د. فهيد بن سالم العجمي : قراءة في مشهد الحرب على إيران… حين يصبح الشرق الأوسط على حافة التحول الكبير
منذ 2 ساعات
د
فهيد بن سالم العجمي لم يعد المشهد القائم حول التصعيد العسكري ضد إيران حدثًا عسكريًا عابرًا يمكن تفسيره بمنطق الضربة والرد، بل أصبح حالة سياسية مركّبة تتداخل فيها حسابات القوة، وقلق الأمن الإقليمي، وصراع الإرادات الدولية في لحظة تُعد من أكثر مراحل المنطقة حساسية منذ عقود
فالمتابع للأحداث الجارية يدرك سريعًا أن التعقيد لا يكمن في حجم العمليات العسكرية بقدر ما يكمن في السؤال الأخطر: إلى أين تتجه هذه المواجهة؟التصعيد الأخير كشف أن الصراع تجاوز مرحلة الرسائل غير المباشرة، وانتقل إلى مستوى اختبار التوازنات الكبرى
فالضربات التي طالت العمق الإيراني لم تُقرأ فقط كعمل عسكري، بل كتحول في قواعد الاشتباك التي حكمت المنطقة لسنوات طويلة، حيث كانت المواجهة تُدار عبر الوكلاء أو الساحات البعيدة، لا عبر الاحتكاك شبه المباشر بين القوى الفاعلة
إيران من جهتها تجد نفسها أمام معادلة معقّدة؛ فعدم الرد يضعف صورتها الاستراتيجية داخليًا وخارجيًا، بينما الرد الواسع يفتح باب مواجهة إقليمية قد تفقد السيطرة على مسارها
وهنا يظهر جوهر الأزمة: جميع الأطراف تتحرك داخل مساحة ضيقة بين حفظ الهيبة وتجنب الحرب الشاملة، وهو ما يجعل المشهد شديد الخطورة وقابلًا للانفجار في أي لحظة خطأ في التقدير
الأخطر في هذه المرحلة أن الصراع لم يعد محصورًا في الجغرافيا العسكرية، بل امتد إلى أمن الطاقة العالمي والممرات البحرية والاستقرار الاقتصادي الدولي
فمجرد التلويح بتهديد خطوط الإمداد النفطية كفيل بإدخال الاقتصاد العالمي في موجة اضطراب، وهو ما يفسر القلق الدولي المتسارع ومحاولات احتواء التصعيد سياسيًا رغم استمرار العمليات على الأرض
وعلى المستوى القانوني والسياسي، يدخل المجتمع الدولي اختبارًا حقيقيًا لمصداقية منظومة الأمن الجماعي؛ إذ إن استمرار الضربات المتبادلة دون إطار ردع واضح يعكس هشاشة التوازن الدولي أمام النزاعات الإقليمية الكبرى، ويعيد طرح سؤال قديم متجدد: هل ما زال القانون الدولي قادرًا على منع الحروب أم أصبح مجرد أداة تفسير بعد وقوعها؟إن القراءة الواقعية للمشهد تشير إلى أن المنطقة لا تقف أمام حرب تقليدية بقدر ما تقف أمام مرحلة إعادة تشكيل توازنات
فإما أن يقود الضغط العسكري إلى تسوية سياسية جديدة تفرض قواعد أمن مختلفة، أو أن ينزلق التصعيد إلى دائرة أوسع تتجاوز حدود إيران لتطال استقرار الإقليم بأكمله
وفي ظل هذا التعقيد، تبقى الحقيقة الأهم أن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس الحرب ذاتها، بل غياب اليقين
فحين تختلط الحسابات العسكرية بالاعتبارات الأيديولوجية، وتتحرك القوى الكبرى وفق مصالح متضاربة، يصبح أي حادث محدود شرارة لتحول استراتيجي واسع قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط لسنوات قادمة