كيف تحولت فتاة تدعي أنها “ابنة صدام حسين” إلى سلاح تضليل؟
منذ 3 ساعات
تعز-شهاب العفيفيتناول هذا التقرير كيف وقعت عدة وسائل إعلام يمنية وعربية في فخ التضليل الإعلامي من خلال بث مقاطع مصوّرة غير موثّقة لامرأة تزعم أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين
وبالرغم من النفي الصريح الصادر عن ابنته الحقيقية، رغد صدام حسين، إضافة إلى وجود تناقضات لغوية واضحة في حديث المرأة المتداولة، فضّلت تلك القنوات تقديم أجنداتها السياسية وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة على حساب الدقة والالتزام بالحقيقة
يوضح التقرير أن بعض وسائل الإعلام المحلية والعربية أصبحت تمارس «صحافة الترند» بدلا من التحقق قبل النشر، سعياً وراء المحتوى الرائج أو لتشويه خصوم سياسيين
حيث باتت السرعة والتفاعل في هذا العصر الرقمي، يتقدمان في كثير من الأحيان على الواجب الصحفي الجوهري المتمثل في التحقق والتدقيق
في الثاني من ديسمبر/كانون أول 2025، نشرت قناة سهيل الفضائية مقطعًا مصورًا لفتاة تَدّعي أنها ابنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، مرفق بعنوان “ابنة صدام حسين توجّه نداءً من صنعاء لإنقاذها من التنكيل الحوثي”، كما تحدث بذلك مقدم البرنامج في القناة؛ ليعلن بعد استعراض مقطع الفتاة في نهاية الفيديو تضامنه معها قائلًا: “تضامننا مع ابنة صدام حسين المجيد”
الفتاة محجبة وتتحدث بلهجة عراقية مع خلطٍ باللهجة السورية، وتقول إنها “ميرا صدام حسين المجيد”، وتفيد بتعرضها لظلمٍ من قاضي بعد أن قدمت له الوثائق وفحص DNA وأنه حكم بإتلاف بطائقها، وناشدت الشعب اليمني والحكومة والمشايخ بالوقوف إلى جانبها
حصل الفيديو على منصة اليوتيوب 180 ألف مشاهدة، وأكثر من 1800 إعجاب
القناة وقعت في فخ التضليل دون التأكد من محتوى الفيديو، أو التحقق مما تدعيه الفتاة
إذ قامت القناة بنشر الفيديو بعد تداوله بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصًا أن أي شيء يتعلق بالرئيس العراقي السابق صدام حسين، يتحول إلى محل جدل ويحصد تفاعلًا واسعًا
كان مقطع فيديو للفتاة نفسها قد نشره مدير الإعلام بملتقى الفنانين والأدباء اليمنيين -كما يصف نفسه- نوح الحنش، على حسابه بمنصة “فيسبوك” بتاريخ 30 نوفمبر/تشرين ثاني 2025، والذي حصل على 492 ألف مشاهدة، وأكثر من 10 ألف لايك، و 1800 تعليق، و 836 مشاركة
في اليوم ذاته، نشر عزام محمد ذات المقطع في حسابه على منصة “إكس”، مرفقًا مع الفيديو: “ابنة زعيم العرب صدام حسين المجيد، توجه نداءً من قلب صنعاء إلى الشعب اليمني، تطلب فيه الوقوف معها في مواجهة بطش مليشيات الحوثي الإرهابية، امرأةٌ عراقية أصيلة لجأت إلى بلدنا طلبًا للأمان لكن هذه المليشيا لم تتركها وشأنها ولم ترحم لجوءَها ولا ضعفها”
حصل المقطع على أكثر من 808 ألف مشاهدة، و 820 إعجاب، 176 إعادة نشر
وكان نفس المستخدم قد نشر في وقت سابق مقطع آخر للفتاة نفسها وتحديدًا في 5 فبراير 2025، ليحصد 822 ألف مشاهدة، و 120 إعجاب، و 38 إعادة نشر، ولنفس ذات الغرض
آنذك، تم تداول مقطع الفتاة في قنوات يمنية وعربية، رصدنا أربع قنوات: بلقيس، سكاينيوز عربية، الأولى العراقية، المشهد
وصل إجمالي المشاهدات لمقطع الفيديو إلى أكثر من 2
8 مليون مشاهدة على مختلف منصات التواصل الاجتماعي التي تم رصدها يدويا لهذا التقرير
احتلت منصة إكس على العدد الأكبر من هذه المشاهدات بواقع أزيد من 1
6 مليون مشاهدة
لتخرج حينها، رغد صدام حسين، وهي ابنة الرئيس العراقي الأسبق، لتنفي ماتم تداوله وادّعاء الفتاة بأنها ابنة صدام حسين السرية، وقالت إنها نفت أكثر من مرة في مقابلات تلفزيونية وتصريحات صحفية ما وصفتها بـ”قصص خيالية”، وذلك على حسابها في منصة “إكس” بتاريخ 6 فبراير2025
وفي مقابلة سابقة لقناة العربية في برنامج ” لقاء خاص” نُشرت في فبراير 2021، تحدثت رغد حول ما أشيع عن وجود ابنٍ للرئيس الراحل، ونفت ذلك، وقالت إن والدها أخبرهم في مطلع التسعينات، بأنه لا يوجد لديه غير الخمسة الأبناء، وذكرهم بالاسم وفقًا لرغد وهم، “عدي، قصي، رغد، رنا، حلا”، وحذرهم من ظهور شخص يدعي أنه ابن صدام حسين
تقول الصحفية ومدققة المعلومات العراقية تمارة عماد خلال حديثها لـ”المشاهد”، إنه في كثير من الأحيان، تغلب الرواية السياسية، على المعايير المهنية، القناة التي تبحث عن مادة تدين طرفًا سياسيًا معينًا -مثل الحوثيين في هذه الحالة- قد تتغاضى عن التحقق من هوية الشخص طالما أن حديثه يخدم رسالتها الإعلامية، ليصبح الخبر هنا وسيلة وليس غاية
وتشير تمارة إلى أن اسم صدام حسين لا يزال يمثل مادةً خصبةً لجذب المشاهدات، موضحةً أنه بدلًا من قيام القناة ببحثٍ حول حقيقة وصحة الرواية المتداولة من مصادر أولية أو قريبة، أو البحث في أبعادها، تكتفي بنقل ما هو متداول لتثبت حضورها في الفضاء الرقمي، وهو ما يسمى صحافة التجميع لا صحافة التحقق
وبما أن “رغد صدام حسين” تمثل المرجعية الأولى لنفي أو إثبات هذه الادعاءات وقد فعلت ذلك سابقًا، فإن استمرار القنوات في عرض هذه المقاطع يعد نوعًا من التضليل الممنهج؛ لكسب المشاهدات
فالقنوات الفضائية اليوم – وفقًا للصحفية تمارة – في صراع مع منصات التواصل الاجتماعي، مما يدفعها أحيانًا للتضحية بالدقة مقابل السبق، أو ضمان تفاعل الجمهور، معتمدة على مبدأ انشر أولًا ثم صحح لاحقًا
تقول تمارة أن العديد من غرف الأخبار في القنوات تخلّت عن وظيفة المحرر المدقق أو ما يسمى مدقق المعلومات ماقبل النشر، لصالح جامع المحتوى
وبحسب تمارة فإن القنوات تستخدم حيلة مهنية للهروب من المسؤولية، وهي استخدام جمل مثل «تداول ناشطون» أو «مقطع أثار جدلًا» أو «متداول»، إذ أنها بهذه الصيغة توهم القناة المشاهد بأنها تنقل حدثًا وهو (انتشار المقطع)، وليس بالضرورة حقيقة – محتوى المقطع – ، لكنها في الواقع تساهم في شرعنة التضليل ومنحه صبغة رسمية
بناءً على ما سبق، يمكن استخلاص أن القنوات التي وقعت في فخ التضليل أو أسهمت في إعادة إنتاجه لم تقتصر على القنوات اليمنية فحسب، بل شملت قنوات عربية وإقليمية، وهو مايؤكد على الأهمية البالغة للتحقق من مقاطع الفيديو وتدقيق المحتوى قبل نشره، كركيزة أساسية في مكافحة التضليل، خصوصًا في ظل الفوضى المعلوماتية التي يشهدها الفضاء الرقمي، والتدفق الهائل للمحتوى المرئي، بما في ذلك المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي عبر منصات التواصل الاجتماعي
وتتضاعف في هذا السياق مسؤولية وسائل الإعلام سواء قنوات أو صحف ومواقع إخبارية، في تقديم محتوى أكثر مهنية ومصداقية، في عصر تتزايد فيه الحسابات والمنصات الإعلامية غير المنضبطة، ويتراجع فيه الالتزام بمعايير العمل الصحفي المهني والموضوعي المستقل
ونجد أن بعض القنوات تنخرط في نشر محتوى مضلل بدافع تحقيق مكاسب سياسية -كما حدث في تناول فيديو المرأة التي تدعي أنها ابنة صدام حسين وتعرضها للتنكيل من قبل الحوثيين بصنعاء-
أو تقوم بتوظيفه في صراعها مع الخصوم، فضلًا عن سعيها لملاحقة “الترند” وتعزيز نسب المشاهدة والتفاعل، حتى وإن كان ذلك على حساب الدقة والحقيقة
وقوع القنوات الفضائية في فخ التضليل لا يعود دائمًا إلى الجهل أو التسرّع في النشر، بل في حالات عديدة إلى تجاهل متعمد للمعايير المهنية مقابل مكاسب سياسية أو رقمية
ما رأيك بهذا الخبر؟سعدنا بزيارتك واهتمامك بهذا الموضوع
يرجى مشاركة رأيك عن محتوى المقال وملاحظاتك على المعلومات والحقائق الواردة على الإيميل التالي مع كتابة عنوان المقال في موضوع الرسالة
بريدنا الإلكتروني: [email protected] تصلك أهم أخبار المشاهد نت إلى بريدك مباشرة
الإعلاميون في خطرمشاورات السلام كشف التضليل التحقيقات التقاريرمن نحن