فريد بن ناصر العولقي : نهاية النفوذ الإيراني بداية عهد جديد
منذ يوم
فريد بن ناصر العولقي نهاية إمبراطورية السلاح الإيرانية … وانعكاس ذلك على الحوثيين و اليمن والمنطقة …على الرغم من أن الحرب الواسعة لم يمضِ عليها سوى وقت قصير ومازلت قابلة للتوسع فإن المؤشرات المبكرة توحي بأن ميزان القوة بدأ يميل باستمرار إستنزاف جزءاً كبيراً من القدرات التي بناها النظام الإيراني طوال عقود والتي كان يرفض التفاوض بشأنها أو التخلي عنها
هذه النتيجة ليست مفاجئة لمن تابع مسار التسلح الإيراني وسياساته الإقليمية فالدعاية الواسعة التي رافقت المشروع العسكري الإيراني كانت دائماً تهدف إلى تضخيم القوة وإحاطة النظام بهالة ردع نفسي بقدر ما كانت تعكس قدرات حقيقية
ومن زاوية تحليلية بحتة يمكن قراءة النتائج الأولية للحرب على أنها حتى لو لم تصل إلى مستوى الانتصار الكامل تمثل نجاحاً واضحاً في تحجيم الخطر الإيراني الذي ظل لسنوات أحد أكبر مصادر القلق في المنطقة
ومع ذلك فإن بقاء النظام نفسه حتى الآن يبدو أمراً مرجحاً، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الأنظمة الأيديولوجية قد تتعرض لهزائم عسكرية كبيرة دون أن يؤدي ذلك فوراً إلى سقوطها
التقديرات العسكرية تشير إلى أن القتال قد ينتهي خلال أسابيع قليلة وربما قبل ذلك إذا قبل الحرس الثوري الإيراني وهو المؤسسة الأكثر تأثيراً في القرار داخل إيران بتسوية تمنحه بقاء النظام مقابل تقليص كبير في قدراته العسكرية
حتى الآن لا توحي المؤشرات بأن تغيير النظام في طهران وشيك سواء من الداخل أو عبر تدخل خارجي مباشروقد يعني ذلك أن العالم قد يجد نفسه مضطراً للتعامل مع نظام جريح لكنه باق
هذا السيناريو يعيد إلى الأذهان تجربة نظام صدام حسين بعد حرب الخليج عام 1991 حين وقع العراق اتفاق وقف إطلاق النار في خيمة صفوان، رغم الهزيمة العسكرية الساحقة انذاك استمر النظام العراقي في الحكم أكثر من عقد إلى أن انتهى في عام 2003 من هذا المنظور قد يكون العالم أمام نمط مشابه نظام مهزوم عسكرياً لكنه يظل قائماً سياسياً لفترة من الزمن لكن الاستنتاج الأهم في المرحلة الحالية هو أن الخطر الوجودي الذي كانت تمثله الترسانة العسكرية الإيرانية على المنطقة بدأ يتلاشى فالحرب الأخيرة كشفت بوضوح أن طهران كانت قد بنت شبكة واسعة من القدرات العسكرية الهجومية صممت أساساً لتكون أداة ضغط وسيطرة إقليمية
الهجمات التي استهدفت عدداً من دول المنطقة أظهرت أن الاستهدافات التي قيل إنها عسكرية كانت في أعيان مدنية في جوهرها موانئ مطارات أحياء سكنية ومنشآت اقتصادية، هذه القدرات لم تبن للدفاع فقط بل كانت جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى فرض النفوذ الإيراني في المنطقة
لم تكن استراتيجية طهران خافية على أحد فبناء قوة صاروخية واسعة وشبكات من الميليشيات المسلحة في عدة دول كان يهدف إلى خلق منظومة ردع إقليمية قادرة على شل دول الجوار إذا اندلع صراع واسع وكان السؤال الذي يتردد دائماً هو متى تأتي ساعة الصفر؟البعض كان يعتقد أن اللحظة الحاسمة ستأتي بعد امتلاك إيران سلاحاً نووياً يوفر لها مظلة ردع تمنع أي تدخل عسكري دولي لكن ما يحدث اليوم قد يعني انهيار ما يمكن تسميته “إمبراطورية السلاح الإيرانية” قبل أن تصل إلى تلك المرحلة، أحد أبرز تداعيات هذا التحول لا يتعلق بإيران وحدها بل بشبكة الجماعات المسلحة المرتبطة بها في المنطقة، ومن بين هذه الجماعات تأتي حركة أنصار الله ( الحوثيين )في اليمن التي اعتمدت خلال السنوات الماضية بشكل كبير على الدعم العسكري والتقني القادم من طهران
إذا كانت إيران تفقد اليوم جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية فإن ذلك يعني عملياً أن أدواتها الإقليمية ستفقد بدورها المصدر الرئيسي الذي غذى قوتها في الحالة اليمنية قد يؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل المشهد بالكامل، فالحوثيون الذين استطاعوا خلال سنوات الحرب أن يبنوا ترسانة صاروخية وطائرات مسيرة ويخوضوا مواجهات مع الحكومة الشرعية اليمنية اعتمدوا بدرجة كبيرة على الخبرة والدعم الذي وفره الحرس الثوري الإيراني، ومع تراجع قدرة طهران على تمويل وتسليح هذه الشبكات قد تجد الجماعة نفسها أمام واقع مختلف تماماً
هذا التحول قد يفتح نافذة تاريخية لإعادة ترتيب الوضع في اليمن، فالصراع الذي طال أمده بين الحوثيين والشرعية لم يكن صراعاً داخلياً خالصاً بل كان في جانب كبير منه انعكاساً لصراع إقليمي أوسع إذا انحسر الدور الإيراني، فإن ذلك قد يضعف أحد أهم العوامل التي أطالت الحرب
وقد يجد الحوثيون أنفسهم أمام خيارين: إما التورط في مواجهة دون دعم إقليمي حقيقي أو التحول إلى طرف سياسي يشارك في تسوية داخلية بشروط مختلفة تتلائم مع المتغيرات الإقليمية والدولية
أما بالنسبة للشرعية اليمنية فإن اللحظة قد تمثل فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة دورها السياسي والعسكري في المناطق المحررة و تشكيل نموذج الدولة الذي يحقق رضاء الناس و تطلعاتهم و هذا لن يتأتى إلا إن أحسن مجلس القيادة الرئاسي استثمار التحولات الإقليمية و الدولية
التقديرات تشير إلى أن ما تبقى من البنية العسكرية الإيرانية قد يتعرض لمزيد من التدمير خلال الأسابيع المقبلة بما يشمل مصانع السلاح ومراكز التطوير التي بنيت خلال العقود الثلاثة الماضية، إذا تحقق ذلك فقد تحصل المنطقة على فترة استراحة من التهديد الإيراني قد تمتد لعقد من الزمن على الأقل و ستجد القوى الإقليمية الفاعلة وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية أمام مرحلة إعادة تموضع بإعتبارها الدولة القائدة في المنطقة و القادرة على ملى الفراغ الناتج عن تراجع دور ايران و يتجلى ذلك من خلال تحول اليمن في الرؤية السعودية من أزمة يجب إحتوائها إلى مشروع يجب بنائه كسياج داعم للاستقرار ومعزز للأمن القومي العربي
أما الاحتمال الآخر فهو أن تشهد إيران نفسها تحولاً سياسياً أو استراتيجياً يجعلها بلداً أكثر انخراطاً في التنمية والتعاون الإقليمي بدلاً من الصراع لكن هذا الاحتمال بعيد المنال نتيجة للتركيبة الإيدلوجية التي بني عليها النظام الإيراني و لغياب الفاعل الداخلي القادر على احدث تغيرات في مسار السياسة الإيرانية