د. مصطفى الجبزي : الدولة السلطوية
منذ 5 دقائق
د
مصطفى الجبزي الدولة الحديثة سلطوية في جوهرها وتصل إلى كل فرد
لا تستثني مكانا ولا أحدا
تطورت أدواتها القهرية بشكل لا مثيل له تاريخيا
التقدم التكنولوجي يزيد من الرقابة ومن سلطة وسلطوية الدولة
كان صديقي عمر الشيباني يختزل المشهد قبل خمسة عشر سنة ويقول : التكنولوجيا بتخلي الناس محترمين بالغصب
تخيل معي ماذا لو كانت هذه الدولة الحديثة بمقدراتها الحالية موجودة في العالم الإسلامي في القرون التأسيسية
ستمنع تسمية الناس بعلي أو بمعاوية او ستفرض غياب فكرة او مبدأ ما وعندما تنتصر ستقضي على كل المذاهب
(لنقل بوضوح أكبر : أكثر مما هو حاصل)
ستكون متغولة أكثر من الدولة السلطانية التي عرفها العالم الاسلامي تاريخياً
رغم سلطانية الدولة في تاريخ العالم الإسلامي بقيت هناك جيوب جغرافية يلوذ إليها الأفراد ومارست القبيلة دور السلطة المضادة (بتعبير العروي) ووصلت إلينا أخبار الأولين وأفكارهم وبعض كتبهم رغم القيود المادية على التدوين والنشر
بمعنى آخر ان سلطانية الحكم تاريخيا في العالم الإسلامي العربي كانت مقيدة بالجغرافيا والبناء الاجتماعي
التقنية تسمح الآن بالتغلب على هذين الأمرين
مع ظهور الدولة الوطنية تشددت الأفكار وامتلكت الجماعات المتشددة قدرة استثنائية على الحذف والإلغاء
هذه الملحوظة صحيحة جداً في العالم العربي والإسلامي
الدولة السلطانية لم تنقح كتب ابن تيمية أو الأصفهاني أو ابن حزم
وصلت إلينا كتب في المجون والخمريات وآداب النكاح وقصص التفاهات والحماقات كاملة
اليوم بسبب السلطة الوطنية استطاعت الجماعات المتشددة أن تشذب المدونة وتحذف منها
من حيث المبدأ كل كتاب او صحيفة تصدر يجب ان تأخذ اولا تصريحا بذلك
الطبعات الحديثة لبعض كتب التراث منقوصة بينما الطبعات القديمة كاملة وأمينة
بل ان النشر في وسائل التواصل الاجتماعي اكثر تشدّدا ورقابة
هذا الوضع يضع سؤالاً جوهريا حول : الأمانة الفكرية، وحرية الفرد بين السلطة القديمة والحديثة