فتحي بن لزرق : تفاصيل تسعة ايام عجيبة في عدن
منذ 9 ساعات
فتحي بن لزرق كثيرة هي الأخطاء التي وقع فيها عيدروس الزُبيدي، لكن أشدّها وقعًا كان قرار إعادة الوفد السعودي الذي وصل إلى عدن في مطلع هذه الأزمة برفقة وفد إماراتي
كان الحدث صادمًا وغريبًا، وربما لم يكن قرار الرجل وحده، لكن المؤكد أن المملكة العربية السعودية وُضعت في مأزق غير متوقع وسط صراع معقّد وخارطة مثقلة بالتشابكات
لم تكن الرياض مستعدة لفتح جبهة جديدة، ولا قادرة على تحمّل كلفة انكشاف خاصرتها الجنوبية أمام أخطار شتى
التحرك الذي قاده الزُبيدي وضع دولة كالسعودية أمام معادلة قاسية: القبول مشكلة، والتحرك العسكري – إن أخفق – مشكلة أكبر
اجتمع السعوديون في الرياض، وبعد نقاشات مطوّلة، قيل: «لنجرّب حظنا للمرة الأخيرة مع الرجل»
تقرر إرسال وفد عسكري، وحُمّل أفراده رسالة واضحة: ابحثوا عن مخرج يُنقذنا ويُنقذ المجلس الانتقالي من هذا المأزق الخطير
وصلت الطائرة السعودية إلى أجواء عدن، وقبل أن تلامس عجلاتها المدرج، جاءها الإبلاغ من برج المراقبة في مطار عدن: الهبوط ممنوع
عادت الطائرة أدراجها، وفي تلك الليلة اتُّخذ القرار السعودي الكبير: خوض المواجهة… ولتكن الكلفة ما تكون
من هنا تسارعت الأحداث، وحدث ما حدث
كان بإمكان المجلس الانتقالي تفادي الانهيار مجددًا عندما وُجهت الدعوة لقيادته للحضور إلى الرياض للتشاور
غير أن التطورات المتسارعة والغريبة في حضرموت أربكت القيادة، وساد اعتقاد – تبيّن لاحقًا أنه خاطئ – بأن الدعوة فخّ سياسي
عندها اتُّخذ القرار الأكثر كارثية: نقل جميع الأسلحة والتجهيزات العسكرية من عدن إلى الضالع
لم يكن ذلك مجرد خطأ تكتيكي، بل رسالة خطيرة وصلت في اتجاهين؛ التحالف فهم أن المجلس يستعد لعمل عسكري جديد، والرسالة الأخطر وصلت إلى جنود وقواعد الانتقالي في عدن: لحظة الخروج قد حانت
بدأت حالة الشتات، وأُفرغت معسكرات كاملة، ومع كل شحنة أسلحة كان عشرات الجنود يغادرون دون عودة
على الأرض بدت القيادة تائهة، خصوصًا مع تسارع الوقائع
قبل ثلاثة أيام فقط، عقد الزُبيدي اجتماعًا مصغّرًا مع قيادات عسكرية، قال فيه جملة واحدة كانت كافية لإرباك الجميع: «سأذهب إلى السعودية، وقد أعود وقد لا أعود، وإذا انقطع تواصلنا تصرّفوا بما ترونه مناسبًا»
جملة زرعت التيه في صفوف قيادات لن تخاطر ولن تقاتل دون رؤية واضحة
تقرر موعد مغادرة قيادة المجلس إلى الرياض، فيما استمر نقل السلاح إلى الضالع، وبدت معسكرات عدن خاوية
صباح الثلاثاء، وبصورة مفاجئة، اتخذت قوات العاصفة قرار الانسحاب من قصر معاشيق بعد سحب معداتها مساء الاثنين
صباح ذلك اليوم نشرتُ تغريدة عن الانسحاب، وبعد ساعات فقط عادت قوة من الصاعقة إلى الموقع ذاته؛ كان واضحًا أن الفوضى تسيطر وأن لا أحد يفهم ما الذي يحدث بالضبط؟
يوم الاثنين، عقد الزُبيدي اجتماعًا آخر بقيادات المجلس، أبلغهم فيه بنيته السفر إلى الرياض، وطلب ممن يرغب بالمغادرة إرسال صورة جوازه إلى مدير مكتبه
في صباح اليوم التالي بلغ عدد الراغبين في السفر 63 شخصًا
لم يقرر الجانب السعودي إرسال طائرة خاصة، كما رُفض استخدام طائرة خاصة لليمنية، فتقرر السفر على متن رحلة اليمنية الاعتيادية رقم 532 المتجهة إلى الرياض عند الساعة 10:10 مساءً
قبل ساعتين من الإقلاع توافدت قيادات المجلس إلى المطار
كان مقررًا أن يقود الرحلة الكابتن عبدالعزيز باسهيل، لكن أوامر صدرت بتغييره واستبداله بالكابتن ياسر سلمان الوالي، مع تغيير الطائرة نفسها في اللحظات الأخيرة
التوتر كان واضحًا في كل زاوية
في المطار جرى توجيه الطائرة إلى طرف المدرج الغربي
تأخرت دون صعود ركاب، قبل أن تصل سيارة مدرعة قامت بتفتيش الطائرة
وفي كونتر الحجوزات، ظهر اسم عيدروس الزُبيدي مُدرجًا رسميًا ضمن كشف الركاب باللغة الإنجليزية على النحو التالي:AL ZOUBIDI – AIDROOS QASEM ABDULAZIZ،وذلك وفق بيانات الحجز المعتمدة في نظام الرحلة، مع مرافقة شخصين أحدهما يدعى «عبدالعزيز» والآخر «صبري»
AL ZOUBIDI - AIDROOS QASEM ABDULAZIZ- M- 38CPAE- 24D-6352412834233تأخرت الرحلة أكثر من ساعة ونصف، قبل وصول موكب صغير صعد بعض أفراده إلى الدرجة الأولى
قال شهود إن الطائرة شهدت جلبة ونقاشًا حادًا حول أمر جلل استمر لأكثر من ثلاثين دقيقة، دون معرفة هوية المتواجدين
ثلاثـة مصادر عاملة في المطار أكدت أن الزُبيدي كان أول من صعد إلى الطائرة، لكنه عاد وغيّر قراره لاحقًا، وغادر المكان عبر سيارات كانت بانتظاره أسفل الطائرة
تأخرت الرحلة ساعتين إضافيتين، ثم صعد بقية الركاب، وبينهم قيادات المجلس
داخل الطائرة كان التوتر سيد الموقف، وطُلب من الجميع البقاء في مقاعدهم
أسفل الطائرة كان أشخاص يجرون اتصالات مكثفة مع جهات غير معروفة؛ بدا أن تفاوضًا ما يجري… لكن مع من؟ ولماذا؟ لا أحد كان يعلم
قرابة الساعة الواحدة فجرًا بدأت الطائرة بالتحرك، وظهرت على تطبيق تتبع الرحلات Flightradar24، ثم اختفت فجأة
تؤكد المصادر أن أمرًا صدر للطائرة بالتوقف، وأُعيدت السلالم مرة أخرى، وانتظر الجميع أكثر من عشرين دقيقة دون أن يصعد أحد
بعدها سُحبت السلالم مجددًا، وغادر الجميع
هكذا انتهت الرحلة الأخيرة لقيادات المجلس الانتقالي… دون إقلاع عيدروس
أما ما جرى على الأرض لاحقًا، فله حديث آخر… في مقال منفصل