علي محمود يامن : توحيد التشكيلات العسكرية للشرعية في اليمن: مدخل بنيوي لاستعادة الدولة

منذ 2 أيام

علي محمود يامن تشكل مسألة توحيد التشكيلات العسكرية التابعة للشرعية اليمنية إحدى القضايا البنيوية الأكثر إلحاحًا في سياق الصراع الدائر في اليمن، لما لها من تأثير مباشر على مسار استعادة الدولة، وعلى قدرة السلطة الشرعية على بسط سيادتها وإنهاء حالة الانقسام العسكري التي أفرزها الانقلاب وتداعياته

فلا يمكن النظر إلى هذا التحدي بوصفه شأنًا تنظيميًا تقنيًا محضًا، بل باعتباره جزءًا من إشكالية أوسع تتعلق ببناء الدولة، ووحدة القرار السيادي، واحتكار استخدام القوة المسلحة ضمن إطار دستوري ومؤسسي

 منذ اندلاع الصراع، أفرزت الظروف السياسية والأمنية واقعًا عسكريًا متشظيًا داخل معسكر الشرعية، اتسم بتعدد التشكيلات والمرجعيات والولاءات، الأمر الذي أضعف الكفاءة العملياتية للقوات المسلحة، وقيّد قدرتها على إدارة المعركة بوصفها مؤسسة وطنية موحدة

وقد انعكس هذا التشظي في ضعف التنسيق الميداني، وازدواجية القيادة، وتضارب الأولويات، وهو ما وفر للميليشيات الانقلابية هامشًا واسعًا للمناورة واستثمار الانقسامات القائمة

 من الناحية العسكرية، يُعد توحيد القيادة والسيطرة شرطًا لازمًا لرفع مستوى الفاعلية القتالية، إذ يتيح تطوير تخطيط استراتيجي موحد، وتحسين إدارة العمليات، وتعظيم الاستفادة من الموارد المحدودة

فالجيوش النظامية لا تُقاس بمدى تعدد وحداتها، بل بقدرتها على العمل ضمن منظومة قيادة منسجمة تستند إلى عقيدة قتالية واضحة وتوزيع دقيق للمهام

وفي الحالة اليمنية، تزداد أهمية هذا التوحيد في ظل بيئة عمليات معقدة تتسم بتداخل الجغرافيا الوعرة مع أنماط قتال غير نظامية

 غير أن أبعاد التوحيد العسكري تتجاوز الاعتبارات الميدانية لتطال جوهر العملية السياسية ذاتها

فاستمرار التشكيلات المسلحة خارج الإطار المؤسسي يقوض مبدأ احتكار الدولة لاستخدام القوة، ويفتح المجال أمام مراكز نفوذ موازية تنافس السلطة الشرعية، بما يضعف ثقة المجتمع بالدولة، ويعقد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة

في المقابل، يمنح توحيد القوات المسلحة الشرعيةَ قدرة أكبر على فرض منطق الدولة في أي عملية تفاوضية، ويحد من قدرة الأطراف المسلحة على استخدام القوة وسيلةً لفرض الشروط

 ويفترض هذا التوحيد أن يقترن بإعادة بناء العقيدة القتالية للقوات المسلحة على أسس جمهورية وطنية، تركز على حماية السيادة ووحدة الأراضي، والدفاع عن النظام الدستوري، ومواجهة التهديدات الداخلية والخارجية ضمن إطار قانوني منضبط

فغياب العقيدة الموحدة لا يؤدي فقط إلى ارتباك في الأداء العسكري، بل يسهم أيضًا في تكريس الولاءات الضيقة على حساب الانتماء المؤسسي، ويحول المؤسسة العسكرية إلى ساحة صراع سياسي غير مباشر

 كما تفرض الخصوصية الجغرافية لليمن، إلى جانب موقعه الاستراتيجي المطل على ممرات بحرية دولية حيوية، مقاربة مختلفة في تشكيل وبناء القوات المسلحة

فاليمن بحاجة إلى قوات برية مرنة وخفيفة الحركة قادرة على العمل في البيئات الجبلية والصحراوية والحضرية، بالتوازي مع تطوير قدرات بحرية فعالة لحماية السواحل الطويلة، وتأمين البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب

ويضع هذا الدور اليمن في قلب معادلات الأمن الإقليمي والدولي، ويجعل من بناء مؤسسة عسكرية مهنية عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة

 ويظل العنصر البشري العامل الحاسم في أي عملية إعادة بناء عسكرية

فبناء جيش وطني فاعل يتطلب فصل المؤسسة العسكرية عن الانتماءات الحزبية والطائفية والمناطقية، واعتماد معايير الكفاءة والانضباط في التعيين والترقية، إلى جانب إعادة تأهيل الضباط والجنود وفق مناهج وطنية موحدة

كما أن تحسين الأوضاع المعيشية للعسكريين، وضمان انتظام الرواتب، يشكل شرطًا ضروريًا لتعزيز الانضباط والولاء المؤسسي، في ظل بيئة اقتصادية وأمنية شديدة الهشاشة

 وفي السياق ذاته، تبرز أهمية مواءمة التسليح والتدريب مع طبيعة الصراع القائم، حيث تفرض حروب مكافحة التمرد والقتال غير النظامي الاعتماد على أسلحة خفيفة ومتوسطة، ووسائل استطلاع واتصال فعالة، بدلًا من التركيز على منظومات تسليح ثقيلة مرتفعة الكلفة ومحدودة الجدوى العملياتية

كما يستدعي الأمر تطوير برامج تدريب ميداني واقعي ترفع من جاهزية القوات وسرعة انتشارها، وتمكنها من حماية المنشآت الحيوية والتعامل مع التهديدات المتغيرة

 ولا تكتمل عملية التوحيد دون معالجة الجوانب المؤسسية والإدارية، وعلى رأسها بناء منظومة إمداد وتموين ونقل وطب عسكري قادرة على العمل في ظل التضاريس الوعرة وتباعد مسارح العمليات

ويتطلب ذلك، بالتوازي، ترسيخ مبادئ الحوكمة العسكرية، من خلال توحيد مراكز القرار، واحترام تسلسل الأوامر، وتفعيل آليات المساءلة والانضباط، وفصل المؤسسة العسكرية عن الاستقطابات السياسية

 ختامًا، يمكن القول إن توحيد التشكيلات العسكرية للشرعية اليمنية يمثل مدخلًا بنيويًا لإعادة بناء الدولة أكثر من كونه إجراءً عسكريًا تقنيًا

فجيش وطني موحد، محترف، وخاضع للسلطة الدستورية، يشكل شرطًا لازمًا للاستقرار السياسي، ولمعالجة جذور الصراع، ولتعزيز دور اليمن في حماية أمنه الوطني والممرات البحرية الحيوية إقليميًا ودوليًا

وبدون هذا التوحيد، ستظل الدولة رهينة لتعدد مراكز القوة، وستبقى فرص إنهاء الصراع وبناء السلام المستدام محدودة