عرفات الدبعي : علي المعمري.. مهندس البدايات التأسيسية في تعز

منذ 16 أيام

عرفات الدبعي تحدث المحافظ الأسبق لتعز علي المعمري في حلقة بودكاست اليمن، ثلاث ساعات، شرح فيها جوانب مهمة من مرحلة استثنائية عشنا تفاصيلها في الواقع

حين تولى موقعه محافظا لتعز، كانت تعز جبهة قتال مفتوحة بكل ما تحمله الكلمة من معنى

بدأ الحصار التي فرضته عصابات الحوثي وحليفه عفاش يضغط على تعز من كل الجهات

شوارع تعز كانت ساحات اشتباك، ومعظم المؤسسات الحكومية كانت تحت سيطرة الحوثة وتعطلت بشكل كامل

وسط هذا المشهد، تشكّلت المقاومة الشعبية بسرعة، من وجوه نعرفها في حياتنا اليومية

من مدرسين، وطلاب واطباء ومهندسين وعمال وشباب الأحزاب ومن مزارعين واصحاب مترات ومن أرياف تعز

تعز كلها دخلت معركة تحرير،  ومعظم ابنائها اصبحوا خط دفاعها الأول

المعمري كان هنا منذ البداية

لم يراقب من بعيد، ولم يبحث عن مخرج آمن

بقي داخل المدينة معنا، يتحرك بين الناس يتابع ويدعم من قبل أن يتعين

هذا الحضور المبكر منحه أفضلية حين جاء قرار تعيينه محافظا

الرجل يعرف الأرض ويعرف الناس، ويعرف حجم المخاطر والتحديات التي تنتظر أي خطوة

حين استلم المهمة، كانت تعز في ساحة حرب شاملة وبلا مؤسسات دولة بعد ان احتلها ودمرها وعطلها الحوثة

كانت بلا جيش منظم ولا جهاز أمني قادر على فرض النظام، ولا مؤسسات تقدم خدمات

وكانت الكهرباء غائبة، المياه شحيحة، التعليم متوقف، والمستشفيات تعمل بحدها الأدنى إن عملت أصلا

كانت تعتمد على شيء واحد

تعتمد على إرادة المقاومة والصمود

الحوثة شددوا الحصار، وأغلقوا المنافذ، وحولوا كل الطرق إلى مصائد للقتل والموت

الوصول إلى تعز صار رحلة محفوفة بالمخاطر، والخروج منها قرارا قد لا يعود صاحبه منه

القنص والقصف والألغام صارت جزءا من يوميات الناس وتطوق حياتنا في تعز

داخل هذه الظروف، بدأ المعمري العمل بطريقة تشبه عمليات الطوارئ العسكرية والمدنية

الهدف الأول كان فتح منفذ يكسر طوق الحصار

وكان بحاجة للبحث عن دعم عسكري ولوجستي للمقاومة من اجل انجاز هذه المهمة

وكانت عدن قد اصبحت عاصمة مؤقتة وبديلة وفيها الرئيس والحكومة وكان المحافظ بحاجة لجهود مضاعفة لمتابعة الرئاسة والحكومة ودفعهم للقيام ولو بحد أدنى من مسؤوليتهم تجاه تعز ودعم المقاومة لكسر الحصار وفتح شريان للمدينة

خرج المعمري من تعز عبر طرق وعرة، متجها نحو العاصمة المؤقتة لأداء اليمين

وهناك بدأ التحرك بسرعة

وبعد أداء اليمين، تحركت الجهود نحو الجبهة الغربية، حيث كان الرهان على منفذ الضباب

المعركة هناك لم تكن سهلة

كانت ملحمة سطرتها تعز ومقاومتها

انتهت بفتح شريان للمدينة

هذه اللحظة خلقت الأمل

تعز حصلت على أول شريان حياة

دخول المعمري عبر هذا المنفذ حمل رسالة واضحة ان المدينة بدأت تستعيد قدرتها على التنفس

بعد ذلك، بدأ العمل الأصعب

إدارة مدينة تحت النار وداخل الحرب وبناء مؤسسات في الوقت نفسه

لم يكن هناك ترف الوقت أو الموارد

الحصار كان مستمر، وفتحت العصابات الحوثية جبهات أخرى لا تقل خطورة

  وكان القطاع الصحي انهار تقريبا

والأمراض انتشرت، والأدوية نادرة

مرضى السرطان والفشل الكلوي والقلب واجهوا واقعا قاسيا

كل يوم تأخير كان يعني خسارة حياة

حتى الحرائق الصغيرة تحولت إلى كوارث بسبب غياب الإمكانيات وكان المعمري يتحرك هنا وهناك يبذل اقصى جهوده لدعم التحرير وفي الوقت نفسه مواجهة الكارثة الانسانية وبناء مؤسسات دولة من الصفر

عمل على تحويل المقاومة الشعبية إلى نواة جيش وأمن

تم تشكيل لجنة أمنية، تعيين قيادة للمحور، إعادة تشغيل أقسام الشرطة، وإدماج آلاف المقاتلين الشعبيين ضمن إطار رسمي

هذه الخطوة حددت اتجاه تعز مبكرا، ومنعت تحولها إلى ساحة مليئة بالتشكيلات المتصارعة

تعز بطبيعتها سياسية، مليئة بالأحزاب والتيارات السياسية والمدنية والنقابية

إدارة هذا التنوع احتاجت من المعمري إلى توازن دقيق

وبالفعل نجح وعمل على إشراك القوى المختلفة في المسؤولية، وربط العمل العسكري بهدف وطني أوسع

المعركة لم تكن دفاعا عن حي أو شارع، بل عن فكرة دولة كاملة وعن جمهورية تتعرض للتجريف من عصابة حوثية كهنوتية تحمل مشروع الإمامة

ملف الجرحى أخذ أولوية مباشرة

تم إرسال المئات للعلاج خارج البلاد، مصر، الأردن، الهند، تركيا

في الداخل، بدأت برامج علاج بدعم جهات عربية، وكان لمركز الملك سلمان دور واضح

كان عمل المعمري سباقا مع الوقت، وكل ساعة تمر لها ثمن كبير

لكن تضحيات المقاومة وبطولاتها بالتكامل مع جهود المحافظ المعمري كانت تثمر أكثر فأكثر

عادت المدارس والجامعات للعمل

وبناء مؤسسات من الصفر كانت معركة لا تقل أهمية

عمل المعمري في كل اتجاه

نجح في إعادة تشغيل المالية وربطها بعدن، تفعيل البنك المركزي، إعادة ترتيب الجهاز الإداري

كلها خطوات لإعادة الحد الأدنى من الاستقرار والخدمات وتثبيت النظام العام

تعز تعاملت مع نفسها كمشروع وطني

لم تنغلق داخل حدودها، ولم تتعامل مع المعركة كقضية تخصها فقط

أبناؤها شاركوا في جبهات مختلفة، من مأرب إلى الساحل

الفكرة كانت واضحة

المواجهة واحدة، والعدو الحوثي واحد

التجاوزات كانت تحدث، وهذا متوقع في بيئة حرب وقصف وحصار وفي ظل ما فعله العدو الحوثي من تدمير للمؤسسات والأجهزة العسكرية والامنية والقضائية، لكن المحافظ المعمري ورغم ذلك عمل على بناء مسار لمعالجة التجاوزات داخل مؤسسات تتشكل وبدأ هو تشكليها من الصفر

صمد المعمري امام الضغوط التي كانت تحاول اجباره على شرعنة انشاء أحزمة أمنية وتشكيلات عسكرية غير رسمية في تعز، على غرار ما فعلته الامارات في عدن

  لكنه صمد ورفض أي تشكيل خارج إطار الدولة، وفي الوقت نفسه ادار العلاقة بتوازن مع القوى الوطنية

التجربة لم تكن خالية من الأخطاء

أي عمل بهذا الحجم وتحت هذا الضغط يحمل معه عثرات

لكن النتيجة الأهم كانت بناء نواة دولة داخل حرب قوضت الدولة وجعلتها منهارة

استعادة هذا المسار اليوم تحمل معنى أكبر من مجرد التوثيق

تعز دفعت ثمنا كبيرا وقاسيا، وكتبت واحدة من أصعب فصولها

الحفاظ على هذه الذاكرة جزء من المعركة نفسها

 - عن يمن شباب نت