علي المقري : هل نحن بحاجة إلى كلية للقرآن؟
منذ يوم
علي المقري تذكّرتُ اليوم عَلَمَ التربية والتعليم والثقافة الأستاذ أحمد جابر عفيف وأنا أقرأ وأشاهد في التلفزيون اليمني خبر تأسيس كلية القرآن الكريم وعلومه في جامعة عدن!قبل وفاته (2010)، كنتُ كلما زرتُ العفيف في منزله بصنعاء متمنياً له طول العمر، يشير إلى خبرٍ ما في التلفزيون ويقول لي: ها
يا علي، وعادك تدعي لي بطول العمر!
أنا مع دراسة القرآن الكريم من خلال البحث في مكوّنات نصّه وقصصه وجمالياته الفنية، وأن تكون هناك أقسام معنية بهذا المجال في كليات الفلسفة أو الأنثروبولوجيا، باعتباره نصّاً مؤثراً في تاريخ العرب والمسلمين لأكثر من 14 قرناً، وما زال تأثيره على حياة كثير من المجتمعات وفي كل المستويات
فبالمثال، توجد في جميع الجامعات العريقة أقسام مشابهة لدراسات الأديان ومكوّناتها النصية ومقارناتها، بل يتعدّى ذلك إلى دراسة مدى تاريخية قصصها وجغرافيتها المدونة فيها مثل ”جغرافية التوراة، وإن صُنِّفت أحياناً تحت مسميات غالباً ما تكون نقدية
لكن اللافت في الحال اليمنية هو أنه في الوقت الذي تراجعت فيه أقسام كليات الفلسفة وأُغلق بعضها، نجد الحكومة ترعى افتتاح كليات للقرآن وعلومه! وهي علوم دينية متاحة لكل اليمنيين في مدارس الفقه اليمنية من روابط زبيد وحضرموت إلى الجامع الكبير بصنعاء
في مقال للدكتور أبوبكر السقاف (صحيفة الشورى صنعاء 19/4/1998) سنتذكر حين نعيد قراءته ما كانت تعمله الجماعات المتطرفة أثناء إنشاء جامعة صنعاء بداية سبعينات القرن الماضي، وهو السلوك نفسه الذي تمارسه الجماعة الانقلابية الحالية في صنعاء وفي الجامعة نفسها
إذ قال السقاف إن: (وسواس إلغاء جامعة صنعاء كان من مهام حزب الإسلام السياسي منذ إنشائها، ومن حسن حظ الجامعة أن وزير التربية والتعليم الذي تصدى لمحاربة وضع أسسها كان في تلك الفترة أحمد جابر عفيف)
فماذا عمل العفيف الذي لا نجد مثيلاً له في الحكومات المرتهنة للمتطرفين شمالاً وجنوباًواجه العفيف الاحتجاجات والمظاهرات ضده، والكثير من الخطب في الجوامع، بحجة أنه لا يجوز أن يُطلق على إحدى الكليات مسمى كلية (الشريعة والقانون)، لأن كلمة (القانون) كانت حراماً في زعمهم وتصوراتهم، حسب ما ذكر في كتابه شاهد على اليمن
ووصل الأمر ببعض المحتجين يومها إلى أنهم احتلوا الكليات في عصر يوم من الأيام، فذهب العفيف إلى الفريق حسن العمري ليشرح له ذلك، فخرج معه وبرفقته عدد من المصفحات إلى الجامعة، فهرب المحتجون المساكين، حسب وصف العفيف، من فوق الأسوار
وإذ طالب البعض بإقالة العفيف، فإن القضية عنده لم تكن شخصية حتى تنتهي عند هذا الحد، بل هي قضية صراع وجود بين القديم والجديد، ولم يتخلَّ عنها، حتى وإن تم إقالته من منصبه، حسب ما كان يصرح
وقد احتفظ بأمر خطي من القاضي عبدالرحمن الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري آنذاك، يأمره فيه كما قال: (بإغلاق هذه الكلية لأنها ستوصل البلاد إلى مرحلة غير مرغوبة)
ولكنه ذهب إليه وقال له: (لن أستسلم
وهذه ليست مشكلة
هذا صراع بين القديم والحديث يجب ألا نخضع ونستسلم له
وإذا كان هناك شيء فبإمكانك إصدار أمر بإقالتي من الوزارة
ولكنني أقول إنني سأحاول حتى خارج الوزارة من أجل بقاء وترسيخ كلية الشريعة والقانون)
وبعد ذلك تذكر العفيف في كتابه، وحسب ما أوردتُ في كتاب لعفيف: زمن خارج السرب: (خرجت من عند القاضي الإرياني وهو غاضب عليَّ
وأنا أقول له: اترك الحملة كلها ضدي
اتركني وهم
وسأكون على ما يرام
وذهبت فجمعت الطلبة في ميدان مدرسة الثورة الثانوية (هي الآن مدرسة جمال عبدالناصر الثانوية)، جمعت طلاباً كثيرين (المعاهد، الإعدادي والثانوي) في الميدان، وتكلمت بمنتهى الصراحة والجرأة
قلت لهم: هذا مستقبلنا جميعاً
وهذا مصيرنا
ولذلك يجب أن نقف يداً واحدة ضد هذه الحملة النكراء
ونتمسك بكلية الشريعة والقانون)
وبلغ الخبر القاضي الإرياني والأستاذ أحمد محمد نعمان رحمهما الله، فطلبني القاضي الإرياني إليه، وسألني: كيف حصل هذا؟ كيف تجمع الطلبة بهذا الشكل وتحرضهم وأنت وزير؟قلت له: هؤلاء المجانين الذين يحتجون على إنشاء كلية الشريعة والقانون ما الذي يسكتهم؟ إنهم يخطبون ضدي يوم الجمعة في بعض الجوامع في صنعاء وتعز والحديدة، ويذكرون اسمي دون مواربة بكلام تافه وحقير
واستمرت العملية وأنشأنا كلية تلو كلية
وكنت الرئيس الأعلى للجامعة، وكان يومها وزير التربية والتعليم هو وزير التعليم العالي
وما زال الكثيرون يتذكرون كيف خرجوا ذات يوم رافعين الشعارات والهتافات التي تشير إلى أنه لا دراسة ولا تدريس إلا بعودة العفيف، وكانوا بذلك يردون على إشاعات متداولة بإقالة العفيف من منصبه
للأسف، الوزراء الذين تعلّموا في عدن، مدينة التنوير والتقدم ها هم يؤسّسون لموجة جديدة من التطرف الديني