فاتورة الغربة: الثمن الإنساني خلف الأرقام الاقتصادية

منذ 2 أيام

مأرب- محمد الوجيه في بلدٍ أنهكته الأزمات الاقتصادية والسياسية، لم تعد رحلة البحث عن لقمة العيش مجرد خيارٍ معيشي، بل تحولت إلى ثمنٍ إنساني باهظ تدفعه الأسرة اليمنية من دفء العلاقات وحنان اللقاء

آلاف الآباء يغادرون نحو الغربة مُحملين بأحلام إعالة أسرهم، تاركين خلفهم فراغًا عاطفيًا يثقل الزوجات ويضاعف حنين الأبناء

تشكل حوالات المغتربين اليمنيين أكثر من 38% من إجمالي الناتج المحلي لليمن؛ مما يجعله البلد الثالث عالميًا الذي يعتمد على الحوالات، وفقًا لتقرير نشرته “الأمم المتحدة” في نوفمبر الماضي

ومنذ عام 2015 خاض الاقتصاد اليمني إعادة هيكلة جوهرية، حيث تجاوزت التحويلات المالية الدولية صادرات النفط كأهم مصدر للعملة الصعبة، بحسب تقرير الأمم المتحدة

ويوضح أنه عقب الحظر الذي فرضته جماعة الحوثي على صادرات الوقود في مناطق الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، ومع التراجع الحاد في تمويل المساعدات الإنسانية؛ أصبحت التحويلات المالية المصدر الرئيسي الذي يحافظ على استمرارية الأداء الاقتصادي في ظل سياق وطني متدهور

وتُشير التحليلات التي أجراها “اتحاد المساعدات النقدية في اليمن” (CCY) إلى أن تدفقات التحويلات المالية -سواء الرسمية أو غير الرسمية- قد تجاوزت 7

4 مليارات دولار أمريكي في عام 2024

لكن هذه المساهمة الكبيرة للتحويلات تأتي على حساب الأسر خصوصًا الأطفال، الزوجات، والآباء

هناك في الغربة، يعيش المغترب صراعًا مستمرًا بين أمل العودة محققًا واجب الإعالة، وألم الغياب

بينما تنجح التحويلات المالية في سد احتياجات المعيشة، تتسع الفجوة العاطفية وتكبر

فالأطفال يكبرون على الانتظار أكثر من العيش، والزوجات يتحولن إلى معيلات وحيدات، يواجهنَ قسوة المسؤولية بصلابة فرضتها الضرورة لا الاختيار

يجد كثير من الآباء أنفسهم أمام خيار قاسٍ لا مفر منه؛ فالغربة لم تكن بالنسبة لهم حلمًا أو رغبة، بل ضرورة فرضتها ظروف معيشية خانقة حرمتهم من أبسط مقومات الحياة الكريمة

 وفي هذا السياق، تقول المحامية إشراق المشولي، من محافظة مأرب: “إن اغتراب اليمنيين تضاعف في السنوات الأخيرة بسبب الحرب المستمرة، وما خلفته من تدهور اقتصادي حاد”

وأشارت لـ”المشاهد” إلى أن البحث عن فرص عمل خارج البلاد أصبح الحل الوحيد أمام الكثيرين، حتى لو كان على حساب التماسك الأسري، خاصةً وأن أغلبهم يعملون بشكل غير نظامي

منير علي، مغترب يمني منذ 13 عامًا في المملكة العربية السعودية وأب لطفلتين، يروي قصته لـ«لمشاهد»: “اضطررت لمغادرة بلدي والابتعاد عن كل أحبتي بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وانعدام فرص العمل التي تضمن حياة كريمة

فقرار الرحيل لم يكن سهلًا أبدًا، كان مليئًا بالتردد والألم، لكن الحاجة كانت أقوى من كل شيء”

منير علي، مغترب يمني منذ 13 عامًا في المملكة العربية السعودية وأب لطفلتين، يروي قصته لـ«لمشاهد»: “اضطررت لمغادرة بلدي والابتعاد عن كل أحبتي بسبب الظروف المعيشية الصعبة، وانعدام فرص العمل التي تضمن حياة كريمة

فقرار الرحيل لم يكن سهلًا أبدًا، كان مليئًا بالتردد والألم، لكن الحاجة كانت أقوى من كل شيء”

ويضيف: “خلال هذه السنوات ترك الغياب أثرًا عميقًا على علاقتي بأسرتي

رغم التواصل المستمر عبر الهاتف، إلا أن المسافة تصنع فجوة لا يملؤها الكلام

هناك أب يحتاج للاهتمام، وأم تحتاج للرعاية، وبنت وأخت تحتاجان للحنان كل هذا غبت عنه”

ويختتم حديثه بمرارة: “نعم، المال قد يوفر الاحتياجات، لكنه لا يعوض وجود الأب بين أهله

لو خيرت اليوم، لاخترت القرب من أسرتي دون تردد”

في تفاصيل الحياة اليومية لأبناء المغتربين، يكبر الأطفال وهم يحملون إحساسًا دائمًا بالحرمان، يفتقدون نموذج الأب الحاضر، ويعيشون فراغًا عاطفيًا يهدد تماسك الأسرة

ويرى المختص الاجتماعي، فضل عبدالله، من جامعة إقليم سبأ، أن هذه الغربة تحمل كلفةً اجتماعية ونفسية لا تقل خطورة عن الفقر نفسه

فضل عبدالله، مختص اجتماعي، جامعة إقليم سبأ، مأرب: غياب الأب أو المعيل لفترات طويلة يضعف تماسك الأسرة ويخلق فجوات عاطفية يصعب ردمها لاحقًا

نحن نرى التحويلات المالية، لكننا لا نرى الثمن النفسي الذي يُدفع داخل البيوت”

غياب الأب أو المعيل لفترات طويلة يضعف تماسك الأسرة ويخلق فجوات عاطفية يصعب ردمها لاحقًا

نحن نرى التحويلات المالية، لكننا لا نرى الثمن النفسي الذي يُدفع داخل البيوت”

من جهتها، تصف المختصة النفسية، ريم العبسي، ظاهرة غياب الأب الطويل بأنه شكل من أشكال “الانفصال الأسري الممتد”، ويؤثر بشكل مباشر على الأمن النفسي للأبناء

فالأطفال الذين يعيشون هذا الغياب يصبحون أكثر عرضة لمشكلات داخلية مثل القلق والاكتئاب، وأخرى سلوكية كالعدوانية”

وتوضح العبسي أن “الطفولة المبكرة هي الأكثر حساسية، حيث يحتاج الطفل للأب كرمز للحماية، وغيابه يولد لديه حساسيةً مفرطة تجاه المجتمع وخوفًا من الهجر”

لا تقل معاناة الزوجات عن الأطفال

فالغربة تحوّل الحياة الزوجية إلى لقاءات متقطعة، وتترك النساء في مواجهة مسؤوليات مضاعفة

وتشير المحامية إشراق المشولي إلى أن المرأة تجد نفسها مضطرة لممارسة دورَي الأب والأم معًا؛ مما يزيد الضغوط عليها ويرهق كاهلها

تقول أم خالد، من تعز، وهي أم لثلاثة أبناء يعيش زوجها في ماليزيا منذ 17 عامًا: نحن أسرة على الورق، لكن الواقع مختلف

أعيش مسؤوليات مضاعفة، وفي كل موقف أحتاج فيه زوجي أجد نفسي وحيدة

أطفالي باتوا يعتبرون أنفسهم مجرد هامش في أولويات والدهم

المختصة النفسية، ريم العبسي: ظاهرة غياب الأب الطويل بأنه شكل من أشكال الانفصال الأسري الممتد”، ويؤثر بشكل مباشر على الأمن النفسي للأبناء

فالأطفال الذين يعيشون هذا الغياب يصبحون أكثر عرضة لمشكلات داخلية مثل القلق والاكتئاب، وأخرى سلوكية كالعدوانية”

وتواصل حديثها لـ«المشاهد»: ظننتُ في البداية أنني محظوظة كوني زوجة مغترب، اعتقدت أن غربة زوجي ستحسّن أوضاعنا المعيشية، لكنني شعرتُ بالانتكاسة، خاصةً بعد مجيء طفلي الثالث، حيث زادت معاناتي النفسية والاجتماعية حتى وصلتُ إلى مرحلةٍ العجز في لملمة شتاتي وتربية أطفالي”

 ومن الناحية القانونية، يوضح محمد مغرم، محام في مأرب، أن غياب رب الأسرة يضع العبء الأكبر على الأم في الحفاظ على صورة الأب لدى الأبناء

مشيرًا إلى أن المادة (52) من قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم (20) لسنة (1992) أتاحت فسخ عقد الزواج بعد مرور سنة دون نفقة، أو بعد عامين في حال وجود نفقة

غياب الأب القسري لا يتوقف عند حدود الفراق، بل يترك كلفة خفية تتراكم في وجدان الأسرة

وترى المتخصصة ريم العبسي في حديثها لـ«المشاهد»، أن الحلول تبدأ من تعزيز التواصل المستمر والفعال بين الأب وأسرته، والحرص على أن يكون التواصل عاطفيًا وليس شكليًا فقط

وتشير العبسي إلى أن الكلفة الخفية لغياب الأب لا تُقاس بالمال، بل بما يتركه من فجوات في النفوس والعلاقات

ومع أن الواقع الاقتصادي يفرض الغربة كضرورة، فإن الحلول النفسية والاجتماعية والقانونية تبقى السبيل لتقليل آثارها

يبقى الأمل مفتوحًا بأن تتحول الغربة يومًا إلى ذكرى لا إلى قدر دائم يسرق أعمار اليمنيين بعيدًا عن ديارهم

وبين صوت تحويل الأموال وصوت انتظار الأبناء، تستمر الحكاية في بيوت يمنية كثيرة، حيث يكبر الحنين بصمت، ويظل الباب مفتوحًا على وعد عودة قد تطول ويطول معها الانتظار

ما رأيك بهذا المقال؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع

يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة

بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة

الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن