سام الغباري : اليمن السعودي.. الفُلك الذي لا يُغِرق من ركبه
منذ 6 ساعات
سام الغباري رئيس مجلس الإدارة - رئيس التحرير لم يعد ممكناً- بعد كل هذا الطواف الطويل على خرائط الدم والجغرافيا والمصائر- أن نتحدّث عن اليمن وكأنه جزيرة معزولة تتوكأ على ذاكرة موغلة، أو كأنه كيان يلوّح لماضيه ويستعصي على مستقبله
نحن اليوم في اليمن السعودي، وهذا ليس توصيفاً سياسياً ولا انتقاصاً للهوية، إنه مرحلة تعريف لمرحلة تاريخية كبرى، تعود فيها الجذور إلى مصبّها، وتستعيد المنطقة شكلها الأول، حين كانت حضارات اليمن تفتح طرق البخور وتبني السدود، ويقوم في الحجاز البيت الذي يطوف به الناس، وتنهض من تهامة تجارة البشر ووجدانهم، ويتجاور سبأ وحمير مع الأزد والأشاعرة، ويتواصل كهلان ومذحج وحاشد وبكيل مع قريش وكنانة وتميم وأهل يثرب، لا تفصل بينهم الحدود ولا حواجز الخرائط
اليمن، بتاريخ أنبيائه وملوكه وقوافل بخوره وموانئه، بسواحله الممتدة من باب المندب حتى ظفار، بمدنه المعلقة في الجبال ومعابده في مأرب وصرواح وحضرموت وبيحان، بقصر غمدان وسد مأرب، بذكره القرآني عن سبأ والأحقاف، وعن قوم تُبّع، وعن بلدة طيبة ورب غفور
كل هذا اليوم يدور في الفُلك السعودي
دون أن يتعرض هذا الأمر للقوة القاهرة، فإنه يتجاوزه إلى المعنى ذاته، ويصل بذلك إلى باب النجاة في أصلها
وليس غريباً- ولا مُسيئاً- أن يفهم اليمني هذه الصورة بضمير نوح، عليه السلام: سفينة بُنيت في زمن الطوفان وكانت مصممة على أن لا تغرق فيه، مهمتها أن تحمل من بقي من بشر وشجر ومخلوقات، ومن آمن بوجهة النجاة
الطوفان- في قصته القديمة- تجاوز فكرة القدر النهائي ليصبح فاصلاً بين عالمين: عالم انتهى وعالم يُعاد خلقه
فمن ركب الفُلك نجا، ومن صعد الجبل ظنّاً أن الجبل سيعصمه، جاءه الجواب القاطع: لا عاصم اليوم من أمر الله
اليوم، في الجغرافيا نفسها التي شهدت تلك القصص الأولى، تعود الحكمة ذاتها بوجه جديد
المنطقة كلّها محاطة بطوفان جديد: انهيارات دول، انقسام هويات، سقوط جيوش، تفتت مجتمع، تمدد أذرع الفوضى من طهران حتى البحر الأحمر، ومن حلب إلى عدن
لم يعد الطوفان ماءً، صار سياسة وميليشيات ومركّبات كراهية وصراع مناطق وطوائف وانهيارات اقتصادية وأحلام استقلال لا يحملها واقع ولا يعترف بها التاريخ ولا يسندها القانون الدولي
في كل هذا الخراب، كانت السعودية- شاء من شاء وأبى من أبى- هي الفُلك
فُلك النجاة، والرعاية، والصدق، فلا سيطرة، ولا امتصاص، فُلك إعادة هندسة المنطقة حتى لا تتحول إلى جزر من الرماد
وحين نقول إننا في اليمن السعودي، فإننا لا نقولها تبعًا، فهذا لا يليق باليمن ولا بالسعودية، ولا بالتاريخ الذي جمعهما قبل الدول وقبل الخرائط، نكررها بإيمان نافع، من باب الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف عليها: ما كان لليمن أن يصمد في أزمنته الأخيرة لولا الفُلك السعودي، وما كان للفُلك السعودي أن يكتمل دون اليمن
العلاقة أبعد من علاقة مركز وهامش، إنها علاقة مصير
ولأن كل فُلك يُبنى للنجاة، فإن الغرق ليس الخيار الثاني، أو الأول، بل يكاد يكون الخيار الوحيد لمن يرفض الصعود
ومن يظن أن بإمكانه اليوم أن يحتمي بجبل سياسي أو جهوي أو إقليمي أو ميليشيوي أو حتى شعاري، فإنه يعيد إنتاج ابن نوح لا أكثر
أما على مستوى الوجدان اليمني، وهو الوجدان الأخطر والأعمق والأكثر حساسية في هذه المنطقة، فإن أي حديث عن الانفصال داخل اليمن سيمثل جرحًا هائلًا يشق الوعي اليمني من المهرة إلى حضرموت إلى صنعاء إلى صعدة إلى ريمة وتعز وإب وذمار والبيضاء ولحج وأبين
لأنه تقسيم هوية تتخفى وراءه تقاسيم جغرافية وإدارية تحاول الابتسام الماكر
ملايين اليمنيين في السعودية والخليج والمهجر سيفقدون هوية دولتهم، وسيجدون أنفسهم أمام كارثة وجودية: شطران بلا معنى، وجنسية يمنية سيكون مانحها- شاء القدر أم أبى- عبد الملك الحوثي
وهذه لعمر الله مأساة لا يدرك حجمها كثير ممن يرفعون الشعارات اليوم
*** ثم يأتي الأمر الأهم: أن أي حالة غضب أو احتجاج أو نشيد أو شعار داخل السعودية يجب ألا تقابله حالة صمت أخرى
الصوت الذي يُرفع يجب أن يقابله صوتٌ آخر، وحدوي، منظم، واضح، وشرعي
فإذا كانت الأسقف مفتوحة حتى السماء، فإن الواجب أن يكون داخل هذه السقوف قوى يمنية قادرة على الكلام، لا أن يتحول المشهد إلى احتكار لفكرة واحدة لا تمثل اليمن كله
الحوار ليس جنوبياً جنوبياً
هذه مغالطة
الحوار- بالحقيقة الجغرافية والسياسية- هو حوار جنوبي شرقي
بين محافظات جنوبية ومحافظات شرقية
وهذا التفريق يؤسس لمعنى آخر، إذ يمنع انتحال الوصف، ويمنع نقل وهم إلى مؤسسة قرار في الرياض أو أبوظبي أو جدة أو حتى في الداخل اليمني
أما رفع أعلام ليست معترفاً بها دولياً فهو- بكل هدوء- خطأ استراتيجي
لكنه خطأ يمكن تجاوزه إن كانت هناك حسابات لا نراها
أما ما نراه نحن، ويجب أن نراه، أن يكون هناك فعل سياسيّ آخر داخل اليمن
ينافس، ويظهر، ويتكلم، ويعيد ترتيب المشهد، حتى لا يظن أحد أن اليمن اختُزل في مجلس كان يسمى- ذات يوم- بالمجلس الانتقالي
هذا الجزء الأول
وهو الرأي الذي يجب أن يُسمع
وإلى لقاء يتجدد