سام الغباري : ليس للبيع !
منذ 7 ساعات
سام الغباري رئيس مجلس الإدارة - رئيس التحرير أتذكّر قبل أربعة أعوام أنني كنت في فناء منزل مؤقت يقيم فيه نائب الرئيس اليمني السابق الفريق علي محسن الأحمر
يومها كتبت مقالًا مُستطردًا في صحيفة «عكاظ» أثار موجة واسعة من ردود الفعل؛ بعضها جاء من أصدقاء كنت أظنّهم عقلاء، فإذا بي أراهم يهاجمونني بلا تردّد وبخطاب متشنّج
كان توقيت النشر وموقعه الصحافي عنصرين مثيرين في حدّ ذاتهما، لكن ما تكشّف لاحقًا كان أعجب
فبعد مرور الزمن، اكتشفت أن تلك الردود الغاضبة جاءت تحقيقًا لأوامر مباشرة من أبوظبي التي اشترت بعض الكتبة على عواهنهم وعلّاتهم، فصاروا طوعًا بين يديها، يشيطنون الرموز الوطنية عمدًا، ويسعون إلى تجويف كل ما يمكن أن يمنع مشروع عيدروس الزبيدي الذي كان يسابق الزمن في نهايات سبتمبر الفائت لإعلان دولته العجيبة
في ذلك اللقاء، سألت الفريق علي محسن عن الحل
فرفع بصره نحو صورة الرئيس عبدربه منصور هادي المعلقة على جدار مكتبه، وأشار إليها قائلًا: هذا الذي منحه الشعب السلطة، ولا يجوز أن تُنقل إلا بإرادته، أو وفق ما هو منصوص عليه دستوريًا في حال السلم
ومن ينازعه فيها إنما يجرّ على الوطن الخراب كله
سألته يومها - بخبث لم يُخفَ عليه - عن تجربته مع الرئيس صالح: وأنت؟ ألم تخرج عليه؟كان يعرف أن السؤال قادم، فأجاب بثبات: لم أخرج، ولم أعلن انقلابًا
لقد أعلنت حماية الناس
وبقيت صورته معلقة فوق رأسي حتى غادرت المنصب بقرار جمهوري
* * * جثم المجلس الانتقالي على جسد الدولة المُحررة في عدن منذ عام 2017م، وهو يروّج قيادات شعبوية خطيرة، يدفع بها إلى صدارة المشهد العام، وفق كتالوج لا يختلف كثيرًا عن نموذج ميليشيا الحوثي الإرهابية؛ فكلما كان الولاء للقائد أكثر تطرفًا، تحسّنت الامتيازات، وتدفّقت الأموال، وترسّخت المواقع
وفي السياق ذاته، كانت الإمارات تُغري الجنوب بمال وفير، وترفع من يتدحرج على أبوابها إلى واجهة مشروعها السياسي
ولإضفاء قدر من التمويه، عملت أبوظبي على شراء بعض الشخصيات من أبناء المحافظات الشمالية، ليكونوا عنصرًا مكملًا في مشهد يُراد له أن يُطمئن الداخل، ويُسهِّل تمرير خيار الانفصال القادم
- كان المجتمع يغلي، ومظاهر الفشل تتراكم بوضوح، فيما بدأت القيادات المثابرة داخل عدن تتآكل تحت وطأة نزعة تحكّم مناطقية متصلبة
وعلى امتداد ثماني سنوات، فقد المجلس الانتقالي ما تبقى من التعاطف الشعبي الحقيقي؛ إذ باتت قياداته محكومة بوظائف تُدار من خلف الستار بواسطة عناصر خارجية، بينما لم يلمس الناس أثرًا لأي مشروع تنموي أو إداري جاد: لا طرقات تُشق، ولا خدمات تُحسَّن، ولا نموذج حضاري في الإدارة يغري المواطنين بالمزيد من التأييد أو التعاطف
كانت الركيزة الأولى والهمّ المركزي للمجلس تتمثل في سؤال واحد: كيف نحقق الانفصال؟ غير أن الفكرة لم تنضج سياسيًا ولا اجتماعيًا ولا اقتصاديًا بعد
ومع تعثر المشروع وارتباك رؤيته، دفعت دوائر أبوظبي المجلس نحو مسار مؤذٍ يستهدف السعودية نفسها، وكان ذلك ردًا على تطورات إقليمية تتعلق بفشلهم في السودان، وانكشاف دورهم الوظيفي مع اسرائيل، ومحاولة نزع استقلال جديد لدولة اسمها أرض الصومال ما دفعهم إلى إحراق آخر كروتهم العنيفة في جنوب اليمن، قبل اكتمال طبخة الأذى التي ظنّ القائمون عليها أنها قد استوت، وحان قطافها
- كانت أبوظبي عاصمة تُنفق بسخاء في الملف اليمني، غير أن مواردها ذهبت، في الغالب، إلى مجموعات منتقاة من المتطرفين وأشباه السياسيين، ممن افتقروا إلى الرؤية والنضج والمسؤولية
وعلى مختلف المستويات، بدا المستفيدون من هذا المال مثيرين للاشمئزاز والتقزّز العام، الأمر الذي عمّق صورة اللامهنية والارتباك في المشروع
ودائمًا ما تسقط الدوائر الأمنية في خطأ كلاسيكي متكرر: نجاح طريقة عمل ما في بيئة معينة لا يعني أنها ستنجح في بيئة أخرى
فالأساليب التي أثمرت في مكان، قد تفشل فشلًا ذريعًا حين تُنقل بلا فهم للسياق، وبلا قراءة ذكية لمجتمعات تختلف في بنيتها وتاريخها وثقافتها وطبيعة حساسياتها
- حاولنا في اليمن أن نظهر قدرًا من المرونة، وأن نتغاضى عن كثير من الشنائع اللفظية والتحركات المريبة عسكريًا وجماهيريًا
غير أن لغة التطمين السعودية كانت، في كل مرة، تبعث فينا يقينًا بأن لهذه المملكة العظيمة حكمة لا نراها، وبُعدًا استراتيجيًا لا يتهيأ لعامة الناس إدراكه
وقد أوليناها كل شيء: ثقتنا، ومودتنا، ووفاءنا، وقيادتنا في مختلف الظروف والأزمات
لكن حين فار التنّور، وقيل للعُصاة: اركبوا معنا، تمنّعوا، ومضوا إلى جبل علي ظنًّا منهم أنه سيعصمهم
ولا عاصم اليوم من سنن الله في خلقه، ثم من حزمٍ وعزمٍ يأخذه آل سعود إذا بلغ الخطر حدّه، وآن أوان وضع الأمور في نصابها
يجب أن تدرك أبوظبي أن الوحدة اليمنية لم تكن اتفاقًا إداريًا جرى توقيعه تحت سقف رسمي
لا بد من قراءة هذا جيدًا؛ فالوحدة أغنيات الأجيال، وأهازيج الفلاحين في حقولهم، وزغاريد النساء في مشاغلهن، وحنينٌ عابر امتد من سنوات الاستعمار والإمامة حتى استقر في عمق الوجدان الحقيقي لشعبٍ يرى أن هذا الحق الكبير ليس معروضًا للبيع
وقد امتد هذا الحق ليصبح من عناصر الأمن القومي السعودي، ومن الحكمة أن يُنظر إليه بالطريقة نفسها في المنطقة كلّها
وربما نجد من اليمنيين من يمدّ يده إلى المال حين يُعرض بسخاء من بنوك لا تنفد، غير أن المال لا يصنع زعامة، وكل الهذر عن أي مشروع سياسي مناطقي لا يملك وزنًا خارج نطاق الجيوب
واليمن، بامتدادها كله، لا تبحث عن تفكك أو اقتطاع جزءٍ منها
إنها حقيقة إنسانية تعثرت طويلًا في الوصول إلى دولة عادلة وضامنة، تُتيح فرصًا متساوية لأبنائها، وتحسن إدارة مواردها المحدودة إلى الحد الذي يجعل السلطة وظيفة ثقيلة وأمانة يصعب اشتهاؤها
وإلى لقاء يتجدد