كيف أفرغ “التحالف” بقيادة السعودية بندقية الزبيدي الإماراتية من الذخيرة؟

منذ يوم

في تحول زلزالي أعاد رسم خريطة القوى في جنوب اليمن، لم يعد عيدروس الزبيدي اليوم ذلك الرقم الصعب الذي يفرض شروطه من قلب عدن، بل تحول في غضون أيام إلى فار من وجه العدالة تلاحقه تهم الخيانة العظمى وضربات الطيران الاستباقية، بعد سنوات من استغلاله لمفاصل الدولة وتوظيفها لصالح أجندات هددت وحدة الصف الوطني

فبينما كانت الماكينة الإعلامية للمجلس الانتقالي تحاول رسم صورة الصمود، جاء القرار رقم (1) لعام 2026 الصادر عن رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي ليضع حداً لسنوات من المساحة الرمادية، مسقطاً عضوية الزبيدي ومحيلاً إياه إلى النائب العام بتهم ثقيلة تشمل المساس باستقلال الجمهورية وفق المادة (125) من قانون العقوبات، وتشكيل عصابات مسلحة لقتل الضباط وتخريب المنشآت الحيوية، وهو ما مثل المقصلة القانونية التي جردته من غطائه السيادي والسياسي، رداً على تمرده الأخير الذي انطلق من محافظتي حضرموت والمهرة

كواليس الهرب الكبيرتكشفت كواليس السقوط الميداني والسياسي حينما أمهلت قيادة تحالف دعم الشرعية الزبيدي 48 ساعة للحضور إلى الرياض، في محاولة لاحتواء تصعيده، ليلجأ الأخير إلى مناورة استخبارية فاشلة انتهت بهربه إلى وجهة مجهولة، فبينما كان وفد الانتقالي يستعد للإقلاع على متن رحلة الخطوط اليمنية (IYE 532) التي تأخرت بتنسيق أمني مقصود، استغل الزبيدي الوقت للهرب تاركاً قيادات مجلسه يواجهون مصيرهم في العاصمة السعودية

في غضون ذلك أشرف هو على تحريك مدرعات وأسلحة ثقيلة من معسكري حديد والصولبان باتجاه الضالع، وهي التحركات التي قوبلت بضربات جوية استباقية حاسمة من طيران التحالف فجر الأربعاء، استهدفت تجمعاته بالقرب من معسكر الزند في محافظة الضالع، محطمة طموحاته في نقل الصراع من المدن الساحلية إلى العمق الجبلي الوعر

جراحة حقبة التنازلاتالانهيار المتسارع كان نتيجة استراتيجية سعودية حازمة قررت إعادة الأمور لنصابها عبر معركة تصحيحية خاطفة قادتها قوات درع الوطن، التي بدأت عملياتها بانتشار واسع ومكثف في الهلال النفطي والشرق اليمني

ففي حضرموت، نفذت هذه القوات عملية خاطفة أحكمت خلالها السيطرة على مطار وميناء المكلا، وأجبرت النخبة الحضرمية الموالية للانتقالي على الانسحاب إلى معسكراتها وتجنب المواجهة، لتتوسع القوات لاحقاً وتؤمن مديريات الوادي والصحراء وصولاً إلى محافظة المهرة، إذ جرى تأمين المنافذ الحدودية الحيوية

هذا الانتشار لم يكن عسكرياً فحسب، بل كان إعلاناً بإنهاء حقبة الوكلاء الذين عطلوا مؤسسات الدولة لسنوات، إذ استطاعت درع الوطن في غضون أيام استعادة التوازن الميداني وفرض هيبة الدولة في مناطق كانت تعتبر معاقل حصينة لنفوذ الانتقالي ووكلائه الإقليميين

في أعقاب إعلان ملاحقته قضائياً، نفى المجلس الإنتقالي الذي يترأسه أن يكون قائده هرب، وقال إن الزبيدي يمارس مهامه من العاصمة عدن، إلى جانب شعبه، متابعا ومشرفا بشكل مباشر على عمل المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية، بما يضمن استقرار الأوضاع الأمنية، واستمرار عمل مؤسسات الدولة

عزل الصقور وتفكيك الحاضنة القبليةعلى الصعيد السياسي، وجد الزبيدي نفسه في عزلة قاتلة بعد أن انفض من حوله رفاق السلاح والأقطاب المؤثرة، إذ انحاز عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة)، قائد قوات العمالقة، كلياً لصف الشرعية والتوافق، متولياً مهمة فرض الأمن في عدن ومنع أي انزلاق نحو العنف

وبانضمام المحرمي وطارق صالح وبقية أعضاء مجلس القيادة لغرفة العمليات في الرياض، فقد الزبيدي القدر الأكبر من قوته قبل شرعيته، خصوصاً بعد صدور بيان لحج التاريخي الذي أعلنت فيه اللجنة الأمنية والمحافظ أحمد التركي الولاء الكامل للشرعية والترحيب بانتشار قوات درع الوطن في مداخل المحافظة ومخارجها، مما أدى إلى قطع الشريان الجغرافي الوحيد الذي يربط العاصمة الموقتة عدن بمعقل الزبيدي في الضالع، وتحويل مناطق نفوذه المتبقية إلى جيوب معزولة محاصرة بالقانون وبالقوة العسكرية الضاربة، بالتوازي مع استمالة قبائل الصبيحة ويافع وردفان التي سحبت كثيراً من البساط الشعبي تحت قدميه

بالتوازي مع التحركات العسكرية، كانت الشرعية والتحالف خاضتا معركة ذكاء قبلي في قلب المثلث الاستراتيجي، نجحت خلالها في استمالة مراكز الثقل التاريخي في يافع والصبيحة وردفان، وهي المناطق التي كثيراً ما اعتبرت الخزان البشري والمقاتل الذي يغذي طموحات الزبيدي

ومن خلال تقديم ضمانات وطنية وفتح قنوات اتصال مباشرة مع شخصيات بوزن الفريق محمود الصبيحي وقيادات وازنة في يافع، يمكنها تحييد مساحات واسعة من الحاضنة الشعبية، مما قد يحدث تصدعاً عميقاً في بنية الولاءات القبلية التي كان الزبيدي يراهن عليها

هذا الاستقطاب لم يسحب البساط الجغرافي من تحت أقدامه فحسب، بل أخلى ساحته من قوة الأنصار المفترضة، ليجد الزبيدي نفسه في مواجهة الدولة بظهير قبلي متآكل، بعد أن فضل العقلاء في تلك القبائل خيار الاستقرار والشرعية على الانجرار وراء مغامرة انتحارية تضع مناطقهم في صدام مباشر مع الإرادة الوطنية والتحالف العربي

سيناريوهات الأرض المحروقةلكن التهديد الأكبر يبرز الآن من لجوء الزبيدي المرجح إلى مسقط رأسه في محافظة الضالع، تلك المنطقة التي تعرف في التاريخ اليمني المعاصر بأنها برميل البارود، وأكثر محافظات الجنوب تمرساً في القتال وصراعات الأجنحة

فبالنظر إلى طبيعة الضالع الجبلية الوعرة وتاريخ أهلها المشهور بالصراعات منذ عام 1967، يخشى المراقبون من تحول المحافظة إلى قلعة أخيرة للتمرد، فالتاريخ يذكر أن الضالع كانت المحرك الرئيس لأحداث يناير 1986 الدامية

ويشير العارفون بالشأن اليمني إلى أن الزبيدي، وبدفع من ضغوط خارجية تسعى إلى الانتقام، قد يحاول استغلال هذه الحاضنة القتالية لخوض حرب عصابات طويلة الأمد، متبعاً مبدأ علي وعلى أعدائي لجر البلاد لسفك دماء جديد عبر توزيع أسلحة على خلايا تخريبية في عدن بقيادة السقاف والنوبي، غير أن اليقظة الأمنية لـدرع الوطن والالتفاف الشعبي حول خيار الدولة يؤكد أن حقبة ارتهان الجنوب لمشاريع صناع الحروب قد أوشكت على الغروب

وفي سياق سيناريوهات ما بعد فرار عيدروس الزبيدي، يرجح مراقبون كذلك أن تنجح الشرعية في إضعاف المجلس الانتقالي وتقليص نفوذه لمصلحة الحكومة المركزية بقيادة العليمي، غير أن إنهاءه بالكامل قد لا يكون خياراً مفضلاً، لما قد يجره من مقاومة مسلحة قبلية في الأرياف واحتجاجات شعبية في المدن، خصوصاً في عدن والضالع، حيث يحظى الصوت الجنوبي بثقل واضح

كما لا يستبعد لجوء الزبيدي إلى تحالفات انتقامية، بما فيها التقاطع مع الحوثيين الذين يسيطرون حتى الآن على مدن ومديريات في الضالع، في ظل خريطة نفوذ شبه ثابتة منذ 2019

مؤشرات انهيار لا تعوضمع ذلك لا شك أن تخلي عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة) كما يفترض عن رفيق دربه السابق عيدروس الزبيدي أضاف بعداً استراتيجياً حاسماً للمشهد، إذ جرد الزبيدي من مخلب القط الأكثر فتكاً في الجنوب، قوات العمالقة

فهذه القوة، التي تتميز بعقيدتها القتالية الصلبة وتسليحها المتطور، لم تكن مجرد ذراع عسكري للانتقالي، بل كانت ضمانة تفوقه الميداني، وانحياز المحرمي للشرعية وتوليه ملف أمن عدن يعني عملياً انتقال مفاتيح الأرض من يد الميليشيات إلى يد الدولة، مما جعل الزبيدي عارياً من القوة الضاربة التي كانت تمنحه القدرة على المناورة والتهديد

ولم يتوقف النزيف العسكري عند هذا الحد، بل امتد ليشمل جبهة الساحل الغربي، حيث أحكمت قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح الخناق على أي طموح للزبيدي بالتمدد أو الهرب نحو المنافذ البحرية الاستراتيجية

فطارق صالح، الذي يمتلك جيشاً نظامياً مدرباً وحضوراً سياسياً وازناً في مجلس القيادة، إذا ما اختار فعلياً التموضع في خندق الرياض والشرعية، كما توحي المشاهد الرمزية، فإنه يبرهن على أن زمن الكانتونات المسلحة ولى

هذا الاصطفاف من العمالقة والمقاومة الوطنية وبقية المحافظة المكونة للجنوب، وضع الزبيدي في حصار مزدوج، فخسارته للعمالقة تعني فقدان العمق الجنوبي، وفشله في استمالة طارق صالح يعني انسداد الأفق أمام أي تحالفات عسكرية قد تنقذ تمرده من السقوط الوشيك