صنعاء تحت القبضة.. 12 عاما من الاعتقالات والاختفاءات والمصادرات
منذ 2 دقائق
ترزح العاصمة صنعاء، منذ انقلاب مليشيا الحوثي وسيطرتها على مؤسسات الدولة في 21 سبتمبر/أيلول 2014، تحت وطأة منظومة واسعة من الانتهاكات التي طالت المواطنين ومؤسسات الدولة والمجتمع، وحولت العاصمة إلى فضاء تضيق فيه الحريات، وتغيب فيه ضمانات القانون، وتتعاظم فيه مخاطر الاعتقال والإخفاء ومصادرة الممتلكات
وعلى مدى اثني عشر عامًا، لم تقتصر ممارسات المليشيا على السيطرة على مؤسسات الدولة وإخضاعها لسلطتها، بل امتدت إلى ملاحقة المعارضين والناشطين والصحفيين والأكاديميين، واقتحام المنازل والمنشآت، واعتقال مواطنين وإخفاء آخرين، فضلًا عن مصادرة ممتلكات وأموال تحت ذرائع وقرارات صادرة عن أجهزة أنشأتها الجماعة لإحكام قبضتها على العاصمة
وفي صنعاء، بات الاعتقال أحد أبرز أدوات إسكات الأصوات المناوئة، فيما تحولت قضايا المصادرة والاستيلاء على الممتلكات إلى مسار موازٍ لإعادة تشكيل المجال العام والاقتصادي بما يخدم سلطة الجماعة
وبين معتقل ينتظر مصيرًا مجهولًا، وأسرة تبحث عن قريب اختفى خلف أبواب السجون، وصاحب منزل أو مؤسسة فقد حقه في التصرف بملكه، تتكشف ملامح واقع فرضته سنوات من القمع خارج مؤسسات الدولة وقواعد القانون
وعلى مدى أكثر من عقد، تراكمت عشرات التقارير والشهادات والملفات الحقوقية التي وثقت جانبًا من واقع المدينة، ورغم تفاوت المنظمات في منهجيات التوثيق ونطاق الرصد والفترات الزمنية، فإنها تتقاطع في رصد أنماط متكررة من الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وقمع حرية التعبير وملاحقة المعارضين، إلى جانب فرض قيود على النساء والأقليات ومصادرة الممتلكات، بما يعكس تحول هذه الممارسات من وقائع متفرقة إلى نمط ممتد من الانتهاكات خلال سنوات سيطرة الجماعة على العاصمة
البداية
يوم تغير وجه العاصمةومع تثبيت المليشيا نفوذها بعد سيطرتها على العاصمة، في 21 سبتمبر/أيلول 2014، بدأت مؤسسات الدولة والإعلام والأجهزة الأمنية والقضائية تشهد تحولات متتالية
حيث تقول تقارير حقوقية إن أجزاء من أجهزة الضبط والقانون تعرضت للتعطيل أو لإعادة الهيكلة، فيما توسع حضور المليشيا المسلحة داخل مؤسسات الدولة ومراكز النفوذ
وبمرور الوقت، لم تعد الاعتقالات والملاحقات مقتصرة على الخصوم السياسيين، وفق التقارير، بل امتدت إلى صحفيين وحقوقيين وأكاديميين ورجال أعمال وناشطين وموظفين في منظمات دولية وأفراد من أقليات دينية
وفي هذا التقرير، يستعرض العاصمة أونلاين حصيلةً موثقة لما أوردته جهات حقوقية ومحلية ودولية من انتهاكات طالت المواطنين في العاصمة صنعاء ومختلف المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، اعتمادًا على تقارير وبيانات وشهادات رصدت خلال السنوات الماضية أنماطًا متعددة من الاعتقالات والاختفاءات والانتهاكات ومصادرة الممتلكات، بما يضيء جانبًا من واقع حقوقي امتد على مدى سنوات سيطرة الجماعة
95 ألف واقعة
سبع سنوات من الانتهاكاتمن أبرز الحصائل التي تناولت الوضع الحقوقي في العاصمة تقرير سبع عجاف الصادر عن مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة، والذي غطى الفترة من يناير/كانون الثاني 2015 وحتى سبتمبر/أيلول 2021
وبحسب ما نشرته صحيفة «26 سبتمبر» عن التقرير، فقد وثق أكثر من 95 ألف واقعة انتهاك خلال سبع سنوات، توزعت على 23 نوعًا من الانتهاكات، بينها القتل، والوفاة تحت التعذيب، والاختطاف، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والمحاكمات السياسية، ونهب الممتلكات، واقتحام المنشآت العامة والخاصة، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، والتهجير القسري، وقيود حرية التنقل
وسجل التقرير، وفق المصدر ذاته، 823 حالة قتل خارج نطاق القانون، و82 حالة وفاة تحت التعذيب خلال الفترة التي شملها الرصد
الانتهاكات مستمرةلم يتوقف الرصد الحقوقي عند السنوات الأولى
ففي أحدث حصيلة خاصة بأمانة العاصمة، وثق تقرير صادر عن مكتب حقوق الإنسان بالأمانة 3219 انتهاكًا خلال عامي 2024 و2025
وبحسب التقرير، توزعت الانتهاكات على 14 نمطًا، بينها القتل خارج نطاق القانون، والاختطاف والإخفاء القسري، والتعذيب، والمحاكمات السياسية، والانتهاكات بحق النساء والأطفال، وقمع الحريات، ونهب الممتلكات والتهجير القسري
وسجل التقرير 105 حالات قتل خارج نطاق القانون، بينها 71 حالة قتل مباشر و34 حالة وفاة تحت التعذيب، إضافة إلى 483 حالة اختطاف وإخفاء قسري، و135 حالة تعذيب ومعاملة قاسية، و268 حالة اعتداء وإصابة
كما ارتفع عدد الانتهاكات الموثقة، وفق التقرير، من 1537 حالة في 2024 إلى 1682 حالة في 2025
وتشير هذه الأرقام إلى استمرار تسجيل انتهاكات جديدة في العاصمة خلال السنوات الأخيرة، وإن كانت طبيعة الحالات وأحجامها تختلف من مرحلة إلى أخرى
الصحافة
أولى ساحات المواجهةكان الإعلام من أكثر القطاعات التي شهدت تحولًا بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة
قالت «هيومن رايتس ووتش» إن الحوثيين شرعوا بعد السيطرة على صنعاء في حملة للسيطرة على مؤسسات إعلامية حكومية وخاصة، شملت مداهمة والاستيلاء على مؤسسات بينها صحيفة «الثورة» ووكالة الأنباء «سبأ»، إضافة إلى مكتب قناة الجزيرة ومكتب صحيفة «المصدر»
وبحسب المنظمة، شملت الإجراءات مصادرة معدات ومكاتب واحتجاز موظفين، إلى جانب استبدال بعض العاملين بموظفين وصحفيين موالين للمليشيا
وهكذا أصبح العمل الصحفي في صنعاء، وفق تقارير حقوقية، مرتبطًا بدرجة متزايدة بمساحة الحرية التي تسمح بها السلطة القائمة
صحفيون خلف القضبانفي يونيو/حزيران 2015، اعتقلت قوات حوثية تسعة صحفيين في صنعاء خلال مداهمة فندق، قبل اعتقال صحفي عاشر في أغسطس/آب من العام نفسه
وقالت منظمة العفو الدولية إن الصحفيين تعرضوا خلال سنوات احتجازهم للاختفاء القسري والاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي وسوء المعاملة والحرمان من الرعاية الطبية، قبل أن توجه إليهم لاحقًا اتهامات بالتجسس ومساعدة التحالف
وفي قضية أخرى، صدرت أحكام بالإعدام بحق أربعة صحفيين هم: أكرم الوليدي، وعبدالخالق عمران، وحارث حميد، وتوفيق المنصوري
وقالت منظمة العفو الدولية إن محاكمتهم افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة
حتى الميكروفون لم يسلملم يقتصر التضييق على الصحف والقنوات، ففي 25 يناير/كانون الثاني 2022، داهمت قوات حوثية ست محطات إذاعية على الأقل في صنعاء وأجبرتها على التوقف، بحسب منظمة العفو الدولية، التي قالت إن السلطات بررت الإجراء بالحاجة إلى تراخيص بث جديدة
وكانت إذاعة صوت اليمن من بين المحطات المستهدفة
وبعد استئنافها البث بقرار قضائي، عادت قوات حوثية في يوليو/تموز 2022 إلى مداهمة المحطة ومصادرة معدات البث
القضاء
منبر للعدالة أم أداة للصراع؟امتدت التحولات إلى المؤسسة القضائية، ففي يوليو/تموز 2019، قالت منظمة العفو الدولية إن المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء أصدرت أحكامًا بالإعدام بحق 30 شخصية سياسية وأكاديمية، بعد محاكمة قالت المنظمة إنها شابتها عيوب جوهرية
كما أشارت تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى استخدام المحكمة الجزائية المتخصصة في صنعاء في قضايا ضد معارضين ومنتقدين، مع ورود تقارير عن احتجاز أشخاص لفترات طويلة من دون أوامر قبض أو اتهامات رسمية أو ضمانات قضائية كافية
عندما يصبح المنزل والرصيد تهمةلم تتوقف تداعيات السيطرة عند الحرية الشخصية، ففي منتصف عام 2017، أنشأت سلطات الحوثيين لجنة لحصر واستلام ممتلكات أشخاص تصفهم بـ«الخونة»
وبحسب دراسة لمركز صنعاء للدراسات، أمرت اللجنة في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه بمصادرة حسابات مصرفية وممتلكات تعود إلى 1223 شخصًا من المعارضين للمليشياكما جرى إنشاء نظام الحارس القضائي لإدارة جزء من الممتلكات المصادرة
ويقول مركز صنعاء إن أصولًا وشركات وممتلكات في العاصمة تعرضت للحجز والمصادرة، في ملف بات أحد أكثر الملفات الاقتصادية والقانونية حساسية خلال سنوات الحرب
وفي تقرير حديث، وثقت «هيومن رايتس ووتش» قضية رجل الأعمال طه المعمري، وقالت إن الحوثيين استولوا على شركتيه ومنزله وأراضٍ يملكها، قبل أن تحكم المحكمة الجزائية المتخصصة عام 2024 بإعدامه ومصادرة أمواله وممتلكاته داخل اليمن وخارجه
العقار
معركة أخرى على النفوذفي ديسمبر/كانون الأول 2024، أكدت السلطة المحلية بأمانة العاصمة أنّ مليشيا الحوثي قامت بالتزوير ونهب ومصادرة ممتلكات عامة وخاصة وأراضٍ وعقارات، وقالت إن عمليات الاستيلاء شملت أراضي الدولة والأوقاف والممتلكات الخاصة
وفي مايو/أيار 2026، نشرت وسائل إعلام يمنية تقارير عن إعلان المحكمة الجزائية الخاضعة للحوثيين عرض عقارات وأراضٍ تابعة لبنك التضامن للبيع بالمزاد، بقيمة قالت التقارير إنها تتجاوز 9
4 مليارات ريال يمني
وتظل هذه الملفات بحاجة إلى مراجعة مستقلة للسجلات العقارية والقضائية والمالية من أجل الوصول إلى صورة شاملة حول حجم الملكيات التي تغيرت وضعيتها خلال سنوات الحرب
المستشفيات
النفوذ يصل إلى الخدماتامتدت السيطرة كذلك إلى قطاعات خدمية واقتصادية حيوية
وهو ما أشار إليه مركز صنعاء للدراسات إلى تدخل الحوثيين في إدارة عدد من أكبر مستشفيات صنعاء، وقال إن الجماعة أطاحت بمديرين وموظفين واستحوذت على نسبة من عائدات بعض المستشفيات خلال السنوات الأولى من سيطرتها
ويعكس ذلك، بحسب ما ورد في الدراسة، اتساع نطاق النفوذ من المؤسسات السياسية والأمنية إلى قطاعات اقتصادية وخدمية تمس الحياة اليومية للسكان
المرأة
قيود تتسعشهدت حياة النساء في صنعاء تحولات وقيودًا إضافية، إذ أكدت منظمة هيومن رايتس ووتش أن الحوثيين فرضوا قيودًا متزايدة على حركة النساء، بينها اشتراط السفر مع محرم أو الحصول على موافقة ولي الأمر في حالات معينة، إضافة إلى قيود تتعلق باللباس والفصل بين الجنسين في بعض الأماكن العامة
كما تحدثت المنظمة عن شبكة من السجون الرسمية وغير الرسمية في صنعاء احتُجزت فيها نساء وفتيات، مع توثيق انتهاكات بحق بعض المحتجزات
البهائيون
أقلية في دائرة الاستهدافلم تقتصر الاعتقالات على الخصوم السياسيين، ففي مايو/أيار 2023، اقتحمت قوات حوثية تجمعًا سلميا للبهائيين في صنعاء واحتجزت 17 شخصًا، بينهم خمس نساء، بحسب منظمة العفو الدولية
وقالت المنظمة إن المحتجزين تعرضوا للاختفاء القسري، وإن بعضهم ظل محتجزًا لأكثر من عام من دون توجيه اتهامات أو توفير ضمانات قانونية كافية
كما وثق فريق خبراء الأمم المتحدة حالات مرتبطة باحتجاز أفراد من الطائفة البهائية ومصادرة ممتلكات مرتبطة بنشاطهم الديني في صنعاء
الهاتف قد يتحول إلى دليل اتهامومع مرور السنوات، امتدت الرقابة إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تشير تقارير حقوقية إلى انتشار نقاط التفتيش والمراقبة الأمنية، وتوقيف أشخاص على خلفية منشورات في وسائل التواصل الاجتماعي أو مشاركتهم في فعاليات سياسية ومناسبات وطنية
وفي 2024، وثقت منظمة العفو الدولية احتجاز المحامي الحقوقي عبدالمجيد صبرة، كما أشارت إلى توقيف أشخاص عند نقاط تفتيش وتفتيش هواتفهم بحثًا عن محتوى يتعلق بذكرى ثورة 26 سبتمبر
26 سبتمبر
ذكرى تحت الرقابةفي عهد المليشيات الحوثية، تحولت ذكرى ثورة 26 سبتمبر إلى مناسبة شديدة الحساسية في العاصمة المحتلة صنعاء خلال السنوات الأخيرة
وفي سبتمبر/أيلول 2025، قالت تقارير حقوقية يمنية إن حملات حوثية في العاصمة استهدفت مشاركين في إحياء الذكرى، وشملت اعتقالات ومداهمات لمنازل
ووفق تقرير لمنظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية»، وثقت المنظمة 156 انتهاكًا خلال سبتمبر 2025 على خلفية إحياء ذكرى الثورة، بينها اختطاف 103 أشخاص ومداهمة 12 منزلًا في العاصمة
المدرسة أيضًا في مرمى التغييرلم تسلم المؤسسات التعليمية من التحولات، حيث تشير تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى استهداف مدرسين وخبراء تربويين، خصوصًا في صنعاء، ممن عارضوا تعديلات على المناهج رأوا أنها تحمل طابعًا سياسيًا أو أيديولوجياوبحسب تقرير الفريق لعام 2024، تعرض بعض هؤلاء للاعتقال التعسفي والتعذيب أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وأصبحت المناهج التعليمية نفسها جزءًا من الجدل الأوسع بشأن إعادة تشكيل التعليم بما يتوافق مع الرؤية السياسية والفكرية للسلطة القائمة
العمل الإنساني تحت الضغطوصلت تداعيات الصراع إلى المنظمات الإنسانية والعاملين فيها
ففي 31 أغسطس/آب 2025، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة إدانته احتجاز الحوثيين 11 موظفًا أمميًا على الأقل في ذلك اليوم، إلى جانب اقتحام مقر برنامج الأغذية العالمي والاستيلاء على ممتلكات تابعة للأمم المتحدة ومحاولات دخول مقار أممية أخرى في صنعاء
وفي تقرير لاحق، قالت منظمة العفو الدولية إن موجات الاعتقال الحوثية طالت موظفين أمميين وعاملين في منظمات المجتمع المدني، ونقلت عن الأمم المتحدة أن عدد موظفي الأمم المتحدة الذين احتُجزوا تعسفيًا منذ 2021 بلغ 69 شخصا حتى نهاية 2025اقتصاد العاصمة
حرب أخرىلم تكن التداعيات سياسية وحقوقية فقط، فحرب المليشيات الحوثية وانقسام المؤسسات المالية وانقطاع الرواتب وتراجع النشاط التجاري فرضت ضغوطًا اقتصادية ومعيشية كبيرة على سكان صنعاء
وفي تقرير عن 2025، قالت منظمة «دي يمنت» إنها وثقت 761 انتهاكًا في أمانة العاصمة، وربطت بين استمرار انقطاع رواتب نسبة كبيرة من موظفي القطاع العام وتدهور القدرة الشرائية والأمن الغذائي، إلى جانب رصد انتهاكات بحق عاملين في المجال الإنسانيلكن الأزمة الاقتصادية لا يمكن اختزالها في عامل واحد؛ فهي نتاج مجموعة متشابكة من آثار الحرب والانقسام المالي والقيود التجارية وأزمة الرواتب وتراجع النشاط الاقتصادي
من الخصم السياسي إلى المجتمع بأكملهومع مرور السنوات، اتسعت دائرة المستهدفين، بحسب التقارير الحقوقية
فإلى جانب السياسيين، ظهرت في ملفات التوثيق أسماء صحفيين وحقوقيين وأكاديميين ورجال أعمال ونساء وأفراد من أقليات دينية وعاملين في المنظمات الإنسانيةويشير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة إلى تعرض أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم معارضين للحوثيين، وبينهم صحفيون ومدافعون عن حقوق الإنسان وقضاة ورجال أعمال وأفراد من البهائيين والإسماعيليين، للاعتقال التعسفي، فيما تعرضت بعض العائلات، بمن فيها أطفال، للاحتجاز أو الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي
12 عاما
والملف لم يُغلقعند وضع التقارير القديمة والحديثة جنبًا إلى جنب، تظهر أنماط متكررة، حتى مع اختلاف حدتها من مرحلة إلى أخرى
ففي السنوات الأولى برزت الاعتقالات والاختفاءات وملاحقة الإعلاميين والسياسيين، ثم اتسع الملف ليشمل مصادرة الممتلكات وإعادة تشكيل مؤسسات اقتصادية وقضائية
وفي السنوات الأخيرة ظهرت موجات جديدة من الاعتقالات استهدفت ناشطين ومدنيين وموظفين دوليين ومشاركين في فعاليات وطنية
تقول منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقاريرها إن الحوثيين واصلوا استخدام الاعتقال التعسفي والإخفاء والتعذيب وقمع حرية التعبير، إلى جانب السيطرة على مؤسسات إعلامية وملاحقة الصحفيين
ما بين الرقم والضحيةبعد 12 عامًا، لا يمكن اختزال المشهد الحقوقي في صنعاء برقم واحد، فـ95 ألف واقعة في تقرير تغطيته سبع سنوات، و3219 انتهاكًا في حصيلة لعامين، وأرقام أخرى صادرة عن منظمات دولية ومحلية، لا تمثل قاعدة بيانات واحدة
بعض التقارير يغطي أمانة العاصمة تحديدًا، وبعضها الآخر يشمل مناطق سيطرة الحوثيين أو اليمن بأكمله، كما تختلف آليات التحقق والتوثيق وتعريف كل منظمة للانتهاك
لكن القاسم المشترك بين عدد كبير من التقارير هو تسجيل أنماط متكررة من الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، والتعذيب، وتقييد الصحافة وحرية التعبير، وملاحقة المعارضين، وفرض قيود على النساء، واستهداف أقليات دينية، ومصادرة ممتلكات
وفي أحدث حصيلة خاصة بأمانة العاصمة، تبرز 3219 حالة انتهاك موثقة خلال 2024 و2025 بوصفها حلقة حديثة في سلسلة أطول بدأت مع سقوط صنعاء عام 2014
ملف مفتوح أمام التوثيق والمساءلةبعد أكثر من عقد، لا يزال ملف الانتهاكات في صنعاء مفتوحًا
فالمنظمات الحقوقية المحلية والدولية تواصل توثيق الاعتقالات والإخفاءات والمحاكمات والمصادرات، فيما تظهر تقارير جديدة عن حالات وانتهاكات حتى عامي 2025 و2026
وفي المقابل، يبقى الوصول المستقل إلى أماكن الاحتجاز والسجلات الرسمية والملفات القضائية محدودًا، وهو ما يجعل الأرقام المنشورة حصيلة لما تمكنت الجهات الراصدة من الوصول إليه وتوثيقه، لا بالضرورة إجمالي ما وقع فعليًا
ومن هنا، فإن التحدي الأكبر لا يكمن في جمع المزيد من الأرقام فحسب، بل في بناء أرشيف حقوقي مستقل وشامل يوثق أسماء الضحايا، وتواريخ الاعتقال، وأماكن الاحتجاز، والجهات المسؤولة، ونتائج المحاكمات، والممتلكات المصادرة، وشهادات الأسر، والوثائق القضائية والمالية، فوراء كل رقم اسم، وخلف كل حالة أسرة، وفي نهاية كل ملف إنساني سؤال عن العدالة والمساءلة
وبينما تدخل صنعاء عامها الثالث عشر منذ سقوطها في قبضة الحوثيين، تبقى ذاكرة الضحايا أكبر من أن تختصرها جداول الإحصاءات، وأطول من أن تنتهي بانتهاء الحرب، إنها ذاكرة مدينة ما زالت تنتظر أن تكتب شهادتها كاملة