عزالدين عبدالسلام العنسي : حوار الهوية الوطنية وتجاوز خنادق الانقسام
منذ 2 ساعات
عزالدين عبدالسلام العنسي وسط التحديات الكثيرة التي تعصف باليمن، تبرز الحاجة الملحة إلى حوار وطني شامل لا يقتصر على تقاسم السلطة أو توزيع النفوذ، بل يتجاوز ذلك ليكتب عقد اجتماعي جديد يرتكز على الهوية الوطنية الجامعة، حيث أثبتت التجارب المريرة أن التمسك بالانتماءات الضيقة وتغليب الولاءات الجزئية على المصلحة العامة لا يزيد الأزمة إلا تعقيدًا، ويقود الوطن إلى مزيد من التفتت والضعف
والسبيل الوحيد لبناء اليمن الموحد، الذي يتسع للجميع ويصون كرامة أبنائه، يكمن في حوار حقيقي يفضي إلى حلول مستدامة، حوار يكون باسم الجميع، ويضع مصلحة اليمن كقضية مركزية فوق كل اعتبار
لا شك في أن الحوار الفعال يتطلب تمثيل حقيقي يعكس تنوع المجتمع اليمني ويضمن مشاركة كافة أطيافه، بعيد عن الاصطفافات الفئوية والحسابات السياسية الضيقة، ويمكن تحقيقه من خلال تقسيم الممثلين إلى فئات وطنية تحمل هم اليمن كقضية مركزية، بدل التمثيل القائم على منطق الصراع والإقصاء:تمثيل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني: يعد حضور الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ضرورة وطنية لا غنى عنها لنجاح أي حوار جاد، شريطة أن يكون هذا التمثيل قائم على البرامج والرؤى لا على منطق الغلبة أو الاستقطاب
فالأحزاب مطالبة بتجاوز خطابها التعبوي الضيق، وتقديم مقاربات وطنية مسؤولة تعلي من قيمة الدولة والمواطنة، فيما تمثل منظمات المجتمع المدني صوت الرقابة المجتمعية وحلقة الوصل بين الشارع وصناع القرار، بما تمتلكه من خبرات ميدانية وقدرة على التعبير عن هموم الناس الحقيقية بعيد عن الحسابات السياسية
تمثيل الشخصيات الاجتماعية والسياسية الوازنة: يمثل إشراك الشخصيات الاجتماعية والسياسية ذات الحضور والتأثير عامل توازن مهم داخل أي حوار وطني، لما تمتلكه هذه الشخصيات من رصيد اجتماعي وخبرة سياسية وقدرة على التأثير الإيجابي في مجتمعاتها
ويتمثل دورها في تقريب وجهات النظر، وتهدئة التوترات، وتغليب منطق الحكمة والمسؤولية الوطنية، بما يعزز فرص التوافق ويمنح مخرجات الحوار شرعية اجتماعية أوسع، تسهم في تحويلها من نصوص على الورق إلى واقع قابل للتنفيذ
فئة الشباب والنساء: تمثل هذه الفئة القوى الحية والعابرة للانقسامات الضيقة، والتي تحمل تطلعات المستقبل وتسعى لبناء يمن مزدهر، وإشراكهم الفاعل في الحوار يضمن ضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة، بعيد عن حساسيات الماضي وصراعاته
فئة التكنوقراط والمثقفين: يمثلون العقل القادر على صياغة الرؤى والحلول المستنيرة بلا أيديولوجيات مغلقة، وتعد خبراتهم ومعارفهم ضرورية لبناء مؤسسات الدولة الحديثة وتطويرها على أسس علمية وعملية
فئة القوى الاجتماعية والقبلية: تلعب هذه الفئة دور محوري في الحفاظ على النسيج الاجتماعي، ويمكنها أن تكون جسر للتواصل والتفاهم بين مختلف المكونات، ودورها في الحوار يجب أن يتركز على تعزيز قيم التسامح والتعايش، ودعم بناء الدولة المدنية التي تحمي الجميع
وفي هذا الإطار يجب أن ينظر إلى الجنوب كمنطقة جغرافية ذات خصوصية وتاريخ عريق، ولكن ضمن كيان وطني واحد هو اليمن الموحد، ومعالجة قضايا الجنوب يجب أن تتم في سياق وطني شامل يضمن الحقوق والواجبات المتساوية لجميع أبناء اليمن، بعيد عن الهويات الجزئية المتعارضة والمشاريع غير الجامعة التي لا تخدم سوى أجندات ضيقة وتزيد من معاناة الشعب
حتى يكون الحوار مثمر ويؤدي إلى حلول حقيقية، يجب أن يتجاوز كونه مجرد لقاءات شكلية ليصبح عملية بناء شاملة، وهذا يتطلب:حوار باسم الجميع: يعني ذلك أن تكون مخرجات الحوار ملزمة لكل الأطراف، وأن تعكس إرادة الشعب اليمني بمختلف مكوناته، وأن تكون آليات التمثيل عادلة وشفافة، تضمن مشاركة كل الفئات والشرائح المجتمعية
تجاوز الماضي من خلال بناء العدالة: بدل من التباكي على الماضي، يجب التركيز على بناء نظام قضائي ومؤسسي عادل يضمن عدم تكرار التجاوزات
وبرأيي أن نظام الأقاليم الذي أفرزته مخرجات الحوار الوطني يمثل الإطار المؤسسي القادر على توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل، ويمنح المجتمعات المحلية صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها، بما ينهي المركزية المقيتة التي كانت سببًا رئيسًا في كثير من الأزمات
اليمن الموحد ضمانة وحيدة: إن الحفاظ على وحدة اليمن وسيادته هو الضمانة الوحيدة لمنع تحويل مظالم الماضي إلى وقود لصراعات أهلية جديدة، فالتشظي والانقسام لا يؤديان إلا إلى مزيد من الضعف والتدخلات الخارجية، وحرمان الأجيال القادمة من حقها في وطن مستقر ومزدهر
إن نظام الأقاليم الذي تم التوافق عليه في مؤتمر الحوار الوطني، ليس مجرد تقسيم إداري، بل رؤية استراتيجية تهدف إلى:إشراك المواطنين في إدارة شؤونهم: منح الأقاليم صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها التنموية والاقتصادية والاجتماعية، بما يمكن كل منطقة من معالجة قضاياها بفاعلية أكبر، دون المساس بالسيادة الوطنية للدولة الاتحادية
توزيع الثروة والسلطة كحق دستوري: ضمان أن يكون توزيع الثروة والسلطة حق دستوري مكفول للجميع، لا منحة سياسية قابلة للتلاعب، بما ينهي الشعور بالتهميش ويعزز الانتماء الوطني
إن بناء اليمن الموحد يتطلب نداء وطني صادق يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، ويؤكد أن اليمن هو القضية المركزية التي تذوب فيها كل الانتماءات الفرعية، وأن الحوار الشامل والتمثيل الوطني الحقيقي هما السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار، وفتح صفحة جديدة نبني فيها يمن اتحادي آمن ومستقر، يضمن حقوق جميع أبنائه، ويستعيد مكانته التاريخية كمركز للحضارة والسلام