د. عبدالقادر الجنيد : مشكلة رئاستي الجمهورية والحكومة: "إدمان الضعف" … مشروع دولة، لا دولة محمية
منذ 9 أيام
د
عبدالقادر الجنيد تمكن الرئيس رشاد العليمي أخيرا من تشكيل حكومة جديدة
المؤكد أنه هو الذي استقر رأيه على تعيينات أسماء الوزراء، يوم أمس، وليس رئيس الحكومة شائع الزنداني
أنظمة تحتاج الأجانب*هناك أنظمة حكم ضعيفة ومحمية بقوة أجنبية من خارج البلاد
لكن الحامي لا يبقى إلى الأبد
لكن دوام الحال من المحال
الدنيا دوارة والأحوال تتغير باستمرار وتضطر القوة الأجنبية للتخلي عن نظام الحكم فينهار نظام الحكم في نفس اللحظة ويستولي أعداء النظام على مقاليد الحكم
وتنسى القوة الأجنبية الرئيس الذي كانت تحميه ولا تكترث بما يحدث للبلاد
سوف نستعمل أمثلة من أفغانستان وسوريا
ثم سوف نتأمل في حماية السعودية للشرعية اليمنية
ثم سوف نتأمل في أحوال نظام حكم الشرعية اليمنية والرئيس رشاد العليمي
أولا: لحظة انكشاف ضعف الحماية: أفغانستان وسوريا١- نهاية شرعية أفغانستاننظام الرئيس الأفغاني، كانت معه الشرعية الدولية وكان من يمثله يحتل مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة
الرئيس الأفغاني عبدالغني، كان ضعيفا ومستورا بحماية أمريكا
قرر الرئيس الأمريكي بايدن الإنسحاب فجأة، فانكشف ضعف نظام الحكم في نفس اللحظة
رائحة الضعف تنبعث وتسري مع الرياح نحو الخصوم
انطلق مقاتلوا طالبان وهرب الرئيس من كابول بطائرة مروحية إلى طاجكستان بينما القوات الأمريكية مازالت في المطار، ثم استقر في دبي
٢- نهاية شرعية سوريانظام الرئيس السوري، كانت معه الشرعية الدولية وكان من يمثله يحتل مقعد سوريا في الأمم المتحدة
الرئيس السوري بشار، كان ضعيفا ومستورا بحماية إيران وحزب الله وروسيا
ضربت اسرائيل إيران وحزب الله
غطست روسيا في حرب أوكرانيا
وفي نفس لحظة مقتل حسن نصر الله في بيروت، انتشرت رائحة الضعف من دمشق إلى الشمال
انطلق مقاتلوا النصرة والمخابرات التركية باتجاه دمشق
وهرب الرئيس بطائرة إلى موسكو واستقر هناك
ثانيا: التأمل في نظام حكم الرئيس رشاد العليميماذا يمكن أن نسمي نظام الحكم في المناطق المناوئة للحوثي؟هل يمكن استعمال مسمى نظام حكم وشاد العليمي؟هذا هو نظام الرئيس اليمني، الذي معه الشرعية الدولية وهو الذي يعين من يمثله في مقعد اليمن في الأمم المتحدة
وهو أيضا معه حماية دولة أجنبية (السعودية) تحمي الشرعية، مثلما كان وضع أفغانستان وسوريا
وهو أيضا لا يحكم أجزاء كبيرة من البلاد مثلما كان الوضع في أفغانستان وسوريا
وهو أيضا قد تغيرت مشاعر الدولة الأجنبية الحامية له عدة مرات ولكنها لم تصل حتى الآن للتخلي الكامل عنه كما حدث في أفغانستان وسوريا
ثالثا: نهاية وضع قوتين أجنبيتين متناقضتين في اليمنهل يوجد في التاريخ نموذجا مشابها لوضع اليمن مع القوى الأجنبية الحليفة المتناقضة، خلال العقد الماضي؟ربما أقرب مثل مشابه لهذا هو دخول قوات الإتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية ألمانيا بعد هزيمة النازية بقيادة هتلر
مع الإقرار بأن التناقض بين السعودية والإمارات في اليمن لا يصل إلى هذا الحد
لكن إسباغ الحماية على أشياء مختلفة ومتناقضة يحمل الكثير من أوجه الشبه بين ألمانيا تحت الحماية واليمن تحت الحماية
قوى أجنبية متناقضة تحمي أنظمة حكم محلية متناقضة
قوتان أجنبيتان جاءتا لحماية الشرعية اليمنية، ثم تبلور الوضع إلى:قوة أجنبية مهتمة بالسواحل والموانئ وجنوب البلاد ومعها نظام حكم يمني تابع لها
قوة أجنبية تأوي رئيس البلاد الشرعي ومعها نظام حكم يمني تابع لها
ثم اصطدمت القوتان الأجنبيتان
ثم انتصرت إحدى القوتين الأجنبيتين وطردت الأجانب المهزومين
ثم انهار نظام الحكم اليمني التابع للقوة الأجنبية المهزومة
يمكن أن يكون المكسب الكبير من دراما الشهرين الماضيين، هو ميلاد رئيس يمني قوي
على أساس اعتبار أن سبب ضعف الرئيس إنما كان بفعل طاردة رؤساء اليمن و مضطهدة رؤساء اليمن قد خرجت من المشهد
المخاض الصعب والفترة الطويلة الذي صاحب تشكيل الوزارة الجديدة، لا يدل على أننا اقتربنا من ميلاد الرئيس اليمني القوي
حتى بعد هروب عيدروس الزبيدي وحل المجلس الانتقالي انهيار نظام حكم المجلس الانتقالي الجنوبي، وخروج عامل القوة الأجنبية الإماراتية
وبالمناسبه، يمكن إضافة نموذج انهيار المجلس الانتقالي بعد انتهاء الحماية الأجنبية إلى نماذج أفغانستان وسوريا
انفراد السعودية بحماية نظام الحكم، يجعل الرئيس اليمني، في وضع مكتمل الأوصاف لنموذجي الرئيسين السابقين عبدالغني في أفغانستان وبشار في سوريا
ولكننا نحاول في هذا المقال ألا يكون مصير الرئيس اليمني مشابها لمصائر الرئيسين الأفغاني والسوري
رابعا: نريد مصيرا أفضل للرئيس والشرعية اليمنيةقد وافقنا على أن الرئاسة اليمنية ضعيفة، وعلى أنها محمية فقط بقوة السعودية
ويمكننا أن نتفق بسهولة على أن الدنيا دوارة وأن السعودية يمكن أن تنشغل بأمور أخرى وتسحب الحماية عن الرئيس وعن اليمن
كل شيئ جائز بناء على هذا المنطق
يمكننا أن نتقدم خطوة بالتأمل ونقول أن مصير الرئيس رشاد العليمي ومصير الشرعية اليمنية، يمكن في ظروف معينة أن يؤدي إلى نهاية نظام حكم الرئيس ونهاية فكرة الشرعية الحالية وسقوط كل اليمن في الفوضى أو تحت أيدي الخصوم
ونحن لا نريد أن تنتهي اليمن في الفوضى ولا تحت أيدي الخصوم
ويمكننا أن نضيف ألا ينتهي رشاد العليمي بنفس المصير
خامسا: مشكلة اليمنيين مع أوضاع اليمن الجديدةيعرف اليمنيون- من أمثالي- أنهم يجب أن يؤيدوا الوضع الجديد من أبواب: هذا ما معنا و هذا ما حكم علينا به الزمان و ما باليد حيلة
الاقتناع شيء مختلف*ولكنهم أبدا لا يؤيدونها من باب الرضا ولا من باب الاقتناع ولا حتى من باب الطاعة
هذه أشياء يجب أن يكتسبها نظام الحكم باستعمال العقل وبذل الجهد والنجاح
والغريب في الأمر هو أن الرئيس والسعودية راضون بهذه المعادلة
معادلة قائمة على أن ما بيد اليمنيين أي حيلة
وبناء على كل هذا فإن اليمنيين:يؤيدون نظام الحكم الشرعي الجديد
يؤيدون القوة الأجنبية (السعودية) التي انفردت بحماية نظام الحكم
يؤيدون الرئيس رشاد العليمي
يؤيدون رئيس الحكومة شائع الزنداني
{{ أنا شخصيا، معي ٣ مشاكل كبرى مع تأييدي بهذه الطريقة:١- الدنيا دوارة، والسعودية بالتأكيد سوف تتغير
٢- السعودية، لا تعمل على وجود رئيس قوي
٣- الرئاسة اليمنية تعاني من إدمان الضعف }}سادسا: إدمان الضعف عند المحمي والحامي١- إدمان الضعف عند رئيس الدولة المحتاجةهذا نمط سلوكي معروف في علم السياسة
هناك ما يسمى في علم الإدارة والسياسة:“حوافز البقاء في المنصب”Incentives for survival in officeعندما يكتشف المسؤول أن: بقاءه في المنصب وأمانه الشخصي وموارده وشرعيته الدولية، كلها تأتي من الخارج؛ فإنه يبدأ تدريجيا بتجنب أي قرار قد يزعج الحامي
وتأجيل الإصلاحات التي قد تخلق قوة مستقلة،وتفضيل حالة الجمود، لأنها أكثر أمانا
وبمرور الوقت، يتحول الضعف إلى: استراتيجية بقاء ثم إلى عادة سياسية ثم إلى إدمان نفسي
في هذه المرحلة:يخاف الرئيس من القوة أكثر مما يخاف من الضعف، لأن القوة تعني الاستقلال، والاستقلال يعني المسؤولية والمخاطرة
فيصبح الضعف: منطقة راحة سياسية… رغم أنه طريق إلى السقوط
٢- إدمان القوة الحامية الأجنبية لرئيس ضعيف محلي*الحليف الضعيف، أكثر طاعة من الحليف القوي
القوة الأجنبية تجد في الرئيس الضعيف عدة مزايا:(١) سهولة التوجيه:لأنه لا يعارض ولا يفاوض بقوة ولا يضع أي شروط
(٢) انعدام المخاطر السياسية:بما أن الرئيس الضعيف لا يملك قاعدة شعبية مستقلة فإنه لا يستطيع الانقلاب على الحليف
(٣) تكلفة أقل:الرئيس الضعيف لا يحتاج إلى دعم مؤسسات حقيقية مثل بناء مؤسسة رئاسة التي يحتاجها أي رئيس
وبناء على هذا يكتفي بتمويل محدود وحماية سياسية
(٤) على نفسها جنت براقش:الحليف يؤذي نفسه بنفسه
هذه العلاقة، محكوم عليها مسبقا وحتميا بالمصير السيئ لأن الرئيس الضعيف لا يستطيع بناء دولة،… والدولة الضعيفة لا تحمي مصالح الحليف
… فيتحول الدعم إلى نزف دم طويل
وعند نقطة انكسار معينة تصل القوة الأجنبية داخلها إلى لحظة تقول فيها لنفسها:تكلفة الحماية أصبحت أكبر من الفائدة
وفي تلك اللحظة تسحب الحماية وينهار النظام بسرعة مذهلة
وهذا ما حدث في أفغانستان وغيرها
أي أن: القوة الأجنبية تدمن الرئيس الضعيف، ثم تكتشف متأخرة أنه استثمار خاسر
ونحن هنا لا نتنبأ بانهيار حتمي
نحن فقط نحاول التحذير من مصير محتمل ونعرض طريقا لتفاديه
٣- مؤشرات إدمان الضعف لدى الرئاسة*(١) الاعتماد شبه الكامل على السعودية في التمويل
(٢) غياب أي مشروع لبناء مؤسسات سيادية
(٣) تجنب الصدام مع مراكز النفوذ المحلية
(٤) تأجيل القرارات الصعبة إلى أجل غير مسمى
(٥) تفضيل التوازنات الهشة على الحسم
٤- الفرق بين الحماية وبناء الدولة*الحماية تعني منع السقوط الآن
أما بناء الدولة فإنه يعني القدرة على الوقوف بدون حماية
والخلط بين الاثنين هو أصل المشكلة
سابعا: علاج إدمان الضعفالإدمان مفهوم، ويمكن علاجه
١- تشخيص معنى القوة(١) الأمن: لا تستطيع أن يقول أي نظام أنه قوي وهو لا يحمي الضعفاء والشوارع والطرقات والبائعين والمشترين والمستثمرين والموانئ
(٢) الدفاع: القوي، هو من يحرر بلاده ويحمي حدوده وشواطئه وجزره
(٣) القضاء: القوي، يؤمن سيادة القانون وتنفيذ أحكام القضاء
(٤) الموارد: القوي، هو من يسيطر على الجمارك والضرائب ومصادر الثروة ويمنع التهريب والابتزازات والجبايات
(٥) عقول وقلوب الناس: القوي، هو الذي يكسب رضا شعبه بالمساءلة والمحاسبة والتدقيق Audit(٦) السيادة: القوي، هو الذي يبحر بسفينة اليمن بمهارة حتى تصل إلى الاعتماد على النفس والتخلص من التبعية والوصول إلى حالة السيادة
٢- المهارة بالتعامل مع السعودية: قوة كبيرةلا يمكن أن يكون الرئيس رشاد العليمي قويا بدون الإتكاء على قوة وثروة وهيبة ومكانة السعودية
هذا يعني اكتساب ثقة واحترام المملكة
هذا يعني تقديم شيئا بالمقابل للمملكة
هذا يعني ألا يكون عبئا لا ينتهي على المملكة
هذا يعني مهارة وجهد وذكاء بالتعامل مع المملكة
٣- الشفاء التلقائي من إدمان الضعفالشفاء من إدمان الضعف، يحدث تلقائيا إذا تم تشخيص معاني ومكامن القوة، ثم التفاهم مع مصدر الإدمان،ثم امتلاك أدواتها وأساليبها والحصول على ثمارها
٤- اختبار القوة الحقيقي للرئيساختبار بسيط:هل يستطيع الرئيس أن:يحكم مدينة واحدة بشكل نموذجي؟ويفرض القانون فيها؟ويضمن الأمن والقضاء والموارد؟إذا نجح في مدينة… يمكن أن ينجح في دولة
إذا فشل في مدينة… فهو رئيس بلا دولة
والمطلوب هو أن تنتقل اليمن من وضع دولة محمية إلى وضع مشروع دولة
الفرق بين رئيس ضعيف ورئيس قوي، ليس في الشعارات ولا في عدد الحراس، ولا في مقابلة السفراء الأجانب، ولكن في قدرته على أن يستغني تدريجيا عن الحماية، بدلا من أن يستحلي الحكاية ويدمنها