سقطرى: لغة قديمة تصارع البقاء وتقاوم النسيان
منذ 3 ساعات
سقطرى- فهمي عبدالقابضفي أقصى الجغرافيا اليمنية تحضر محافظة أرخبيل سقطرى بثقافة وعادات وطقوس فريدة، منها الانفراد بلغة خاصة بها، مثلها مثل محافظة المهرة ومناطق في عُمان والسعودية، حيث تنتشر اللغات الجنوبية السامية القديمة ومنها، المهرية، الشحرية “الجبالية”، الحرسوسية، الهوبيوت، البطحرية، الآرامية، الكنعانية، والسقطرية
في سقطرى يقال “شلاه من مارس شام دمثل دسقطري” مثلًا، وهي جملة لغوية سقطرية تنتمي إلى لغة محلية تصارع من أجل البقاء، وتعني “ثلاثة أو الثالث من مارس – يوم اللغة السقطرية”
لا تتوفر حتى اليوم إحصائيات موثقةٌ لأعداد الناطقين بهذه اللغة أو حتى اللغات الجنوبية السامية المنتشرة في اليمن، عُمان والسعودية، ويقتصر الاعتماد في هذا المجال على تقديراتٍ وردت في دراساتٍ متفرقةٍ، تختلف في مناهجها ونتائجها، ولا تخلو أحيانًا من عدم التجانس؛ ما يدل على أن هناك تفاوت في أعداد المتحدثين في كل بلد لكل لغة، كالسقطرية التي يقدر عدد الناطقين بها بعدد سكانها البالغين بنحو مئة ألف نسمة، وفقًا لما نشره مجلة عُمانية نقلًا عن ليونيد كوجن وماريا بولاخ في فصلهما المعنون بـ”السقطرية” المنشور في كتاب “ذا سيميتك لانغويجز” (اللغات الساميّة) سنة 2019
رابط هذه الدراسة
ويُعَدّ هذا التفاوت في الأرقام لعدد المتحدثين لكل لغة من اللغات السامية القديمة في بلدان انتشارها، عُمان، السعودية، واليمن، مؤشرًا إضافيًا على هشاشة توثيق هذه اللغات؛ فالحاجة ما تزال قائمةً إلى دراساتٍ ميدانيةٍ شاملةٍ تميّز بين الانتماء العرقي والكفاءة اللغوية والاستعمال الفعلي قبل بناء أيّ تصورٍ دقيقٍ عن مستقبل هذه اللغات
حاليًا، ينظم مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث برعاية السلطة المحلية وإشراف مكتب الثقافة، فعاليات يوم اللغة السقطرية الذي يوافق الثالث من مارس بمهرجان يتضمن أمسيات وأنشطة مختلفة تستمر لست أيام
يقول مدير عام مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث، الدكتور نوح العليمي، إن فعاليات يوم اللغة السقطرية التي ينظمها المركز برعاية السلطة المحلية، وإشراف مكتب الثقافة بمحافظة أرخبيل سقطرى؛ وتهدف للتعريف باللغة السقطرية وأهميتها وخصائصها، وآليات الحفاظ عليها من خلال أمسيات شعرية وفنية وأدبية متنوعة
ويضيف العليمي في حديثه لـ”المشاهد” أن اللغة السقطرية هي لغة تنسب لعائلة اللغات السامية، وهي جزء أصيل متوارث من ثقافة وتراث السكان في هذا الأرخبيل
اللغة السقطرية، لغة أصيلة تعود جذورها إلى اللغات السامية القديمة التي ما زالت تقاوم المتغيرات من أجل البقاء، والمنتشرة بشكل لافت في عُمان، اليمن، والسعودية، لكن تراجع استخدام هذه اللغات بين التعليم والاندماج، مع غموض تسميتها وتصنيفها وغياب التدوين وجهود الإحياء مما قد يجعلها تتوارى مع مرور الزمن
يقول مدير مؤسسة سقطرى للتراث، الدكتور أحمد الرميلي: “إن اللغة السقطرية لغة شفهية غير مكتوبة في الوقت الراهن، وهى إحدى مكونات عائلة اللغات السامية، التي تضم أيضًا اللغة العربية الفصحى، العبرية، المهرية والشحرية، ولغات قديمة أخرى مثل العربية الجنوبية، الآرامية، والسريانية، وغيرها”
ويضيف في حديثه لـ”المشاهد” أن للغة السقطرية خصائص ومميزات تتعلق بالنطق الذي يصعب على غير السقطريين؛ لذا فهي لغة متداولة بشكل رئيسي بين أبناء الأرخبيل
ويقول الباحث في التراث والفنون السقطرية، سعد العجمي السقطري: “إن جذور اللغة السقطرية ليست لهجة من العربية بل لغة سامية مستقلة، تطورت تاريخيًا في عزلة نسبية في الجزيرة وتتقاطع في أصولها مع لغات مثل المهرية والشحرية، ضمن ما يُعرف باللغات العربية الجنوبية، لكنها حافظت على خصوصية صوتية ومعجمية واضحة عزلتها الجغرافية في سقطرى وساعدت على صون كثير من خصائصها القديمة؛ وهو ما يجعلها ذات قيمة علمية عالية، لها خصائصها اللغوية ذات الثراء الصوتي الواضح، خاصة في الأصوات الحلقية والاحتكاكية ولها مفردات بيئية دقيقة تصف النباتات والطيور والبحر والرياح بدقة مذهلة، وتتنوع لكناتها داخل الجزيرة بين الغرب والشرق والوسط والشمال والجنوب، ولها حضور قوي للشعر الشفوي والأهازيج التقليدية والقصائد والأغاني السقطرية بالإضافة لأدبٍ حكائي ثري وفريد”
الباحث العجمي: “جذور اللغة السقطرية ليست لهجة من العربية بل لغة سامية مستقلة تطورت تاريخيًا في عزلة نسبية في الجزيرة وتتقاطع في أصولها مع لغات مثل المهرية والشحرية ضمن ما يُعرف باللغات العربية الجنوبية، لكنها حافظت على خصوصية صوتية ومعجمية واضحة عزلتها الجغرافية في سقطرى وساعدت على صون كثير من خصائصها القديمة وهو ما يجعلها ذات قيمة علمية عالية، لها خصائصها اللغوية ذات الثراء الصوتي الواضح، خاصة في الأصوات الحلقية والاحتكاكية”ويقول الصحفي السقطري عبدالرحمن الجسفي: “إن اللغة السقطرية ليست مجرد لهجة عابرة، بل هي لغة وإرثٌ ضاربٌ في عمق التاريخ، وجذرٌ حيٌّ يمتد إلى الحضارات الجنوبية القديمة، إلى لغة حمير وسبأ، إلى الأصوات التي كانت تتردد في جبال وسهول جنوب الجزيرة العربية قبل آلاف السنين”
ويضيف في حديثه لـ”المشاهد” أن هذه اللغة تعد واحدة من اللغات العربية الجنوبية الحديثة، التي حفظت ملامح لغاتٍ عريقة سبقت العربية الفصحى بزمن طويل، وبقيت شاهدة على تاريخٍ لا يندثر
اللغة ليست أداة تواصل فقط، بل نظام معرفة كامل وعندما تضعف لغة ما فإن جزءًا من هذا النظام المعرفي يختفي معها
يقول السقطري: “إن الثالث من مارس ليس مجرد مناسبة رمزية بل هو لحظة وعي جماعي يستحضر فيه السقطريون ذاكرتهم الشفوية ويرجعون من خلاله مسؤوليتهم تجاه لغة تحمل تاريخ الجزيرة وروحها”
ويضيف في حديثه لـ”المشاهد” أن الاحتفال بهذه المناسبة هو فعل ثقافي مقاوم للنسيان ورسالة بأن اللغة السقطرية ليست بقايا ماضٍ بل مكوّن حيّ من هوية سقطرى ومستقبلها
ويؤكد السقطري، أن اللغة السقطرية تمثل “الهوية الصوتية” للجزيرة، وهي الوعاء الذي حُفظت فيه الحكايات والأمثال وأسماء النباتات، والنجوم والرياح ومسارات البحر
ويشير إلى أن أبناء سقطرى يفهمون من خلال اللغة السقطرية العلاقة العميقة بين الإنسان السقطري وبيئته الفريدة
يقول الرميلي: “إن أبناء سقطرى متعلقون بلغتهم كونها هويتهم التي تميزهم عن غيرهم، وكونها ترتبط بوجدانهم وتفاصيل حياتهم”
ويقول الجسفي: “إن في هذه اللغة من الشعر أعذبه، ومن الحكمة عمقها، ومن الأمثال صدقها، “فهي لغةٌ تحفظ الذاكرة الشفوية لأهل الجزيرة، وتُعبّر عن هويةٍ خاصة لا تتعارض مع عروبتنا، بل تُثريها وتمنحها بُعدًا حضاريًا أعمق”
ويؤكد الجسفي أن أبناء سقطرى يعتزون بالعروبة ولغتها، لكن السقطرية هي بصمة سقطرى الخاصة، ولسان الأرض والبحر، وصوت الأجداد الذي ما زال حيًا في صدور أبناء الجزيرة
يقول السقطري: “إن اللغة السقطرية تعد لغة البيت والوجدان والذاكرة الشعبية، وهي الأكثر حضورًا في الحياة اليومية داخل المجتمع السقطري، أما عالميًا فهي تنتمي إلى اللغات العربية الجنوبية الحديثة وتُعد فرعًا مستقلًا ضمن العائلة السامية، وقد صنفتها اليونسكو ضمن اللغات “المهددة بالانقراض بشدة”، وهو تصنيف لا يعني ضعفها بل هشاشة بيئتها الحاضنة أمام التحولات الحديثة”
ويضيف أن هذا التصنيف يجعلها محل اهتمام الباحثين في اللسانيات لأنها تمثل طبقةً لغوية قديمة تحفظ سمات تاريخية نادرة في بنية اللغة السامية
ويشير إلى أن اعتمادها التاريخي على النقل الشفهي هو ما جعل الذاكرة الجماعية تلعب دور “المكتبة الحية” معتبرًا أن الحفاظ عليها لا يكون بالشعارات بل بخطط عملية منها على سبيل المثال، توثيق المفردات والحكايات والأشعار صوتيًا وكتابتها بطريقة معيارية، إدخال مفرداتها في برامج تعليمية إثرائية أو أنشطة مدرسية لا صفية، إنتاج محتوى حديث (بودكاست، فيديوهات، قصص مصورة) بالسقطرية
وكان “المشاهد” نشر “بودكاست” يتحدث عن أحد الفنون الشعبية والتراثية السقطرية وهو فن “دصعلهيوه”، إضافةً لتشجيع الأسر على استخدامها في البيت؛ لأن الأسرة هي خط الدفاع الأول، ودعم المبادرات البحثية بالتعاون مع مختصين في اللسانيات
ويبدي الرميلي تخوفه على هذه اللغة من الاندثار والضياع،
خصوصًا عند أبناء الجيل الجديد
ويقول الجسفي: “إن هذه اللغة ما زالت حية ومتداولة بين أبناء الجزيرة حتى اليوم، لكنها تواجه خطر الانقراض؛ لأنها لغة شفوية في الأساس، ولم تُدون عبر التاريخ”
الصحفي عبدالرحمن لجسفي: “هذه اللغة ما زالت حية ومتداولة بين أبناء الجزيرة حتى اليوم، لكنها تواجه خطر الانقراض لأنها لغة شفوية في الأساس، ولم تُدون عبر التاريخ”ويضيف أنه لحسن الحظ، تم إعلان يومٍ للغة السقطرية وتأسيس مركز اللغة السقطرية للدراسات، الذي بدأ بالفعل في تدوين مفرداتها وتوثيق تراثها الشفهي الغني
اللغة تموت عندما تتوقف الأجيال الجديدة عن استخدامها وتبقى حيةً عندما تتحول إلى مصدر فخر لا إلى عبء اجتماعي
يدعو الجسفي للحفاظ على هذه اللغة، ليس من باب الترف الثقافي، بل من باب الواجب تجاه تاريخٍ يمتد إلى جذور حميرية عريقة، وإرثٍ إنساني يستحق أن يُصان ويُحتفى به، ويقول: “إنها ليست مجرد وسيلة تواصل، بل إرث ثقافي يجب صونه وإحياؤه، لتبقى صوت الجزيرة الذي يعكس أصالة حضارتها وتميزها”
في عام 2022، أصدر محافظ سقطرى رأفت الثقلي قرارًا بإنشاء مركز اللغة السقطرية، برئاسة الدكتور نوح عبدالله العليمي، ونص القرار على مسؤولية المركز بجمع ودراسة اللغة السقطرية، ومصادقة أي دراسات وبحوث فيما يخص هذه اللغة
يقول العليمي: “إن مركز اللغة السقطرية يسعى بخطى حثيثة لحماية اللغة السقطرية وضمان بقاءها للأجيال القادمة من خلال توثيقها وجمع وحصر مفرداتها وتوثيق معانيها واستخداماتها في سياقاتها اللغوية والاجتماعية المختلفة”
ويضيف أنه ورغم صعوبة تعامل الجيل الحالي معها؛ بفعل ما يطرأ من متغيرات وتطورات إلا أنها لا زالت متداولة وتمارس بشكل يومي
وكان مركز اللغة السقطرية للدراسات والبحوث قد أطلق في ديسمبر 2025 مشروع توثيق المعجم السقطري، الذي يهدف إلى جمع وحصر المفردات السقطرية المتداولة شفهيًا، وتوثيق معانيها واستخداماتها في سياقاتها اللغوية والاجتماعية المختلفة
ويعمل المشروع على تسجيل الروايات الشفوية من المتحدثين الأصليين للغة السقطرية، وتحليلها لغويًا؛ تمهيدًا لإعداد معجم علمي موثوق يسهم في حفظ اللغة من الاندثار ودعم الدراسات الأكاديمية المتخصصة
ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن