رماح الجبري : قراءة في رسالة رئيس الوزراء.. هل استنفدت الحكومة فرص السلام؟
منذ 22 أيام
رماح الجبري رسالة دولة رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الدكتور شائع الزنداني إلى أبناء الشعب اليمني في المناطق الخاضعة لسيطرة المليشيا الحوثية كانت بالغة الأهمية في مضمونها وتوقيتها، في الوقت الذي تحاول فيه المليشيا الحوثية الهروب مسؤليتها التي تسببت بالمعاناه والحرمان لكل ابناء الشعب اليمني في المناطق الخاضعة لسيطرتها
اهمية وجوهر الرساله انها موجهة إلى المواطن اليمني في مناطق سيطرة المليشيا قدم فيها رئيس الوزراء رواية متكاملة حول ما قدمته الحكومة اليمنية خلال السنوات الماضية من سلسلة تنازلات هدفها تخفيف معاناة المواطنين في حين كل تلك الجهود تواجه برفض وعبث المليشيا الحوثية التي تتحمل مسؤولية استمرار الحرب، وتفاقم المعاناة
لا يمكن فصل توقيت الرسالة عن التطورات الإقليمية الأخيرة، والتصعيد الحوثي، ومحاولات المليشيا إعادة تصدير أزماتها الداخلية نحو الخارج
فالرسالة جاءت لتعيد توجيه النقاش إلى أصل الأزمة، وهو مسؤولية المليشيا عن تعطيل مسار السلام، ولتخاطب المواطن اليمني مباشرة بعيداً عن الخطاب الموجه للنخب السياسية
رسالة رئيس الحكومة اكدت حقيقة أساسية، وهي أنها لم تكن في أي مرحلة رافضة لإنهاء الخرب ومعاناة اليمنيين، بل كانت شريكاً في كل المبادرات التي طرحتها الأمم المتحدة، وتعاملت بإيجابية مع الجهود التي قادتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، وأبدت مرونة في التعامل مع مختلف المقترحات الهادفة إلى وقف الحرب والدخول في عملية سياسية شاملة تحقق السلام العادل والشامل والمستدام في حين أوضحت الرسالة ان المليشيا الحوثية كانت في كل مرة تجد مبرراً جديداً للهروب والانسحاب أو المماطلة أو التصعيد، كلما اقترب اليمنيون من فرصة حقيقية لإنهاء الصراع
ما يميز الرسالة انها خاطبت المواطن بلغته اليومية، من خلال قضايا تمس حياته مباشرة مثل الرواتب، والمطار، والطيران، والكهرباء، والاقتصاد، وهو تحول ايجابي في الخطاب الحكومي من مخاطبة المجتمع الدولي إلى مخاطبة الرأي العام داخل مناطق سيطرة الحوثيين
تحدثت الرسالة عن مطار صنعاء ولم تكتف بالإشارة إلى استمرار تشغيله خلال فترات التهدئة، وإنما أوضحت أن الحكومة درست بدائل متعددة لضمان استمرار الرحلات، من بينها شراء أو استئجار طائرات جديدة أو التعاقد مع شركات طيران أخرى، إلا أن الحوثية رفضت جميع الحلول، وتطرقت إلى الخطوط الجوية اليمنية، واحتجاز المليشيا الحوثية أكثر من 120 مليون دولار من أموال الشركة، كما كشفت الرسالة أن الحكومة عرضت تجنيب الطائرات الأربع التابعة للخطوط الجوية اليمنية خطر الاستهداف، إلا أن المليشيا رفضت تلك المقترحات، ما أدى في نهاية المطاف إلى تعرضها للتدمير
حرصت رسالة دولة رئيس الوزراء على الربط بين الأزمة الاقتصادية التي يعيشها اليمنيون وبين السياسات التي انتهجتها المليشيا خلال السنوات الماضية
فالرسالة تذكر باستهداف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات العامة وتمويل رواتب الموظفين والخدمات الأساسية، في الوقت الذي تؤكد فيه أن الحكومة عملت مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية على دعم الميزانية، وتأمين الرواتب، والحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة
ولعل من أبرز وأهم الرسائل السياسية هي تفكيك الرواية التي دأبت المليشيا على ترويجها خلال السنوات الماضية حين يقدمون أنفسهم باعتبارهم ضحية لما يسمونه الحصار وان حقوق المواطنين ليست مسؤليتهم انما مسؤلية الحكومة وتحالف دعم الشرعية بينما تؤكد الحكومة في رسالتها أن المليشيا هي من رفضت كل الحلول واستهدفت الاقتصاد الوطني، وعطلت حركة الطيران، واحتجزت المؤسسات، ورفضت المبادرات السياسية، وزجت باليمن في صراعات إقليمية لا علاقة لمصالح اليمنيين بها
لم تغفل الرسالة الجانب الإنساني إذ سلطت الضوء على الانتهاكات التي تعرض لها المواطنون في مناطق سيطرة المليشيا الحوثية، من فرض الجبايات والإتاوات، ورفع الأسعار، وقمع الحريات، واختطاف الرافضين لمشروعها، واستهداف شيوخ القبائل والرموز الاجتماعية، وانتهاك الأعراف القبلية، فضلاً عن استهداف المنظمات الإنسانية واختطاف موظفي الأمم المتحدة، وهي قضايا تعكس أن الأزمة لم تعد سياسية أو عسكرية فحسب، وإنما أصبحت أزمة تمس حياة المواطنين اليومية وحقوقهم الأساسية
رسالة رئيس الوزراء أعادت التأكيد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم إلا على مشاركة جميع القوى والمكونات الوطنية، بعيداً عن فرض الأمر الواقع أو احتكار السلطة أو استخدام السلاح وسيلة لفرض الإرادة السياسية
وهنا اكدت الحكومة أن الذهاب نحو السلام لا يعني الاستسلام، وأن أي حوار لا يمكن أن يكون او ينجح في ظل استمرار التهديدات والتصعيد
وفي ختام الرسالة، كانت نبرة الخطاب الحكومي اكثر وضوحا وجديه، إذ أكد دولة رئيس مجلس الوزراء أن أي تصعيد أو اعتداء من قبل المليشيا الحوثية سيقابل برد حازم
في تأكيد جديد، أن حماية الدولة وسيادتها وأمنها مسؤولية لا يمكن التفريط فيها
يمكن القول إن رسالة رئيس الوزراء كانت وثيقة سياسية وإعلامية متكاملة، تسعى إلى ترسيخ قناعة لدى اليمنيين بأن الحكومة استنفدت فرص السلام، وأن استمرار الحرب ليس قدراً محتوماً، وإنما نتيجة خيارات اتخذتها المليشيا الحوثية، وأن المستقبل لا يمكن أن يبنى إلا على دولة تستوعب جميع أبنائها، وسلام عادل يحفظ سيادة اليمن ويضع مصلحة شعبه فوق أي مشروع آخر
وبذلك لا تبدو الرسالة مجرد رد سياسي على تطورات المرحلة، بل محاولة لإعادة بناء جسور الثقة مع المواطن اليمني عبر تقديم الوقائع كما تراها الحكومة، ووضع مسؤولية استمرار الصراع أمام الرأي العام، في مرحلة تبدو فيها معركة كسب وعي المواطنين موازية في أهميتها للمعركة السياسية والعسكرية