طارق نجيب باشا : الحوار الوطني 2013.. نضج التجربة وضرورة الإنصاف

منذ 20 أيام

طارق نجيب باشا تأتي الذكرى الثانية عشرة لإعلان وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل، في وقت عادت فيه مفردة (الحوار) للطاولة السياسية وللحياة العامة في بلدنا

وبالعودة إلى تجربة حوار عام  2013 وما واكبها من أحداث، وتعاطي الأطراف السياسية والإجتماعية المؤثرة آنذاك مع نقاشات ومسارات الحوار، سنجد أن الحوار لطالما تعرض لتشويه مفهومه الأساسي كآلية سلمية حضارية تهدف لإيجاد الحلول للقضايا السياسية وغير السياسية بعيدًا عن منطق القوة والغلبة

 وصل هذا التشويه حده عندما بذلت أطراف عدة- ذات مصلحة- الكثير لإنشاء سردية بُثت بشكل ممنهج عبر قنواتها الإعلامية وأقلامها المؤثرة، تصب في مجرى إقناع السواد الأعظم بأن الحوار بحد ذاته ناهيك عن آلياته ومخرجاته هو السبب في انزلاق البلد نحو الحرب! كما تماهى الكثيرون، بقصد أو بغير قصد، في تحميل مسلك الحوار أكثر مما يحتمل، وتصويره للناس وكأنه مؤسسة تنفيذية تعلو الحكومة، وجهة تشريعية بديلة للبرلمان، ومساحة للتأثير السياسي بعيدًا عن القاعدة الجماهيرية

وهذه الأفكار غير الدقيقة والتي لا أساس قانوني لها، أخرجت تصورات المجتمع عن الحوار من حقيقة أهدافه ومضامينه نحو تصورات غير دقيقة أثبتت الأحداث اللاحقة ومرور الأيام بأنها كانت عملًا ممنهجًا خططت له ومولته الأطراف التي تستعد للحرب وتؤمن بالقوة؛ كي يزيح المجتمع أنظاره عن المسارات السلمية فيبقى الرأي العام مؤمنا بمنطق القوة والغلبة كلغة سياسية أساسية وحيدة لإحقاق السيطرة والنفوذ، وفاقدا للإيمان بأي وسيلة سلمية أو ديمقراطية لحل أي إشكال في بلدنا

 لذلك، فإن هذه الحقيقة اليوم جلية بتتابع الأحداث وتكشّف النوايا ومسالك الأطراف السياسية

ولو أن أحدًا كتب هذا أثناء انعقاد مؤتمر الحوار أو بعدها لما استطاع التدليل عليها إلا بالمنطق والتنظير السياسي؛ وللأسف، فإن هذين المفهومين كذلك قد تعرضا- منذ ما قبل الحوار الوطني بمراحل- للتشوية في العقلية الجمعية، من قبل القيادات السياسية التي كان لها مصلحة، من تصوير جميع ساسة البلد مجرد لاهثين خلف مصالحهم الشخصية وتصوير جميع المُنظرين كمتفلسفين- وفقا لما تحمله الكلمة من معنى سلبي في الأذهان المحلية وليس الإيجابي وفقا للتعريف الأكاديمي

ورغم كل ذلك، والتشوية الممنهج الذي واكب حوار 2013 وفقدان الكثيرين ممن لا حول لهم ولا قوة إيمانهم اليقيني بسلمية وديمقراطية المسالك المرجوة في بلدنا إلا أن مرور 12 عامًا من إعلان وثيقة الحوار في 25 يناير 2014؛ وتواكبها هذا العام مع الاستعدادات للحوار الجنوبي- الجنوبي؛ وعودة الزخم لمفهوم الحوار، يشكل دليلًا دامغًا أن الاستقواء بالمال والسلاح والغلبة السكانية مهما أكسبت طرفًا السلطة والنفوذ إلا أنه لا يشكل ترياقًا لديمومة الاستحقاقات المتخيلة والمكاسب الوطنية المحصورة والشخصية البحتة؛ فبعد حوار 2013 الذي توافق على مخرجاته جميع الأطراف المشاركة حينها، كان اتفاق السلم والشراكة الذي فرض بالقوة؛ فأين هذا الاتفاق اليوم؟ وغيرها من الاتفاقات التالية التي فرضت بالقوة كذلك ؟ فأين هي اليوم؟بينما لا تزال وثيقة مخرجات الحوار الوطني الشامل، مرجعية قانونية أساسية تحكم المرحلة إلى اليوم رغم تبدل الشخوص والأوجه والقادة

بل وحتى بعد انتهاء هذه المرحلة والدخول في مرحلة انتقالية جديدة تعنى بكتابة الدستور والقوانين لوجه الجمهورية الجديدة سيكون، لما كتب داخل وثيقة مخرجات الحوار مكانة أساسية، سواء بشكلها الحالي أو بإعادة صياغتها

وستبقى وثيقة 2013 راسخة في الذاكرة الوطنية ليس لما تحمله سطورها من بنود وفقط، بل لكونها نتاج عملية (حوار) سلمية تتسق مع المسارات الديمقراطية لنظامنا الجمهوري المنشود، لا يوجد في بنودها ما يفرض التنكر لها؛ ولكون الحوار مسلك حضاري لا يفرض ولا يصادر رأيًا ولا يتجاهل مسألة

 وعليه فإن أهم ما على النخبة والفاعلين القيام به تواكبًا مع هذه الذكرى، هو إنصاف حوار 2013 كتجربة سياسية يمنية متفردة في المسار والآلية والمخرجات، مكنت اليمنيين من إيجاد مرجعية وطنية تلملم شتاتهم اليوم رغم سنوات الحرب الطويلة؛ وهي مرجعية وحيدة لو لم توجد في حينها لكانت نضالات اليمنيين تستند فقط إلى مرجعيات قانونية خارجية

ففي الإنصاف المبني على التحليل المنهجي واللغة الرصينة المترفعة عن إرث المهاترات السياسية مسار يمكن الجميع من الاستفادة من دروس تلك المرحلة وعكس الإيجابي منها فيما سيأتي من تجارب الحوار والتفاهمات السياسية القادمة