عشرة أعوام من التضليل.. من المتسبّب بإيقاف صرف رواتب الموظفين؟

منذ 3 ساعات

صنعاء- أحمد عبد المنعمعلى مدار عشرة أعوام، ظلت قضية صرف رواتب الموظفين في البلاد من أكثر القضايا الشائكة والجدلية سياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا

ولا تتصدّر هذه القضية فقط أجندة جهود إنهاء الحرب وإحلال السلام التي تتبناها الأمم المتحدة والدول المؤثرة في الشأن اليمني من خلال ملف المفاوضات بين الحكومة المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي، بل إنّها تثير جدلًا ولغطًا كبيرين على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي

 يدور هذا الجدل حول من هو المُتسبب الفعلي بإيقاف وعرقلة صرف مرتبات الموظفين، خصوصًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين

ففي الوقت الذي تتهم فيه الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا جماعة الحوثي بأنها المتسبب الرئيسي بإيقاف وعرقلة صرف المرتبات، تتبنى الأخيرة سردية مضادة منذ عام 2016 تدّعي من خلالها أنّ الحكومة اليمنية هي من تتحمل وزر إيقاف صرف المرتبات

ما بين اتهامات الحكومة للحوثيين بعرقلة صرف مرتبات الموظفين ونفي الحوثيون لهذه التهم، يسعى هذا التحقيق إلى عرض أحداث مفصلية خلال فترة الحرب وتحليلها للتعرف على المتسبب الحقيقي بإيقاف صرف مرتبات موظفي الدولة، وكيف تم استخدام التضليل عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لحرف الحقائق المرتبطة بملف صرف مرتبات الموظفين في عموم البلاد

في سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء ومناطق واسعة في البلاد

وبعد ذلك بستة أشهر، وتحديدًا في شهر مارس من العام 2015 شنّ التحالف العربي بقيادة السعودية ضربات جوية، ودعم القوات الحكومية على الأرض بهدف دحر الحوثيين

بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء بثلاثة أشهر، قال البنك المركزي إنّ احتياطات البلاد من النقد الأجنبي بلغت 4

665 مليار دولار في نهاية العام 2014

ووصل إجمالي الإيرادات العامة في العام ذاته -بما فيها المنح- إلى 2

292 تريليون ريال، أي ما يزيد عن عشرة مليارات و600 مليون دولار، وذلك بحسب ورقة بحثية صادرة عن “مركز صنعاء للدراسات” نشرت في ديسمبر 2023

وبيّنت دراسة أخرى للمركز ذاته بعنوان “تدابير بناء الثقة الاقتصادية- رواتب موظفي الخدمة المدنية” نشرت في مارس 2019، أنّه، ووفق بيانات وزارة الخدمة المدنية، فإنّ عدد الموظفين في عام 2014 وصل 1

25 مليون موظف

وبلغت فاتورة الرواتب السنوية في الميزانية العامة للدولة آنذاك 1

14 تريليون ريال، أي ما يعادل حينها 5

3 مليارات دولار

بعد مرور عامٍ من الحرب كانت هناك حالة من عدم الاستقرار في عملية صرف المرتبات تمثلت بتأخيرها وصرف نصف راتب للموظفين بين فينة وأخرى

وأعلن الحوثيون في أغسطس 2016 أنهم غير قادرين على صرف المرتبات

وبرر الحوثيون قرارهم هذا بتأثيرات وانخفاض الإيرادات العامة للدولة وانعدام السيولة

بعد شهر واحد من إعلان الحوثيون عدم قدرتهم على صرف مرتبات الموظفين، أصدر الرئيس السابق عبدربه منصور هادي قرارًا بتاريخ 18 سبتمبر من العام 2016 بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة البنك المركزي ونقل مقره الرئيسي إلى العاصمة المؤقتة عدن، وتعيين منصر القعيطي محافظًا له

بررت الحكومة قرار نقل البنك المركزي إلى عدن على لسان رئيسها أحمد عبيد بن دغر، بأنه يأتي في إطار مجموعة من الإجراءات التي تتخذها الحكومة حرصًا على عدم حدوث انهيارات مالية، وذلك بعد استنفاد الحوثيون لاحتياطي النقد الأجنبي واستغلاله لصالح مجهودهم الحربي

وقال محافظ البنك المركزي حينها، منصر القعيطي، إنّ جماعة الحوثي كانت تسحب 100 مليون دولار شهريًا من البنك المركزي لصالح مجهودهم الحربي خلال الفترة من مارس 2015 إلى سبتمبر 2016

وأضاف القعيطي أنّ إجمالي السحوبات النقدية غير القانونية من قبل الحوثيين من خزائن البنك المركزي في صنعاء والحديدة بلغت 1

8 مليار دولار خلال 18 شهرًا

 بعد نقل البنك المركزي إلى عدن، أوقف الحوثيون صرف مرتبات الموظفين كليًا، واتخذوا من قرار نقل البنك المركزي إلى عدن ذريعةً جديدة لتبرير عدم صرفهم للمرتبات

وقالوا إنّ نقل البنك المركزي إلى عدن أعاق قدرتهم على صرف الرواتب

في المقابل، طلبت الحكومة تحويل الإيرادات من المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى حسابات البنك المركزي في عدن حتى يتسنى لها صرف مرتبات كافة موظفي الدولة في البلاد، وهو ما لم يقبل به الحوثيون

لكن، ورغم رفض الحوثيين تحويل الإيرادات إلى حسابات البنك المركزي في عدن، فإن  الحكومة استمرت في صرف مرتبات عدد من القطاعات في المناطق الخاضعة لسيطرتهم لأكثر من ثلاثة أعوام

وفقا لتوجيهات فخامة #الرئيس_هادي تستكمل #الحكومة إجراءات صرف رواتب موظفي الدولة في عموم المحافظات وصرف رواتب #محافظةذمار خلال الأيام القادمة pic

twitter

com/ngOIYGG9flفي 13 ديسمبر من العام 2018 تو أعلنت الأمم المتحدة عن توصل وفدا الحكومة والحوثيين المفاوضين في العاصمة السويدية إلى اتفاقِ توصلت الحكومة اليمنية والحوثيين إلى اتفاق سلام يقضي بإيقاف التصعيد في مدينة الحديدة

ورغم أنّ المفاوضات ركزّت على الجانب العسكري والأمني بدرجة أساسية، إلاّ أنها لم تغفل مسألة صرف مرتبات الموظفين

قضى الاتفاق بانسحاب القوات الموالية للحكومة إلى خارج المدينة، وتحويل إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى إلى حسابٍ خاص في فرع البنك المركزي في الحديدة؛ على أن تُخصص هذه الإيرادات لصرف مرتبات موظفي الدولة في الحديدة وعموم اليمن

تم تحويل إيرادات موانئ الحديدة في البداية إلى حساب خاص بالفعل بحسب اتفاق ستوكهولم، إلّا أنّ مرتبات الموظفين لم تُصرف

وادّعى الحوثيون هذه المرة أنّ تعنّت الحكومة حال دون صرف رواتب الموظفين، وحملوها وزر ذلك، لكن تقرير فريق لجنة الخبراء التابع لمجلس الأمن الصادر عام 2021 أثبت زيف هذه الادعاءات، مؤكدًا أنّ الحوثيين سحبوا مبلغ 50 مليار ريال من الحساب المخصص لدفع مرتبات الموظفين في فرع البنك المركزي بالحديدة

ووصف تقرير الفريق هذه الخطوة بأنها انتهاك واضح لاتفاق ستوكهولم الذي نص على تخصيص إيرادات موانئ الحديدة لصرف مرتبات الموظفين

 زيادةً على ذلك؛ كشف تقرير فريق الخبراء عام 2024 عن تحصيل الحوثيين 994 مليار ريال (1

85 مليار دولار) كإيرادات جمركية من واردات الوقود عبر موانئ الحديدة خلال الفترة من أبريل 2022 إلى يونيو 2024

وأضاف التقرير أنّ إجمالي ما تم تحصيله من قبل الحوثيين من موانئ الحديدة خلال هذه الفترة، باحتساب الرسوم غير القانونية الأخرى وهامش الربح عليها، وصل إلى 1

34 تريليون ريال أي ما يزيد عن 2

5 مليار دولار

أعلنت الحكومة المعترف بها دوليًا، في يناير 2017 وصول 200 مليار من العملة المحلية الجديدة التي تم طباعتها في روسيا

وقالت الحكومة على لسان رئيس الوزراء، حينها، أحمد عبيد بن دغر، إنّ إصدار الطبعة الجديدة من العملة تم في إطار معالجة أزمة شح السيولة النقدية التي تسبّبت بها جماعة الحوثي، وأشارت الحكومة إلى أنّ وصول الطبعة الجديدة من العملة سيساعدها في الوفاء بالتزاماتها، بما فيها صرف رواتب الموظفين في جميع أنحاء البلاد

بدأت الحكومة في مارس 2017، بعدها بالفعل بصرف رواتب الموظفين في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين عبر عدد من البنوك وشركات الصرافة، إضافةً إلى صرف رواتب الموظفين النازحين من تلك المناطق

استمرت الحكومة في صرف رواتب الموظفين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين حتى ديسمبر 2019، حين أصدر البنك المركزي في صنعاء قرارًا بمنع التعامل بالطبعة الجديدة من العملة

وحال قرار جماعة الحوثي هذا دون استمرار الحكومة في صرف المرتبات، وحُرم عشرات الآلاف من الموظفين من رواتبهم

وحمّلت الحكومة الحوثيين مسؤولية ذلك، وقالت إنّ إجراءاتهم عرقلت وصول رواتب موظفي الدولة في مناطق سيطرتهم

في أواخر 2022 شن الحوثيين هجمات بطائرات مسيّرة على ميناء الضبة النفطي بحضرموت؛ لمنع الحكومة من تصدير النفط الخام، والذي يشكّل نسبة 80% من إجمالي إيرادات ميزانية الدولة، بحسب تقرير نشرته وزارة الخارجية اليمنية

قال الحوثيون إنّهم لن يسمحوا للحكومة بتصدير النفط، وأنّ إيرادات النفط يجب أن تُخصص لدفع رواتب الموظفين

في 2023 بدأت جولة جديدة من المفاوضات ترعاها سلطنة عمان بين الحكومة والسعودية من جهة، والحوثيين من جهة أخرى

كان تصدير النفط وملف صرف المرتبات على رأس أجندة هذه المفاوضات، قبل أن يُعلن رئيس المجلس السياسي للحوثيين مهدي المشاط في يوليو من العام ذاته فشل هذه المفاوضات

برّر المشاط انهيار المفاوضات بالقول إنّهم اتفقوا على أن تدفع السعودية رواتب الموظفين، لكن الأخيرة اشترطت عليهم أن تُدفع الرواتب من إيرادات النفط والغاز بعد توريدها إلى أحد البنوك السعودية

يتناقض حديث المشاط هذا مع ادعاءاتهم السابقة عن إيقاف تصدير النفط واشتراطهم تخصيص إيرادات النفط والغاز لصرف مرتبات الموظفين

يجمع الحوثيون إيرادات مليارية من المناطق التي يسيطرون عليها لكنهم يرفضون إصدار بيانات وتقارير توضح حجم هذه الإيرادات

ونشرت وزارة الخارجية الأمريكية في شهر يناير الفائت تقريرًا أشارت فيه إلى أنّ الحوثيين يجنون أكثر من ملياري دولار سنويًا من مبيعات النفط غير المشروعة

 يقول الصحفي الاقتصادي وفيق صالح: “إنّ الحوثيين يسيطرون على موارد مالية هائلة، تدر عليهم مليارات الدولارات سنويًا، يستطيعون من خلالها تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ودفع رواتب الموظفين في عموم الجمهورية بشكل شهري ومنتظم، إلا أنهم يسخّرون هذه الموارد منذ عشر سنوات لدعم آلتهم الحربية وتمويل الصراع والانقسام”

الصحفي الاقتصادي وفيق صالح: “الحوثيون يسيطرون على موارد مالية هائلة، تدر عليهم مليارات الدولارات سنويًا، يستطيعون من خلالها تحقيق الاستقرار الاقتصادي، ودفع رواتب الموظفين في عموم الجمهورية بشكل شهري ومنتظم، إلا أنهم يسخّرون هذه الموارد منذ عشر سنوات لدعم آلتهم الحربية وتمويل الصراع والانقسام”

يضيف صالح: “رغم التخمة المالية الكبيرة التي يمتلكها الحوثيون، إلاّ أنهم يرفضون صرف رواتب الموظفين، ويستخدمون هذا الملف كأداة ضغط على المجتمع الدولي والحكومة المعترف بها دوليًا؛ للحصول على تنازلات سياسية واقتصادية أكبر، مثل تقاسم إيرادات النفط في مأرب وحضرموت، ​واخضاع المواطنين عبر إبقائهم في حالة احتياج دائم؛ ما يجعل من السهل مقايضة الراتب بالولاء أو التجنيد”

 يزيد على ذلك: “من خلال تتبّع المصادر الإيرادية التي يسيطر عليها الحوثيون يتضح أنّ الإيرادات المتاحة في صنعاء اليوم قادرة على إنهاء أزمة الرواتب في غضون شهر واحد إذا توفرت الإرادة السياسية لفعل ذلك”

حوّل الحوثيون قضية الرواتب منذ العام 2016 إلى مادة للتضليل قائمة على التنصل من مسؤولياتهم تجاه دفع رواتب مئات الآلاف من الموظفين الذين يقبعون في المناطق التي يسيطرون عليها، واتهام الحكومة المعترف بها دوليًا بأنها السبب وراء إيقاف صرف الرواتب

وعلى مدار عشرة أعوام تعددّت ادعاءات الحوثيين تجاه هذه القضية إلاّ أنّ سردية التضليل التي تبنوها ظلت واحدة

لعب التضليل في ملف صرف مرتبات الموظفين دورًا كبيرًا في عدم استلام الموظفين رواتبهم؛ ما تسبب بتفاقم الأوضاع المعيشية لشريحة واسعة من المواطنين في البلاد

وقد أدى انقطاع الرواتب إلى تدهور العملية التعليمية في اليمن

وبحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) في عام 2025 فقد بلغ عدد الأطفال في اليمن غير الملتحقين بالمدارس ممن تتراوح أعمارهم بين خمسة أعوام و17 عامًا 3

7 مليون طفل عام 2024

ووفقًا لورقة مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية عن رواتب موظفي الخدمة المدنية فإن الحكومة في اليمن مثلت أكبر موظف للقوى العاملة في البلاد قبل 2014

وهذا جعل 40% من السكان في محافظات أمانة العاصمة، أبين، مأرب، الجوف يعتمدون بشكل رئيسي على الرواتب المقدمة من الحكومة كمصدر دخل رئيسي

كما عانى أكثر من 1

5 مليون طفل نازح في سن التعليم من انقطاعات في مسيرتهم التعليمية؛ مما يزيد خطر تركهم للدراسة

وأشار التقرير إلى تدهور جودة التعليم النظامي في البلاد إذ أنّ أكثر 193 ألف معلم ومعلمة (65%) من إجمالي المعلمين، لا يستلمون رواتبهم منذ عام 2016

وأدى انقطاع الرواتب في اليمن إلى تفاقم الأوضاع المعيشية للسكان إذ تشير خطة الاستجابة الإنسانية للعام 2026 إلى أنّ 23

1 مليون شخص في اليمن بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة

كما تسبب انقطاع الرواتب بتضرر القطاع الصحي في البلاد، حيث أشار التقرير السنوي لمنظمة اليونيسيف في عام 2024 إلى أن توقف صرف مرتبات الموظفين ساهم في تدهور الوضع الصحي وأدى إلى خروج 40% من إجمالي المرافق الصحية في اليمن عن الخدمة

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن