د. مصطفى الجبزي : أمن الطاقة العالمي يبدأ من اليمن

منذ 6 ساعات

د

مصطفى الجبزي راهن نظام ملالي إيران منذ وقت مبكر من تطلعاته التوسعية على الأبعاد الجيوسياسية للجزيرة العربية، مركّزاً على مسألة الطاقة وتأثيراتها على الاقتصاد العالمي

ووضع نصب عينيه أمرين: إنتاج الطاقة وتصديرها

وبهذا تموضعت مسألة الطاقة في قلب الرهانات الجيوسياسية، وأصبحت مسألة جوهرية في أي بنية أمنية

وبعد طول أمد من التلويح، وضع النظام الإيراني العالم، خصوصاً الاقتصاد الطاقوي، أمام امتحانين قبل هذه الحرب الجارية؛ أحدهما في اليمن، والآخر لعله نابع من اليمن عبر الحوثي بالإنابة، مع ترجيحات تذهب إلى أذرع إيرانية في العراق

ومع ذلك كانت الاستجابة دون المستوى

يتمثل الامتحان الأول في استهداف محطات إنتاج ومعالجة النفط عندما قُصفت منشآت بقيق في المملكة العربية السعودية في نهاية عام 2019

والثاني في نقطة إمداد وتصدير النفط عندما قصفت الجماعة الحوثية منشآت ميناء الضبة في حضرموت وميناء شبوة في أكتوبر 2022

تمكنت السعودية من امتصاص صدمة استهداف منشآت إنتاج النفط، وهي من أهم المنشآت في العالم، دون أن يؤدي ذلك إلى تأثير كبير في الأسعار على المدى المتوسط والبعيد

لكن استهداف منشآت تصدير النفط في اليمن كاد أن يركّع الحكومة اليمنية تماماً من المنظور الاقتصادي؛ إذ تواجه اليوم أصعب مرحلة، ولم يكن أمامها إلا تلقي مساعدات خارجية لتتمكن من الوقوف على قدميها

وتتمثل هذه المساعدات في إيداع مبالغ مالية في خزينة البنك المركزي اليمني دعماً للحفاظ على سعر العملة من ناحية، وتوفير العملة الأجنبية اللازمة لشراء الاحتياجات الأساسية في بلد يستورد أكثر من 90٪ من احتياجاته من الحبوب

ومع ذلك، فإن العالم لم يلتفت إلى هذين الحدثين كما ينبغي، ولم يدرك مرامي إيران أو أذرعها في المنطقة

وهي اليوم، إيران، تستهدف بصواريخ ومسيّرات انتحارية ميناء الفجيرة الذي يمثل واحدة من أهم النقاط البديلة لتصدير الطاقة، لتجاوز إشكاليات مضيق هُرمز الذي طالما هددت إيران بإغلاقه

ولا ينظر نظام طهران إلى منشآت ومصالح دول الجوار إلا باعتبارها الجرح الناكئ لاقتصاد العالم، بعيداً عن علاقات الصداقة والود التي تربطه ببعض أنظمة دول الجزيرة العربية

واليمن، وإن كان هامشياً في موضوع الطاقة الدولية بالنظر إلى كمية إنتاجه التي بلغت في أفضل مراحله نصف مليون برميل يومياً، فإنها الآن تراجعت إلى أقل من 30 ألف برميل يومياً، ولا تكاد تلبي شيئاً من الاحتياج المحلي، فضلًا عن التصدير، في بلد تمثل فيه عائدات النفط نحو 80٪ من إيرادات الحكومة

ولأن اليمن، وإن كانت أهميته هامشية في نظر العالم، فإنه كان مركزياً في نظر إيران التي تهدف إلى الإمساك بخنق اقتصاد العالم عبر الممرات البحرية

وما تزال ورقة اليمن بالنسبة لإيران إحدى الأدوات التي تفكر من خلالها في إحكام قبضتها على هذه الممرات

إن هذه الأحداث الأخيرة في منطقة الجزيرة العربية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن أولويات أمن الجزيرة العربية تقتضي إعادة النظر في التحالفات والاستراتيجيات

كما تقتضي بوضوح عدم إهمال اليمن وتركه رهينة الانتقال السياسي المضطرب، بل ينبغي العمل بشكل جاد من أجل استيعاب هذا البلد بدل الاستمرار في النظر إليه باعتباره مصدر تهديدات ومشكلات

ولا يكون ذلك إلا بإصلاح المنظومة السياسية في هذا البلد والقضاء على الانقسام

ولن يتحقق ذلك إلا عبر مسارين: الأول عمل عسكري يقوض الخطر الحوثي ويقود إلى تثبيت سلامة هذا البلد ووحدة أراضيه، وقد بدأت المملكة العربية السعودية في هذا المسار بجدية، كما تثبت أحداث ديسمبر المنصرم

والثاني عملية سياسية شاملة تستلهم الإرث السياسي الحديث للمجتمع اليمني، بما يتيح حلولاً نابعة من بيئته المتنوعة، ويحول دون استئثار فئة بالسلطة والحكم والطغيان، طالما أن البلد اختار التعددية السياسية والحزبية

وعليه، فإنه يجب رفد هذا البلد بالموارد التي تنقذه من مشكلاته الاقتصادية، إضافة إلى تأسيس بنية حوكمة رشيدة قائمة على مكافحة الفساد، ورفع الكفاءة، واحترام الاستحقاق، وتأسيس منظومة أمنية حديثة

كما أن العملية التعليمية لا تنفصل عن أي جهد لاستيعاب اليمن؛ فلا يعقل أن تنشأ أجيال قادرة وصالحة للمستقبل بينما لا توجد مدارس، وقد انقطعت العملية التعليمية، ولا يتجاوز راتب المعلم 80 دولارًا

 لا نقول إن اليمن يقع في قلب المسألة الأمنية لمنظومة الجزيرة العربية من باب المبالغة، بل لأنه رئة التنفس للأمن الطاقوي لما يفتحه من نافذة إمداد عبر البحر العربي وخليج عدن نحو العالم

ولأنه يتحكم بثاني أهم منفذ للطاقة، وهو باب المندب

تلعب إيران معادلة صفرية انتحارية، نابعة من عقيدة جهادية تتمسك بتصوراتها للنظام السياسي ورؤيتها للكون والسياسة

وتقتضي الحكمة استيعاب مجريات هذه الأيام من الحرب، حيث جعلت إيران دول الجوار هدفًا امتيازيًا

لذا، على دول المنطقة في الخليج أن توسع تحالفاتها، وتجعل من أمنها القومي أمنًا أوسع يشمل دول الجزيرة العربية، ويضع في مقدمة أولوياته حماية إنتاج الطاقة ضمن معادلة أمنية عربية متكاملة، لا ينفصل عنها اليمن