عمار ناصر العولقي : لماذا نحتاج كيمنيين إلى عقد اجتماعي جديد؟
منذ شهر
عمار ناصر العولقي تمرّ الأمم في لحظات مفصلية لا يصلح معها ترميم القديم، بل تتطلب إعادة صياغة كاملة للأسس التي قامت عليها الدولة
واليمن اليوم يقف في واحدة من تلك اللحظات النادرة، حيث لم تعد الأزمة مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل تحولت إلى أزمة بنيوية في شكل الدولة نفسها
الحروب، عبر التاريخ، لم تكن مجرد لحظات دمار، بل كانت محطات إعادة تشكّل للدول الحديثة
وإذا شبّهنا الدولة بمادة صلبة من المعدن الثمين، فإن الأزمات والحروب هي النار التي تُليّن هذا المعدن، لا لإذابته، بل لإعادة تشكيله ليصبح أكثر كفاءة، وأكثر صلابة، وأكثر مرونة مع متطلبات العصر
واليمن اليوم يمرّ بمرحلة إعادة تشكيل شاملة لكل شيء: السياسة، والاقتصاد، والهوية الوطنية، والعلاقة بين الدولة والمجتمع
التجربة… وما الذي تعلّمناه؟في الجنوب خصوصاً، وعلى امتداد الجغرافيا اليمنية بشكل عام، خضنا كل التجارب تقريبًا:جرّبنا التشطير، وجرّبنا محاولات الانفصال، وجرّبنا الوحدة الاندماجية غير المتوازنة، وجرّبنا اختطاف الدولة من قبل عصبيات مناطقية أو طائفية
جرّبنا الناصرية، والبعثية، والقطبية، وجرّبنا الاصطفاف خلف مشاريع أيديولوجية مستوردة وغريبة على المجتمع اليمني وتركيبته التاريخية
النتيجة واحدة: الدولة كانت دائمًا هي الخاسر الأكبر
ومن هنا، فإن لحظة ما بعد الحرب يجب ألا تكون عودة إلى ما قبلها، بل انتقالًا واعيًا إلى إطار جديد، يقوم على نظام جمهوري فيدرالي بعلم واحد، وجيش وطني واحد، وسيادة واحدة، وحليف استراتيجي واحد واضح لا يساوم على أمن اليمن واستقراره
الحليف الاستراتيجي والفرصة التاريخيةلليمن اليوم حليف صادق يتمثل في المملكة العربية السعودية، حليف لا يبحث عن مغنم، بل عن ترتيب مستدام لملفات الجوار، قائم على الاستقرار، والاستثمار، والشراكة، لا على الوصاية أو الهيمنة
وهذه المقاربة تفتح أمام اليمن فرصة تاريخية للانتقال من منطق الصراع إلى منطق الدولة القادرة على الإنتاج والشراكة الإقليمية
الشرق يتشكل…الشرق اليمني اليوم يتشكل بقيادة محافظة حضرموت وشراكة مبنية على التفاهم مع محافظات شبوة والمهرة وسقطرى كقوة وازنة في معادلة الاستقرار الوطني، وكما يقول المثل الشبواني: «ما تِركَد إلا على ثلاث»
واليمن، جغرافيًا وتاريخيًا، لا يستقر إلا بتوازن الشمال والجنوب والشرق، كما أن الدولة – في جوهرها – لا تركد إلا بثلاثة أعمدة واضحة: العدل، والأمن، والموارد
من دون عدل، تتحول الدولة إلى سلطة قهر
ومن دون أمن، يصبح القانون بلا معنى
ومن دون موارد تُدار بشفافية، يفقد الاستقرار أي أساس اقتصادي
الحوار الجنوبي– الجنوبي: مدخل الدولةفي هذا السياق، يأتي الحوار الجنوبي– الجنوبي الذي ترعاه الرياض كمسار جاد وحقيقي لبحث حلول دائمة للقضية الجنوبية، حوار لا يُقصي أحدًا، ولا يحتكر التمثيل، بل يفتح المجال أمام توافق جنوبي واسع حول شكل الدولة والعلاقة مع المركز
والأهم أن هذا الحوار ليس شأنًا جنوبيًا فقط، بل هو مدخل أساسي لاستقرار اليمن ككل، وخطوة محورية في استعادة الدولة من الانقلاب الحوثي، لأن دولة منقسمة على ذاتها لا يمكنها أن تنتصر في معركة وجودية
ما نحتاجه اليوم ليس شعارات جديدة، بل عقدًا اجتماعيًا جديدًا، يعيد تعريف الدولة، ويضبط علاقتها بالمجتمع، ويؤسس لشرعية قائمة على الشراكة لا الغلبة، وعلى التوازن لا الإقصاء
اليمن لا يحتاج معجزة…بل يحتاج شجاعة الاعتراف بأن الزمن تغيّر، وأن الدولة التي نريد بناءها يجب أن تكون أقوى، أعدل، وأكثر قابلية للاستمرار والاستقرار