخر تهديدا وجوديا

يميلون للإقصاء أو الهيمنة

جوهر التشدد:نحن الشرعية وكل ما هو غيرنا خطر

الخيط المشترك:المتشددون، مهما اختلفت راياتهم، يشتركون في شيء واحد:تحويل القناعة إلى يقين مطلق، واليقين إلى حق في إقصاء الآخرين… أو إلغائهم

**خامسا: الشخص الحساس يحتاج فرامل وكوابح**لكن العظماء المصلحون الذين خدموا مجتمعاتهم وأوطانهم والبشرية، هم أيضا:حساسون

ويميزون الصواب من الخطأ

ويلبون نداء الواجب

هذه نفس خصال المتطرفين (!)ما الذي يفصل المصلحين عن المتطرفين؟المصلحون، يصبحون رائعين بسبب وجود “قيود” أو “فرامل” فكرية

الشكالتعدديةقبول الخطأقبول الاعتراف بالخطأقبول حتى السخريةبدون هذه الفرامل…الحساسية + الأخلاق، تتحول إلى قنبلة

يتحول الحساس المليء بالأخلاق بدون فرامل إلى مجرم

الخلاصة*المتشدد لا يُولد من الدين ولكن من لحظة يقتنع فيها أن الصمت جريمة

في تلك اللحظة، يتحول الإنسان من مؤمن  إلى قاضٍ… ومن قاضٍ إلى منفذ حكم

والخطير، هو  أنه لا يرى نفسه مجرما، ولكن مصلحا يلبي نداء الواجب

المشكلة ليست في الدين… ولا في السياسة…إنها في الشخص عندما يعتقد أن الله، أو التاريخ، أو الوطن، قد فوّضه شخصيا لإصلاح العالم

عندها… يبدأ الخطر