سمير رشاد اليوسفي : الملك الذي قرع جرس ترامب

منذ 2 أيام

سمير رشاد اليوسفي استمعت إلى خطاب الملك تشارلز الثالث أمام اجتماع مشترك للكونغرس الأميركي، وأقول خطابًا لا كلمة، لأن الرجل لم يكن يلقي مجاملة بروتوكولية عابرة، بل كان يقرأ فصلًا من كتاب طويل عنوانه: كيف خسر التاج البريطاني أميركا، ثم عاد بعد 250 عامًا ليصفق له أحفاد الثوار تحت قبة الكونغرس

لذلك لم أدخل خطاب تشارلز بقلب صافٍ

بيني وبين الرجل حساب قديم من أيام ديانا

كنت أراه أميرًا لم يقدّر أجمل امرأة في المؤسسة الملكية، ثم ترك الحكاية تنكسر بين كاميلا، ودودي الفايد، ونفق باريس

لكن السياسة، مثل العمر، تُجبرنا أحيانًا على مراجعة الكراهية

فالرجل الذي لم أحبه في قصة ديانا، وجدته في واشنطن يؤدي دورًا لا يجيده كثير من الرؤساء: أن يسخر من التاريخ، ومن ترامب، ومن نفسه، من دون أن يرفع صوته

وهنا بدأت المشكلة: كلما أردت أن أقاومه باسم ديانا، باغتني بنكتة من التاريخ؛ وكلما حاولت أن أتذكر الأمير المتردد، ظهر أمامي ملكًا يعرف كيف يجعل الكونغرس يضحك على جده، وعلى استقلال أميركا، وعلى ترامب، في الجملة نفسها تقريبًا

المشهد وحده يكفي للسخرية

ملك وراثي، لم ينتخبه أحد، يقف في معبد الديمقراطية الأميركية ليمدح الحرية والتمثيل والحقوق

وأمام من؟ أمام الكونغرس الذي وُلد سياسيًا من شعار “لا ضرائب من دون تمثيل”، أي من الجملة التي قصمت ظهر العلاقة بين المستعمرات والتاج

تشارلز كان ذكيًا بما يكفي كي لا يتهرب من الفيل الواقف في القاعة

ذكر جورج واشنطن، وذكر جده الخامس الملك جورج الثالث، ثم طمأن الأميركيين بأنه لم يأتِ في محاولة متأخرة لاستعادة أميركا

ضحك الحضور، وربما ضحك التاريخ معهم

فبريطانيا لم تعد تستعيد المستعمرات بالجنود الحمر والمدافع، بل بالتحالفات، والاستخبارات، والغواصات النووية، ومقاتلات إف-35، وجملة مهذبة اسمها “العلاقة الخاصة”

أجمل مفارقة في الخطاب أن الملك هنأ الأميركيين بعيد استقلالهم عن ملك بريطاني

أي أن حفيد الخاسر جاء ليبارك انتصار الرابح

جورج الثالث خسر المستعمرات، وجورج واشنطن ربح الجمهورية، وتشارلز جاء بعد قرنين ونصف ليقول للكونغرس: لا بأس، لقد كان الخلاف مؤلمًا، لكنه أنجب تحالفًا عظيمًا

وهذه هي عبقرية البريطانيين حين يخسرون

لا يعترفون بالهزيمة بوصفها هزيمة، بل يعيدون تدويرها في ثوب حضاري

الاستقلال الأميركي لم يعد تمردًا على التاج، بل صار في خطاب تشارلز فصلًا من “قصة مشتركة”

حتى الطلاق صار عندهم علاقة عائلية طويلة

قال الملك مستشهدًا بأوسكار وايلد إن بريطانيا وأميركا لديهما كل شيء مشترك، باستثناء اللغة

نكتة قديمة، لكنها لا تزال صالحة؛ فالبلدان يتحدثان الإنجليزية، لكن كلًا منهما يترجم المصالح بلهجته

البريطاني يقول “تحالف”، والأميركي يسمع “قيادة”

البريطاني يقول “علاقة خاصة”، والأميركي يسأل: ومن سيدفع الفاتورة؟ثم جاء شعار “لا ضرائب من دون تمثيل”، وهنا بلغ التاريخ ذروة سخريته

الشعار الذي رفعه الأميركيون ضد بريطانيا، قال تشارلز إنه كان أيضًا امتدادًا لقيم ديمقراطية ورثوها عن البريطانيين

كأن الملك يقول لهم: حتى حين تمردتم علينا، كنتم تستخدمون أدواتنا الفكرية

الثورة أميركية، أما القاموس فبريطاني

ومن الماجنا كارتا إلى إعلان الحقوق البريطاني، ومن وثيقة الحقوق الأميركية إلى الكونغرس، حاول الخطاب أن يقول إن الجمهورية الأميركية ليست نقيضًا كاملًا للتاج، بل ابنة متمردة خرجت من بيت أبيها ثم ورثت بعض أثاثه

وهذه مفارقة سياسية لطيفة: أميركا ثارت على بريطانيا، لكنها حملت معها كثيرًا من بريطانيا وهي تغادر

العلاقة بين لندن وواشنطن ليست كلها بروتوكولًا وقفازات بيضاء

فيها أيضًا ونستون تشرشل، الذي تروي الحكاية أن روزفلت دخل عليه في البيت الأبيض فوجده عاريًا بعد الحمام، فقال تشرشل إن رئيس وزراء بريطانيا لا يملك شيئًا يخفيه عن رئيس الولايات المتحدة

ولحسن الحظ أن الملكة إليزابيث الثانية، أم تشارلز، لم تعتمد دبلوماسية تشرشل العارية

فقد قابلت 13 رئيسًا أميركيًا، من هاري ترومان إلى جو بايدن، وكانوا جميعًا، لحسن الحظ، في كامل ملابسهم

أدارت الملكة العلاقة الخاصة بالقبعات، والقفازات، والابتسامة المحسوبة، لا بالمنشفة المفقودة

تشارلز جاء أكثر احتشامًا من تشرشل، لكنه لم يكن أقل كشفًا

كشف أن الإمبراطورية التي كانت تحكم البحار صارت تتحدث عن الشراكة لا السيادة، وأن الجمهورية التي ثارت على الضرائب البريطانية صارت تطلب من حلفائها زيادة الإنفاق الدفاعي

من “لا ضرائب بلا تمثيل” وصلنا إلى “لا حماية بلا مساهمة”

وفي الخطاب أيضًا مفارقة الحمامة المسلحة

الملك تحدث عن السلام، والحوار، والإيمان، والنور الذي ينتصر على الظلام، ثم انتقل إلى الناتو، وأوكوس، والغواصات، ومقاتلات إف-35، والدفاع عن أوكرانيا

في السياسة الدولية، حتى الدعاء يحتاج إلى مظلة نووية

ثم جاءت الطبيعة

تحدث الملك عن جبال اسكتلندا والأبالاش التي كانت يومًا سلسلة واحدة قبل أن تفصلها الجغرافيا والسياسة

والصورة جميلة، لكنها تصلح رمزًا للعلاقة كلها

بريطانيا وأميركا كانتا سلسلة واحدة، ثم صدعتهما الثورة، ثم أعادتهما الحروب والتحالفات إلى جبل واحد، وإن بقي بينهما محيط أطلسي وكثير من الفواتير

تحدث عن 11 سبتمبر، وعن الناتو، وعن أوكرانيا، وعن القطب الشمالي، وعن الذكاء الاصطناعي

كان الخطاب كأنه رحلة من الماجنا كارتا إلى الكمبيوتر الكمي

وهذا هو حال الملوك في القرن الحادي والعشرين: لم يعد يكفي أن يباركوا الخيول والحدائق، بل صار عليهم أن يباركوا الخوارزميات أيضًا

ثم جاء عشاء الدولة في البيت الأبيض، وهناك بدا أن تشارلز قرر أن يرد على ترامب بالطريقة البريطانية: لا مواجهة مباشرة، ولا عراك على الطاولة، بل نكتة تخرج من فنجان الشاي وتدخل في الخاصرة

ترامب كان قد قال إن أوروبا لولا أميركا لكانت تتحدث الألمانية

فرد عليه الملك بأن الأميركيين لولا البريطانيين ربما كانوا يتحدثون الفرنسية

هذه ليست دعابة لغوية فقط؛ إنها درس مختصر في حرب السنوات السبع، وفي الصراع البريطاني الفرنسي على أميركا الشمالية، وفي أن أميركا نفسها كانت ثمرة حروب إمبراطوريات قبل أن تصبح جمهورية تقود الإمبراطوريات بلباس آخر

وبين الألمانية والفرنسية، كان الملك يقول لترامب: لا تحتكروا إنقاذ التاريخ

صحيح أن أميركا أنقذت أوروبا من النازية، لكن بريطانيا قبل ذلك منعت فرنسا من أن تكون اللغة السياسية الأولى في أميركا الشمالية

ترامب يحب الجمل الكبيرة، فأعطاه تشارلز جملة أكبر، ولكن بربطة عنق

ثم جاءت الهدية

جرس أصلي من غواصة بريطانية من زمن الحرب اسمها HMS Trump، قدمه الملك إلى الرئيس ترامب، ثم قال له ما معناه: إذا احتجت إلينا، فما عليك إلا أن تدق الجرس

لم تكن هدية، بل كاريكاتير دبلوماسي مصبوب في معدن

ترامب يحب اسمه على الأبراج والفنادق، فجاءه تشارلز باسمه على غواصة

الفرق أن برج ترامب يصعد إلى السماء، أما غواصة ترامب فتنزل إلى الأعماق

وكل قارئ يختار الاستعارة التي تناسبه

وهنا ردّ الملك الصاع صاعين

ترامب يحب الفخامة، فجاءه الملك بفخامة أقدم من كل فنادق مانهاتن

ترامب يحب المديح، فمدحه الملك باسم غواصة

ترامب يحب الأجراس الإعلامية، فأهداه جرسًا حقيقيًا

ترامب يحب أن يقول للأوروبيين إنهم مدينون لأميركا، فقال له تشارلز بلطف: وأنتم أيضًا مدينون لنا بلغة لا تزالون تسيئون نطقها

حتى نكتة الجناح الشرقي في البيت الأبيض كانت محملة بالتاريخ

الملك أشار إلى “تعديلات” ترامب في الجناح الشرقي، ثم ذكّر، ضاحكًا، بأن البريطانيين حاولوا عام 1814 القيام بعملية “إعادة تطوير عقاري” للبيت الأبيض عندما أحرقوا واشنطن

هنا تصبح السخرية أخطر من التصريح

ترامب بنى صورة رجل العقارات، والملك أعاده إلى أقدم مشروع عقاري بريطاني في واشنطن: حريق البيت الأبيض

هذه هي براعة تشارلز

لا يهاجم ترامب، بل يترك التاريخ يقرصه

لا يقول له إنك تحب الملوك، بل يقف بجانبه ملكًا حقيقيًا

لا يقول له إنك تهوى العمارة، بل يذكره بأن البريطانيين سبقوه إلى “تعديل” البيت الأبيض بالنار

لا يقول له إنك تبالغ في إنقاذ أوروبا، بل يذكره بالفرنسية والألمانية

ولا يقول له إن اسمك يصلح للضجيج، بل يهديه جرسًا

والأجمل أن ترامب بدا مستمتعًا

وهذه هي الخدعة البريطانية القديمة: أن تضحك وأنت تتلقى الطعنة، لأن السكين مغلفة بالمخمل

في الدبلوماسية الفرنسية يقال لك الكلام الجميل كي لا تفهم الإهانة

في الدبلوماسية البريطانية تفهم الإهانة وتصفق لها لأنها جاءت موزونة ومهذبة

أميركا في خطاب تشارلز ليست مجرد دولة ثارت على بريطانيا

هي الوريث الأكبر للعالم الذي تركته بريطانيا وراءها

الإمبراطورية القديمة انسحبت من المشهد، والجمهورية الجديدة ورثت المسرح

ولعل تشارلز، وهو يتحدث إلى الكونغرس، كان يرى ما لا يريد بعض الأميركيين الاعتراف به: أن من يتمرد على الإمبراطورية قد يصبح إمبراطورية بطريقة أخرى

في النهاية استدعى الملك لينكولن، ومعه المعنى الأهم: العالم قد لا يتذكر ما نقوله، لكنه لا ينسى ما نفعله

وهذه الجملة تصلح تعليقًا على كل خطابات الملوك والرؤساء

فالكلمات في القاعات الكبرى جميلة، لكن التاريخ لا يدوّن التصفيق، بل يدوّن الحروب، والتحالفات، والضرائب، والغواصات، والدماء التي تأتي بعد البلاغة

خرج تشارلز من واشنطن ولم يستعد المستعمرات

لكنه استعاد شيئًا من فن الإمبراطورية القديم: أن تربح اللحظة وأنت تتظاهر بأنك تلقي نكتة

جورج الثالث خسر أميركا، وتشرشل كاد يخسر المنشفة، وإليزابيث حفظت الوقار مع 13 رئيسًا أميركيًا كانوا، والحمد لله، في كامل ملابسهم، أما تشارلز فجاء ومعه التاريخ كله، لا ليستعيد واشنطن، بل ليقرع جرس ترامب