سليمان العقيلي : الرد على فورين افيرز .. السعودية ليست في موقع الموازنة بل في طور إعادة تعريف مفهوم القوة

منذ 11 أيام

سليمان العقيلي تُختزل قراءة السلوك السعودي خلال المواجهة الأخيرة مع إيران، كما في بعض الطروحات الغربية ومنها ما نُشر في فورين افيرز، ضمن إطار سياسة الموازنة كرد فعل على تراجع الثقة بالمظلة الأمريكية وتصاعد المخاطر الإقليمية

هذه المقاربة تبدو متماسكة ظاهريًا، لكنها في جوهرها تعكس انحيازًا تحليليًا نابعًا من مركزية الرؤية الأمريكية أكثر مما تعكس حقيقة التحول الجاري في الاستراتيجية السعودية

الإشكالية الأساسية في هذا الطرح أنه يفترض أن الرياض تتحرك تحت ضغط القلق والاضطرار

بينما تشير الوقائع إلى تحول مختلف: السعودية لا توازن لتفادي المخاطر فحسب، بل تعيد تعريف موقعها ووظيفتها داخل النظام الإقليمي ذاته

الفارق هنا ليس تكتيكيًا، بل بنيوي يتعلق بكيفية فهم الدولة لدورها وحدود قوتها وأدوات تأثيرها

أول مظاهر القصور في القراءة الغربية يظهر في تضخيم فكرة تآكل المظلة الأمنية الأمريكية

صحيح أن العلاقة لم تعد قائمة على ذات مستوى الاعتماد غير المشروط

لكن الحديث عن فراغ استراتيجي مبالغ فيه

فالبنية الدفاعية السعودية لا تزال مرتبطة تقنيًا وعملياتيًا بالولايات المتحدة والتنسيق العسكري خلال التصعيد الأخير يؤكد استمرار هذا الارتباط

ما تغير فعليًا ليس الاعتماد الأمني بل شروطه السياسية : من علاقة حماية أحادية إلى شراكة أكثر توازنًا من حيث القرار والسيادة

الخلل الثاني لرؤية فورين افيرز يتمثل في وضع إيران وإسرائيل ضمن معادلة تهديد واحدة

هذا التبسيط يغفل الفوارق النوعية بين التهديدين

إيران تمثل تهديدًا مباشرًا وماديًا للأمن السعودي عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الوكلاء الإقليميين

في المقابل تمثل إسرائيل تحديًا ذا طبيعة مختلفة - مرتبطًا بإعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ الإقليمي

وليس تهديدًا عسكريًا مباشرًا

الخلط بين المستويين يؤدي إلى قراءة مشوشة لآليات صنع القرار في الرياض التي تميّز بدقة بين إدارة التهديدات المباشرة والتعامل مع التحولات الهيكلية في النظام الإقليمي

أما توصيف السياسة السعودية بأنها انتظار وترقب فهو يعكس كسلاً تحليليًا أكثر منه توصيفًا واقعيًا

فمنذ 2023، اتبعت الرياض مسارًا واضحًا يقوم على خفض التصعيد المنضبط: اتفاق التهدئة مع إيران، تثبيت مسارات التهدئة في اليمن، والانخراط في دبلوماسية نشطة متعددة المسارات

وحتى خلال التصعيد الأخير، جاء ضبط النفس السعودي كخيار استراتيجي واعٍ يهدف إلى احتواء المخاطر ومنع توسعها، لا كعلامة تردد أو عجز

الإطار المفاهيمي ذاته - الموازنة يحتاج إلى مراجعة

في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية يُستخدم هذا المفهوم لوصف سلوك دول تسعى لتفادي الانحياز الكامل عبر توزيع علاقاتها بين قوى متنافسة

لكن في الحالة السعودية نحن أمام تحول أعمق: من موازنة رد الفعل إلى إدارة الفعل ذاته

ما تقوم به الرياض هو إعادة توزيع مصادر القوة (العسكرية، الاقتصادية، والدبلوماسية ) بما يمنحها هامش استقلالية أكبر في القرار

إنها لا توازن بين قوى، بل تعيد هندسة بيئة التفاعل بينها

في هذا السياق يُساء فهم الانفتاح على الصين

فبكين - رغم ثقلها الاقتصادي - لا تقدم ولا تسعى لتقديم بديل أمني مكافئ للدور الأمريكي

لذلك، لا يمكن قراءة العلاقة السعودية-الصينية كاستبدال لتحالف بآخر بل كإدخال متغير إضافي ضمن معادلة أوسع لإدارة النفوذ

الصين هنا ليست مظلة بل أداة ضمن حزمة أدوات تهدف إلى تنويع الخيارات وتقليل الاعتماد الأحادي

الأهم أن هذه القراءات الغربية تكشف عن قلق متزايد داخل النخبة الأمريكية أكثر مما تعكس فهمًا دقيقًا للسلوك السعودي

هناك ميل متكرر لتفسير استقلالية حلفاء واشنطن باعتبارها نتيجة مباشرة لتراجع الدور الأمريكي بينما يغيب عن هذا التفسير أن بعض هذه التحولات نابع من تطور داخلي في إدراك الدول لمصالحها وقدراتها

السعودية اليوم لا تتحرك كدولة تبحث عن ضمانات أمنية بقدر ما تتحرك كفاعل يسعى لإعادة صياغة قواعد اللعبة

هي لا تفك ارتباطها بواشنطن، لكنها ترفض أن يكون هذا الارتباط محددًا وحيدًا لسلوكها

ولا تنخرط في محاور بديلة، بل تستخدم علاقاتها المتنوعة كأدوات لتعظيم هامش المناورة

بعبارة أدق ؛ ما نشهده ليس موازنة ضعف بل إدارة قوة في بيئة إقليمية عالية السيولة

انتقال من موقع المتلقي للترتيبات الأمنية إلى موقع المساهم في صياغتها

وبين هذين الموقعين لا يكمن التحدي في تجنب المخاطر فقط، بل في إعادة تعريف ما تعنيه القوة ذاتها وهذا تحديدًا ما نعتقد ان الرياض تفعله اليوم