د. فهيد بن سالم العجمي : التوازن الاستراتيجي في مواجهة التصعيد: قراءة في الموقف السعودي

منذ 4 ساعات

د

فهيد بن سالم العجمي تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيداً في ظل تصاعد التوترات العسكرية المرتبطة بالمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات إقليمية واسعة

هذا المشهد المتوتر يضع دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أمام معادلة دقيقة تتطلب موازنة محسوبة بين حماية أمنها الوطني والحفاظ على استقرار المنطقة

فالتصعيد العسكري، مهما كانت مبرراته أو أطرافه، يظل عاملاً مهدداً لأمن الإقليم، ويضاعف من مستوى المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية

ومن هذا المنطلق تتعامل المملكة مع التطورات الجارية بقدر كبير من الحذر والواقعية السياسية، إدراكاً منها أن أي انفجار واسع في المنطقة لن يقتصر أثره على أطراف الصراع المباشرين، بل سيمتد ليشمل أمن الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي

الموقف السعودي في هذه المرحلة يعكس نهجاً استراتيجياً يقوم على ركيزتين متلازمتين: أولهما حماية أمن المملكة وسيادتها وعدم السماح بأي تهديد يمس مصالحها أو استقرارها، وثانيهما السعي إلى منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة قد تكون عواقبها كارثية على شعوبها واقتصاداتها

ولذلك، فإن السياسة السعودية لم تنجرّ إلى منطق التصعيد، بل تمسكت بمسار أكثر اتزاناً يدعو إلى خفض التوتر وفتح قنوات الحوار ومعالجة الأزمات عبر الوسائل الدبلوماسية

فالمملكة تدرك أن الحلول العسكرية، مهما بدت حاسمة في لحظة معينة، لا تضمن استقراراً دائماً بقدر ما تفتح الباب أمام دورات جديدة من الصراع

في الوقت ذاته، لم يكن هذا النهج المتزن على حساب الجاهزية الدفاعية

فالمملكة تمتلك من القدرات العسكرية والتحالفات الدولية ما يكفل حماية أراضيها ومصالحها، وهي قادرة على الرد على أي تهديد يستهدف أمنها أو سيادتها

غير أن استخدام القوة يظل خياراً أخيراً تفرضه الضرورة، وليس نهجاً تسعى إليه الرياض

كما أن الاستقرار الداخلي الذي تنعم به المملكة يشكل أحد أهم عناصر قوتها في التعامل مع الأزمات الإقليمية

فالتماسك السياسي والاقتصادي والاجتماعي يعزز قدرة الدولة على اتخاذ قرارات متوازنة تراعي المصالح الوطنية دون الانجرار إلى ردود فعل متسرعة

إن القراءة الواقعية للمشهد تؤكد أن الحكمة السياسية اليوم ليست في توسيع رقعة الصراع، بل في احتوائه ومنع تحوله إلى حرب إقليمية مفتوحة

وهنا يبرز الدور السعودي كقوة توازن إقليمية تسعى إلى تهدئة التوترات، وتعمل على بناء مسارات للحوار تحفظ أمن المنطقة واستقرارها

وفي ظل عالم يموج بالأزمات والصراعات، تظل الرؤية السعودية قائمة على مبدأ واضح: السلام خيار استراتيجي، والردع ضرورة سيادية، والتوازن بينهما هو الطريق الأكثر حكمة لحماية الدول واستقرار الشعوب