د. مصطفى الجبزي : اختراق استخباراتي اسموزي للنظام الإيراني: قراءة سوسيولوجية

منذ 8 ساعات

د

مصطفى الجبزي بطبيعتها، الأنظمة الشمولية، سواء استندت إلى عقيدة ذات طابع ديني أو وضعي، تمارس أعلى درجات التعصب والعسف بهدف خلق ولاء مطلق

وهي لا تكتفي بالهيمنة السياسية، بل تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الفردي والجماعي، عبر التحكم في منظومات التربية والتعليم والإعلام والرموز الدينية والثقافية، بما يضمن إنتاج ذات مطيعة عليها أن تُعرّف نفسها من خلال السلطة لا خارجها

وفي العادة، تُنتج أفراداً تابعين مغيبي الوعي، لكنها –من حيث لا تدري– تهيئ في الوقت نفسه الشروط البنيوية التي تجعلها قابلة للاختراق

لأنها تقسم المجتمع إلى فئتين متضادتين لا يجمع بينهما جامع: فئة مهيمنة تحتكر تعريف الشرعية، وأخرى مقصاة تُدفع تدريجياً نحو الهامش

وهي بذلك لا تزيح المختلِف فقط، بل تسحقه وتغتاله معنوياً بوصمه خائناً، وطابوراً خامساً، ومتآمراً، وعدواً للشعب أو لله

وبطريقتها، تجعل الدعاية المنتصرة الخيانة أمراً مستسهلاً حين تقترحها في بلاغة مكرّرة تُفرغ المفاهيم من مضمونها الأخلاقي وتسحق الفرد أمام ذاته

تتصور أنها تضع خطوطاً حمراء للجريمة السياسية أو العقدية، لكنها في الواقع تعيد تعريف الممكن السياسي، وتضع الأفراد أمام بدائل محدودة، حيث تغدو “الخيانة” أحد الأشكال المتاحة للفعل أمام بهتان عنيف يمس كرامة المختلف

في الحقيقة، فكرة الولاء، ومثلها “الخيانة”، ليست سوى معطى اجتماعياً ناتجاً عن تنشئة سياسية تهدف إلى خلق علاقات “هابيتوس” يتشكل ضمن شروط تاريخية واجتماعية محددة

هذا الهابيتوس لا ينتج الطاعة فقط، بل ينتج أيضاً أنماطا كامنة من المقاومة، قد تكون صامتة أو ملتوية أو انتهازية

وهنا تغدو الخيانة، من حيث هي نقيض للولاء، أحد تجليات هذا التوتر البنيوي، نتيجة لاختلال العلاقة بين الولاء المفروض تصنيعه والمصلحة الفردية التي لا يمكن إلغاؤها

إذ لا يمكن فصل البعد النفعي عن البعد العقدي؛ فلا يمكن أن نطلب من فرد يعيش القهر –سواء كان قهراً مادياً أو رمزياً– أن يبدي ولاءً مطلقاً

بل إن ما ينتج غالباً هو ما يمكن تسميته بـ“الولاء الأدائي”، أي طاعة ظاهرية تُخفي تحتها استراتيجيات تكيّف ومراوغة

الخيانة هنا لا تظهر كفعل أخلاقي منحرف، بل كخيار اجتماعي ممكن يخرج من رحم الشروط الموضوعية للوجود

أمام انحرافات ممارسات القمع السلطوي ونيلها من كرامة الإنسان وتقديره لذاته لا تبدو الخيانة انحرافاً بقدر ما تبدو انتصاراً للذات المهدرة

إن حالة الاختناق الاجتماعي والاقتصادي، بما تتضمنه من تقييد للحراك الاجتماعي واحتكار للموارد والفرص، تدفع الأفراد إلى إعادة تقييم علاقتهم بالسلطة

ففي ظل غياب قنوات التعبير المشروعة، يتحول الفعل غير المشروع –ومن ضمنه “الاختراق” والتخاذل مع أعداء النظام– إلى أداة بديلة للفعل السياسي المتمرد

وهنا يمكن فهم التمرد لا باعتباره حالة استثنائية، بل استجابة عقلانية ضمن سياق مغلق

لكن بناء الولاء يتطلب، في المقابل، وجود وحدة انتماء عضوية قائمة على حد أدنى من العدالة والتكافؤ

يعززها الانسجام الإثني أو الديني - علماً أن هذا الانسجام ليس شرطاً مطلقاً- لإنتاج ولاء مستقر، بل لا بد من شعور مشترك بالمصير وإحساس بالمشاركة والشراكة والحضور والفعل

وحين يغيب هذا الشعور، يتحول الانتماء إلى قشرة هشة قابلة للتصدع

يزخر التاريخ، الإسلامي -مثل غيره من تواريخ الأمم-، بسلسلة لا نهائية من انقلابات السلطة نتيجة اختراق من الداخل

وهو ما يكشف أن البنى السياسية المغلقة تحمل في داخلها عناصر تفككها

وما تزال الذهنية التقليدية تجد صعوبة في استيعاب التحالفات العابرة للهويات كتلك التي كانت في الأندلس، حيث لم تكن العقيدة وحدها محدداً للسلوك السياسي، بل كانت المصلحة وإدارة القوة عاملين حاسمين

وهذا يدل على أن الفاعل السياسي لا يتحرك داخل نسق قيمي خالص، بل ضمن شبكة معقدة من المصالح والضغوط، حيث 4تصبح البراغماتية شكلاً من أشكال العقلانية

لكن في المجتمعات ذات البنية الإمبراطورية، حيث التعدد سمة بنيوية، تصبح مسألة الولاء أكثر تعقيداً

فهذه المجتمعات تقوم تاريخياً على إدارة الاختلاف لا إلغائه، لكن حين تتحول السلطة إلى جهاز احتكاري قائم على الغلبة، فإنها تعجز عن تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة

وهنا يظهر التناقض: سلطة تريد توحيداً قسرياً، ومجتمع يقوم على التعدد

في هذه الحالة، لا يمكن إنتاج ولاء مطلق، بل فقط توازنات مؤقتة بين غالب ومغلوب

لنعد إلى نظام طهران في هذا الإطار

المجتمع الإيراني، بوصفه امتدادا لإرث إمبراطوري، يتكون من فسيفساء إثنية ومذهبية معقدة

وهذا التنوع لا يعني ضعف الانتماء الوطني، بل يعكس تعدد مستويات الهوية

غير أن الإشكال يكمن في الفجوة بين هوية المجتمع وهوية السلطة

فقد يشعر الأفراد بانتماء عميق إلى الأرض الإيرانية، لكنهم لا يجدون أنفسهم ممثلين في بنية السلطة، مما يخلق انفصالا بين “الوطن” و“النظام”

وإلى جانب ذلك، يبرز عامل الصراع بين الأجيال كعنصر حاسم

فالنظام الذي تشكل في سياق ثوري عام 1979، ما يزال يدار بذهنية الجيل المؤسس، في حين يعيش الجيل الجديد ضمن شروط عالمية مختلفة جذرياً، تتسم بالانفتاح الرقمي والتواصل الكوني وتحول القيم

ثم ان المجتمع الإيراني يملك انموذجا في الحكومة والمعاش ما قبل الاسلاموية الثورية تتمثل بحكم ملكي وعلمانية متشددة

هذه الفجوة لا تنتِج فقط مطالب إصلاح، بل تنتج أيضا أشكالاً جديدة من الرفض، قد تكون فردية وغير مؤطرة سياسياً، لكنها تحمل في داخلها قابلية التحول إلى فعل اختراقي

أظننا نتذكر جيداً الصعوبات التي يواجهها النظام الإيراني في التعامل مع المطالب الشعبية في ظل ظرفية اقتصادية شديدة وعقوبات دولية والإمعان في سياسات تسخير المال العام لمشاريع توسعية تستنزف الموارد

شهدت إيران منذ العام 2000 على الأقل خمس موجات احتجاج كبيرة (2009، 2017-2018، 2019، 2022، 2025-2026) شملت عدداً كبيراً من المدن يصل إلى أكثر من 100 مدينة

هذا الرقم يشير إلى احتقان العلاقة بين السلطة والمجتمع واختزال هذه العلاقة في عنصرين: شباب منتفض رافض وشيوخ يستخدمون الأمن والجيش في إسكاته

إن “الاختراق” في هذا السياق لا يجب فهمه فقط كفعل استخباراتي تقليدي، بل كظاهرة اجتماعية مركبة تتداخل فيها العوامل النفسية والاقتصادية والسياسية

فالفرد الذي يشعر بالتهميش أو بانسداد الأفق، قد ينخرط في سلوك اختراقي بدوافع تتراوح بين الانتقام، أو تحسين الوضع الشخصي، أو حتى البحث عن معنى

وهنا يصبح الجهاز الاستخباراتي الخارجي مجرد مستثمر في قابلية داخلية قائمة مسبقاً

صحيح، لم يتولد الاختراق الاستخباراتي في يوم وليلة

لقد عملت إسرائيل، بوصفها قوة إقليمية منافسة، على مدى عقود على بناء قدراتها في هذا المجال، مستفيدة من كل الشروخ البنيوية داخل النظام الإيراني

غير أن نجاح الاختراق لا يفسر فقط بالكفاءة التقنية، بل أيضا بوجود بيئة اجتماعية تسمح بتسرب المعلومات

فأخطر الاختراقات ليست تلك التي تشترى بالمال، بل تلك التي تنشأ من داخل البنية نفسها، حين يتحول الأفراد –بوعي أو بدونه– إلى ناقلين للمعلومة

وحين تصل المعلومات من “الصف الأول”، فإن ذلك يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام ذاته

فالنظام الذي يجعل من التدين معياراً للترقي، ومن الولاء الظاهري أداة للتقييم، قد ينتج ما يمكن تسميته بـ“اقتصاد النفاق”، حيث يتعلم الأفراد الفصل بين ما يظهرونه وما يضمرونه

وفي مثل هذا السياق، لا تعود الكفاءة أو القناعة هي المحدد، بل القدرة على التمثيل والتكيف، وهو ما يفتح الباب أمام هشاشة داخلية عميقة

في النهاية، لا يكون الاختراق حدثا طارئاً، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التوتر بين السلطة والمجتمع

وكلما سعت السلطة إلى فرض ولاء مطلق، زادت –على نحو مفارق– من احتمالات تقويضه من الداخل

الملفت في هذا الاختراق أنه نوعي وانتقائي لدرجة أنه لا يصدر من المواطن العادي الذي قد لا يحتك برجالات السلطة وقد لا يراهم رأي العين، بل يأتي من داخل النظام نفسه

وهذا الاختراق يثبت أن النظام نتيجة لإقصاء ممنهج وطويل لم يحصّن نفسه بتثبيت معادلة شراكة وطنية، بل توسعت المسامات داخل منظومته وحلقاته الضيقة بسبب طول عمره السياسي وترسخ أركانه وتسمينها بالفساد المالي والإداري، مما خلق حلقات صراع بينية هي الخاصية الاسموزية التي أتاحت للعناصر الاستخباراتية الخارجية النفاذ إلى قلب النظام

نقطة أخيرة

 أليس من المهم مساءلة دور التقيّة في توليد قابلية الاختراق؟ لا يمكن قياس التحول الذي يطرأ على ممارس التقيّة من مستوى الفرد إلى مستوى المؤسسة وإنتاج ثقافة عامة من هذا القبيل

تتشكل العقيدة الدينية السياسية لهذا النظام على ركن عقدي سلوكي يتمثل في التقيّة، والتي تعني تبني سلوك دفاعي في حال الخوف على العقيدة أو الكيان السياسي

ويلجأ الفرد إلى فصل معتقداته بين ظاهر وباطن لتوليد ولاء أداتي

وفق هذه العقيدة، يتدرب الفرد على مسايرة الموجة العامة، وربما يكون من أكثر المتحمسين لها

تغيب الشفافية والنزاهة، وينشأ الفرد على أساس هذا الإيثوس الذي يقوده إلى انشطار هوياتي