علي محمود يامن : محورية الدور السعودي في معادلة الامن الإقليمي
منذ 25 أيام
علي محمود يامن تمرّ المنطقة العربية بمرحلة تاريخية مفصلية يمكن توصيفها بوصفها مرحلة حروب الاستقلال الثانية، حيث لم يعد التحدي متمثلًا في مواجهة استعمار خارجي مباشر، بل في صراع معقد يستهدف بنية الدولة الوطنية ذاتها: ووحدتها الجغرافية، وتماسكها الاجتماعي، وهويتها الجامعة
وهي حروب تُدار بأدوات داخلية وخارجية متشابكة، تتجاوز المواجهة العسكرية التقليدية لتشمل التفكيك السياسي، وإعادة هندسة الانتماءات، وإضعاف العقد الاجتماعي، بما يجعل آثارها أعمق وأطول أمدًا
وفي هذا السياق، تشكّل سوريا ساحة مركزية في الصراع على مستقبل الدولة العربية، حيث يتجاوز النزاع حدود السيادة التقليدية ليصبح مواجهة مفتوحة مع مشاريع إقليمية عابرة للحدود، تسعى إلى تفكيك الدولة الوطنية من الداخل
ولا تنفصل الحالة السورية عن نماذج مشابهة في اليمن والسودان وليبيا والصومال، حيث تتكرر الأدوات ذاتها: تفجير التناقضات المحلية، وتوظيف الميليشيات، وإضعاف الهوية الجامعة، في إطار استراتيجيات تفكيك ممنهجة
وبناء على تلك المتغيرات البنيوية في الصراع فإن الدفاع عن وحدة الأوطان العربية لم يعد مسألة أمنية محضة، بل بات يتطلب مشروعًا سياسيًا متكاملًا يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، ويؤسس لعقود وطنية جديدة قادرة على احتواء التعدد، وتحقيق العدالة، ومنع الانزلاق إلى التفكك
فغياب هذا المشروع يجعل الدولة عرضة للتحلل، ويحوّل الأزمات الداخلية إلى بوابات مفتوحة للتدخلات الخارجية
وتاريخيًا، لعبت المملكة العربية السعودية دورًا مركزيًا في تأمين العمق الاستراتيجي والأمني للخليج العربي
غير أن التحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها أبوظبي، خصوصًا منذ عام 2008، دفعتها إلى تبنّي مقاربة خارج إطار الأمن الخليجي التقليدي، تمثلت في بناء علاقات اقتصادية مع إيران، وتطوير أدوار سياسية وأمنية مستقلة في ساحات عربية مأزومة مثل اليمن والسودان وسوريا
هذا التحول لم يكن منعزلًا عن سياق دولي أوسع، بل جاء متقاطعًا مع إعادة رسم التوازنات الإقليمية خارج الإطار العربي الجماعي، الأمر الذي دفع الرياض إلى وضع حدود واضحة لهذا المسار، انطلاقًا من إدراكها لمخاطر تفكك المجال العربي، وتهديده المباشر لأمنها القومي
وقد أظهرت السعودية، في أكثر من محطة، قدرتها على فرض خيارات استراتيجية تهدف إلى منع الانهيار الشامل، حتى وإن كان ذلك عبر سياسات احتواء وإدارة توازنات معقّدة
ومن المنظور السعودي، يشكّل اليمن وحدة جغرافية وأمنية لا تقبل التفكيك، إذ إن أي انهيار في بنيته السياسية أو الاجتماعية من شأنه أن يفتح المجال أمام نفوذ خارجي مباشر، ويحوّل الجنوب العربي إلى ساحة صراع مفتوح تهدد العمق السعودي
لذلك تُدار الساحة اليمنية بوصفها ملفًا أمنيًا–سياسيًا بالغ الحساسية، هدفه الأساسي منع نشوء تهديد مستدام
غير أن إشكالية الشرعية اليمنية، بطبيعتها التوافقية الهشّة، تمثلت في تبنّي خطاب الوحدة مقابل ممارسات سياسية متناقضة لم تحسم خيارها، ما أفقدها القدرة على فرض كلفة سياسية على الحلفاء قبل الخصوم
وفي هذا الفراغ، انتهجت السعودية سياسة الاحتواء وتثبيت التوازن، في مقابل دور تفكيكي لعبته أبوظبي عبر دعم كيانات انفصالية، ضمن وظيفة إقليمية محددة استفادت من موقعها داخل النسيج العربي لتقليل حساسية تحركاتها
وفي موازاة ذلك، يشكّل النفوذ الإيراني أحد الأدوات المركزية في مشاريع التفكيك الإقليمي، من العراق وسوريا إلى اليمن والسودان وليبيا
وهو نفوذ لا يستهدف السيطرة المباشرة بقدر ما يسعى إلى اقتطاع أجزاء من الجسد العربي، وإدارة الفوضى بدل إنهائها، وسعت ابو ظبي وبما يخدم مصالح قوى دولية كبرى، ويعيد إنتاج أثر التدخلات الاستعمارية الحديثة في صيغة جديدة: من الانتماء إلى الوظيف ولم تعد السياسة الخارجية لأبوظبي تُبنى على أساس الانتماء العربي أو الإسلامي، بل على براغماتية أمنية تسعى إلى ضمان بقاء النظام وتعظيم دوره الإقليمي، بمعزل عن القيود الديمغرافية أو الجغرافية
ووفق هذا المنطق، تتحول الدولة من كيان منتمٍ إلى محيطه الطبيعي إلى وظيفة داخل شبكة قوى عالمية
فتموضع أبوظبي مع الهند وإسرائيل وإثيوبيا لا يمكن قراءته بوصفه علاقات منفصلة، بل كنسق متكامل يتقاطع مع الاستراتيجية الأميركية لاحتواء الصين، وإعادة هندسة الشرق الأوسط دون مركز عربي قيادي
الهند تُوظَّف كشريك اقتصادي وقوة موازنة، وإثيوبيا كأداة لإعادة تشكيل توازن البحر الأحمر والضغط على مصر، فيما يشكّل التطبيع اندماجًا مباشرًا في المنظومة الأمنية الإسرائيلية لموازنة تركيا، وممارسة ضغط غير مباشر على السعودية ومصر
ويعكس هذا المسار انسجامًا مع سياسة لا تبحث عن المشترك العربي، ولا عن شرعية تاريخية أو حضارية، بل عن القرب من القوة بوصفه معيار البقاء
وبهذا تُدار المنطقة بمنطق إدارة الفراغ: تفكيك الكتلة العربية، تشتيت الهوية الجامعة، وإنتاج استقرار هش قائم على الخوف لا على التوافق
وفي هذا السياق، يبرز الدور السعودي بوصفه ركيزة أساسية في محاولة منع الانهيار الشامل، والحفاظ على ما تبقّى من منطق الدولة الوطنية العربية، في مواجهة مشروعات التفكيك الوظيفي التي لا تنتج سيادة، بل قلقًا دائمًا
فالسياسة، في لحظة التحوّل هذه، لم تعد تعبيرًا عن السيادة، بقدر ما باتت، لدى بعض الفاعلين، فنًّا لإدارة القلق لا لبناء المستقبل