سمير رشاد اليوسفي : وطن على خريطة ممزقة؟!

منذ 5 ساعات

سمير رشاد اليوسفي في الدول التي أنهكتها الأزمات والحروب، يظهر دائماً باعة من نوعٍ خاص؛ لا يبيعون خبزاً ولا دواءً، بل يبيعون خرائط قديمة: لدولٍ زالت، وسلطناتٍ انتهت، وحدودٍ رسمها ضباط بريطانيون بالمسطرة وعلى عجل

يبيعون للناس حنيناً معبّأً في عبارات بسيطة: «لقد كنتم شيئاً عظيماً ذات يوم»

اليمن هو السوق الأكثر نشاطاً لهؤلاء؛ فكلما ضاقت سبل العيش، اتّسعت تجارة الماضي

يعود الحديث عمّا قبل عام 1990 بوصفه الحل السحري، وتُفتح قوائم طويلة من المظالم، بعضها حقيقي، وبعضها متخيَّل، وبعضها أُعيد تدويره حتى فقد دلالته

لكن المفارقة أن هذه القوائم لا تنتهي؛ فكلما جرى التعامل مع مظلومية، أُضيفت أخرى

يُمنح منصب، فيُطلب المزيد

تُمنح وزارة، فتُرفع سقوف جديدة

تُعرض مناصفة أو حكم ذاتي، فتُرفع راية الانفصال

عندها يبدأ الشك بأن المظالم، على حقيقتها، لم تعد هي المحرك، بل أصبحت مجرد وقود يُسكب بعناية على نار مشتعلة أصلاً، لتغذية رغبة واحدة: الرحيل عن البيت المشترك

هنا، يتحول الانفصال من فكرة سياسية إلى أداة في لعبة أكبر؛ لعبة إعادة رسم الخرائط وزرع كيانات هشة لا تملك من سيادتها إلا اسمها

حالةٌ تدفع بعض ساكني البيت إلى إحراقه كاملاً، أملاً في بناء كوخ صغير على أنقاضه، غير مدركين أن هذه الأكواخ مصممة سلفاً لتكون مجرد أجزاء في فسيفساء جديدة لا يملكون تصميمها

المشكلة أن عدوى الخرائط لا تتوقف عند حدٍّ واحد؛ فما إن يُقنع بائعٌ أهل الجنوب بخريطته، حتى يظهر آخر في الشرق بخريطة أقدم وحكاية أشد إغراءً: «أنتم أيضاً كنتم سلطنة ذات يوم»

وهكذا، يتفتّت حلم الوطن الواحد إلى كيانات متجاورة متناحرة، ويتحوّل الصراع من ثنائي إلى متعدّد، وينبش كل طرف في التاريخ عن سلطانٍ غابر ليطالب بحصته من الرماد

وسط هذا المشهد، يبرز صوت من خارج الدائرة؛ صوت الجار الشمالي الذي يبدو أنه ملّ من رائحة الحريق

لكن من يختزل دوافع هذا الجار في مصالحه الظاهرة، فإنه يتجاهل ما هو أعمق: حتمية الجغرافيا التي تأبى الفوضى على حدودها، ورصيد الهيبة الذي لا يقبل بإدارة الانهيار إلى الأبد

في هذا السياق وحده، يمكن فهم حركتيه المتزامنتين: رعايته لحوار جنوبي داخلي، وتشكيل ما يُعرف بـ«اللجنة العسكرية» تحت قيادته

فكلتاهما لا تعبّران عن شغف بالتدخل، بقدر ما تمثلان محاولة حاسمة لوقف السقوط

قد يُنظر إلى ذلك باعتباره تدخلاً، وربما هو كذلك

لكنه يشبه تدخل الطبيب حين يفرض حجراً صحياً على مدينة موبوءة؛ لا بدافع تقييد الحرية، بل حرصاً على ألا يموت الجميع

فالحرية لا معنى لها في المقابر، والسيادة لا قيمة لها فوق أرض محروقة

ربما، بعد أن يهدأ الغبار وتصمت البنادق، يمكن لليمنيين الجلوس مجدداً في بيت واحد، والتفكير بهدوء في شكل العيش داخله

وربما يكتشفون، ولو متأخراً، أن بيتاً واسعاً بغرف كثيرة، يظل أقل كلفة من خيام صغيرة متناثرة في العراء