سقطرى: حفظ التمور في جلود الماعز
منذ 16 أيام
سقطرى- نورا فهدتتميز سقطرى اليمنية، الواقعة في المحيط الهندي، بطرقٍ تقليدية متوارثة لحفظ التمور باستخدام جلود الماعز، وهي طريقة تراثية توارثها أبناء سقطرى جيلًا بعد آخر
في منتصف شهر يونيو من كل عام، يبدأ أهالي أرخبيل سقطرى جني محصول التمور، وتسمى هذه العملية باللغة السقطرية بـ(قاصي)، ويعرف هذا التوقيت بـ “موسم الخريف”
تستمر هذه الرحلة حتى أواخر يوليو، وهي ليست مجرد حصاد، بل طقس سنوي يهدف لتأمين الغذاء طوال العام عبر طريقة حفظٍ تقليدية متوارثة، ما زالت تستخدم حتى يومنا هذا
يعد قطاع التمور أحد الركائز الاستراتيجية للأمن الغذائي والتنمية الزراعية في اليمن، حيث تتربع التمور على عرش المائدة اليمنية، لا سيما في شهر رمضان المبارك كعنصر أساسي لا غنى عنه
رغم امتلاك اليمن لمساحات زراعية شاسعة وتنوع فريد في أصناف النخيل، إلا أن القطاع لا يزال يصارع تحديات جمة تتعلق بآليات الإنتاج والتغليف
هذه المعوقات حالت دون وصول التمور المحلية إلى كامل إمكاناتها في الأسواق الوطنية، وحدت من فرص ازدهارها التجاري
بلغت المساحة الإجمالية للنخيل في اليمن في 2022، قرابة 15 ألف هكتار بإنتاج 64 ألف ونصف طن، حسب كتاب الإحصاء الزراعة الصادر عن وزارة الزراعة في عدن
تستحوذ محافظة حضرموت على نحو النصف من مساحة النخيل والإنتاج، حسب المصدر نفسه
وحسب وزارة الزراعة في حكومة صنعاء، فإن اليمن يستورد من التمور سنويا نحو 47 ألف طنا
يشرح مبارك القيسي، 39 عامًا، مزارع ومالك مزارع النخيل في سقطرى، مراحل هذه الطريقة في حديثه لـ”المشاهد”: “بعد حصاد التمور يتم وضعها في أماكن مخصصة تسمى (مِسطَح) لتجفيفها تحت أشعة الشمس، لمدة لا تقل عن أسبوعين”
بعد التجفيف، تُجمع التمور وتُغسل لإزالة الأتربة التي تتراكم عليها بكثافة خلال موسم الرياح في الجزيرة، ثم تُجفف مرةً أخرى من الماء، للبدء بمرحلة الحفظ
ويوضح القيسي أن التمور بعد ذلك تُهرس جيدًا حتى تصبح متداخلة مع بعضها البعض وهي خطوة أساسية لضمان تماسكها داخل جلود الماعز المعروفة بـ(القِربة) وبالسقطرية (عينه)
ويوضح القيسي كيفية تجهيز جلود الماعز (القِرَب) بالقول: “بعد ذبح المواشي من الماعز والخروف، يؤخذ الجلد ويتم حشوه بالرماد، ويوضع في الشمس لثلاثة أو أربعة أيام، ثم يزال الشعر من الجلد ويغسل ويعاد إلى الشمس مرةً أخرى ليصبح بعد ذلك قربةً صالحةً للاستخدام”
المرحلة الأهم، كما يصفها القيسي، هي تعبئة التمور داخل هذه القِرَب، والتي تسمى باللغة السقطرية (كانز تامر دعمها) وتعني تعبئة التمور في القرب، ويتولى هذه المهمة أشخاص مخصصون يمتلكون خبرةً طويلة، إذ تعتمد مدة صلاحية التمور على دقة التعبئة، فكلما كانت التعبئة محكمة دون فراغات أو هواء داخل الجلد؛ طال عمر صلاحية التمر، والعكس صحيح
بعد ذلك يتم تخزين هذه القرب في أماكن خاصة بعيدًا عن الآفات والحشرات التي تتغذى على التمور، وكذلك عن الحيوانات مثل القطط أو قط الزباد السقطري، إضافةً إلى الفئران، التي قد تفسد المخزون إن لم يكن المكان مؤمنًا جيدًا
ويشير إلى أن هذه الطريقة تحفظ التمور لمدة ثلاث سنوات، شريطة أن يتم اتباع خطوت التعبئة بشكل دقيق
يقول الباحث في التراث السقطري، أحمد التربهي، أن طريقة حفظ التمور التقليدية تمثل الهوية السقطرية والموروث الثقافي للجزيرة
بالإضافة إلى أنها مهنة توفر لهم مصدر دخل للسكان، حيث تعد زراعة النخيل من المهن الأكثر إقبالًا في الجزيرة
ويوضح التربهي أن موسم جني التمور يقتصر على فترة الخريف فقط؛ لذا تعد الطريقة التقليدية لحفظ التمور هي السبيل الوحيد لتأمين احتياجات أهالي الجزيرة من التمور والاستفادة منها كغذاءٍ لبقية مواسم السنة
يتفق القيسي، مع الباحث التربهي، في أن الطريقة التقليدية لحفظ التمور ليست عادةً قديمةً وتراثًا فقط، بل ضرورة يفرضها واقع الجزيرة التي تعاني من قلة الخدمات وعدم توفر الطاقة الكهربائية وثلاجات التخزين
ويوضح أن غياب الإمكانيات الحديثة، وعدم توفر آلات أو وسائل متخصصة لحفظ التمور، يجعل الاعتماد على هذه الطريقة الوسيلة الوحيدة لحماية محصول التمور من التلف
ويشير القيسي إلى أنه لولا هذه الطريقة لتعرضت محاصيل التمور للفساد الكامل، خاصةً أن التمور تحتاج إلى وقتٍ محدد للحفظ والمعالجة؛ وهو ما يدفع الأهالي إلى اللجوء للأساليب التقليدية لضمان بقائها صالحةً لفترة أطول
مبارك القيسي، مزارع نخيل، سقطرى: لولا هذه الطريقة لتعرضت محاصيل التمور للفساد الكامل، خاصةً أن التمور تحتاج إلى وقتٍ محدد للحفظ والمعالجة؛ وهو ما يدفع الأهالي إلى اللجوء للأساليب التقليدية لضمان بقائها صالحةً لفترة أطول
”رغم صمود الطريقة التقليدية في حفظ التمور لأجيالٍ عديدة، إلا أنها تواجه اليوم مخاطر تهدد باندثارها
وفي هذا الصدد يقول خبير التراث الشعبي السقطري، سعد العجمي، ومؤلف كتاب “سقطرى: الحكاية التي لم تُروَ بعد”، “إن عملية تجهيز جلود الماعز لحفظ التمور تعتمد بشكل أساسي على الرماد لتنظيفها ودباغتها، إلا أن قلة توفر الرماد الناتج عن تراجع استخدام الحطب بسبب انتشار استخدام الغاز والطرق الحديثة في الطهي؛ أدى إلى قلة القِرَب
” ويستطرد: “الأمر الذي دفع المزارعين في السنوات الأخيرة للبحث والتواصل مع الأقارب والمعارف في البوادي لتأمين ما يحتاجونه من جلود لحفظ تمورهم”
ويوضح العجمي في حديثه لـ”المشاهد” أن هناك انطباع سائد بأن الطريقة التقليدية لحفظ التمور غير صحية وتفتقر لمعايير الجودة العالية؛ مما يمنع تصدير التمور المنتجة بواسطتها
ويقول: “هذه الطريقة تفتقر للدراسات والابحاث العلمية لتطويرها وإضافة لمساتٍ وطرقٍ حديثه وإبداعية لعملية الهرس، بما يتلاءم مع معايير الجودة العالمية”
يتابع حديثه
وإلى جانب تحديات الإنتاج والوسائل المستخدمة، يلفت العجمي إلى أن الجيل الجديد بدأ يميل نحو التمور المستوردة وتفضيلها على التمور المحفوظة بالطريقة التقليدية؛ ما يمثل تحديًا آخر يضع الطريقة التقليدية أمام خطر الاندثار
ويشير إلى أهمية عمل دراسة حول الطريقة التقليدية لحفظ التمور في جزيرة سقطرى، ودمج معايير الجودة العالمية فيها بحيث يتم تطبيقها والحفاظ عليها
بالإضافة إلى تدريب المزارعين على أفكار وأساليب تسهم في تعزيز هذا الموروث التقليدي، بما يتلاءم مع شروط ومتطلبات الواقع الحديث
ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن