سليمان العقيلي : مال الفوضى..كيف صنع النفوذ الإماراتي شبكات الولاء والفقر المسلح في عدن؟

منذ 8 ساعات

سليمان العقيلي تحوّل المال الإماراتي الحرام في اليمن إلى أداة لإعادة تشكيل المجال السياسي والاجتماعي عبر شراء الولاءات في البيئات الأشد فقرًا وتوظيفها في تفجير مسارات العنف وتقويض ما تبقى من الدولة

ويتجلى ذلك بصورة صارخة في عدن منذ سنوات الهيمنة الاماراتية على الجنوب عبر ما يسمى المجلس الانتقالي

فهذا المال لا يتحرك في قنوات تنموية شفافة، بل يُضخ عبر مسارات أمنية وميليشياوية و(خيرية) موازية للدولة

وظيفته ضبط اتجاهات الولاء وتكييف خيارات المجتمع المحلي

لا معالجة جذور الفقر أو ترميم البنية التحتية وإعادة بناء المؤسسات كما تفعل الجهود السعودية حالياً

في الأحياء الفقيرة والمناطق المنهكة بالحرب تحولت المساعدات الغذائية والرواتب التي تدفعها تشكيلات مسلحة أو مؤسسات (واجهة) إلى عقد ولاء غير مكتوب، يربط لقمة العيش بمسار سياسي وأمني محدد

ويُدخل شرائح واسعة من الفقراء في اقتصاد زبائني تتحدد فيه مكانة الفرد بمدى قربه من شبكة التمويل الإماراتي أو وكلائها المحليين

ضمن هذا المشهد لم يعد “العمل الإنساني” محايدًا؛ بل جرى توظيف جزء معتبر منه غطاءً للتحرك السياسي والاستخباري، وربط استمرار تدفق المساعدات ببقاء حلفاء أبوظبي في مواقع السيطرة

أو بقبول ترتيبات أمنية واقتصادية تمس السيادة على الموانئ والموارد

في المقابل، أصبح الحرمان من هذه المساعدات وسيلة عقاب غير معلنة لمن يرفض الانخراط في هذه الشبكات أو يصر على الولاء لمؤسسات الدولة الشرعية

ولم يذهب هذا المال إلى دعم مؤسسات الدولة

بل إلى رعاية تشكيلات مسلحة موازية تمتلك مصادر تمويل مستقلة وتدين بالولاء للممول لا لسلطة مركزية

هكذا نشأت منظومة مليشياوية واسعة في الجنوب، وعلى رأسها قوات “الحزام الأمني” في عدن، التي كانت تعمل خارج السلسلة القيادية الحكومية رغم الغطاء الشكلي بانتسابها لوزارات رسمية، ما أدى إلى تفتيت الهرم الأمني وإعادة تعريف القوة على الأرض باعتبارها ملكًا لمن يمسك بخط التمويل والتسليح

وجرى بذلك تمكين منظومة المجلس الانتقالي الجنوبي سياسيًا وعسكريًا ليغدو ذراعًا محلية تستند إلى هذه شبكات مسلحة وتستخدمها لفرض وقائع جديدة وصلت حدّ مهاجمة قوات الحكومة الشرعية والسيطرة بالقوة على المدينة في جولات عنف متكررة

وقد ارتبطت هذه التشكيلات باتهامات موثقة بالاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب

ما خلق حالة رعب مجتمعي وحوّل الأمن من وظيفة لطمأنة السكان إلى أداة لإخضاعهم وإسكات المعارضين ورسّخ منطق القلق الدائم الذي يجعل المواطن مضطرًا للانخراط في شبكة الولاء الأقوى فقط لحماية نفسه وأسرته

يتضافر البعد الأمني مع بعد اقتصادي أشد عمقًا؛ فعدن ميناء استراتيجي وبوابة بحرية تجارية ومعنى ذلك أن النفوذ العسكري فيها يرتبط حتمًا بمصالح اقتصادية وأدوات جمع جباية

فالمال الإماراتي كان يموّل تشكيلات تحمي ممرات النفوذ في الميناء والساحل، ويدفع في الوقت نفسه نحو إنشاء شبكات رجال أعمال ووسطاء محليين مرتبطين بامتيازات تجارية في المنطقة

ما يُقفل المجال الاقتصادي لصالح منظومة نفوذ محددة ويحوّل الفوضى الأمنية إلى بيئة عمل مثالية لمراكمة المصالح بعيدًا عن أي رقابة

لقد أفرز هذا الوضع اقتصاد فوضى حالة تتغذى على استمرار الانقسام؛ فكلما تراجعت الدولة المركزية، ازدادت حاجة الفقراء إلى التشكيلات الموالية للإمارات باعتبارها مصدر الراتب

 وكلما تعززت هذه التشكيلات تكرّس تفتيت السلطة وتعمّق عجز الحكومة عن استعادة سيطرتها

ويجد الفقير العدني نفسه بين خيارين كلاهما مر: إما أن يتحول إلى وقود بشري في مليشيات وشبكات ولاء مرتبطة بالتمويل الإماراتي، وإما أن يبقى خارج هذه الشبكات معرّضًا للجوع والتهميش وغياب الحماية

بهذه الطريقة كان المال الإماراتي في اليمن رافعةً كاملة لإنتاج نظام سياسي واجتماعي موازٍ، يقوم على الزبائنية وعلى توظيف الفقر وسيلةً للسيطرة، وعلى تحويل الفوضى من عرض جانبي للحرب إلى حالة مقصودة ومُدارة، تُصان وتُغذّى كلما اقتضت مصالح النفوذ أن تبقى الدولة ضعيفة والمجتمع ممزقًا والولاء مربوطًا دومًا بمصدر المال والسلاح

​​​​​​​​​هكذا تشكّلت عدن  كفضاء لولاءات مسلّحة متشابكة، تتقدّم فيه الميليشيا على المؤسّسة، والوسيط المحلي على المسؤول الشرعي، وتُدار فيه الفوضى بوصفها شرطًا لاستمرار النفوذ لا عارضًا من عوارض الحرب، في مدينة كان يُفترض أن تكون بوابة تعافي اليمن كله فإذا بها تتحول إلى مختبر مفتوح لاقتصاد الفقر المسلح ومال الفوضى