كيف تصدّع التحالف بين الإمارات والسعودية؟ - [ترجمة خاصة]

منذ 3 ساعات

بقلم: أندرو إنغلاند- كانت شحنة عسكرية سرّية رست في أحد الموانئ اليمنية هي الشرارة التي كشفت أخيرًا عن التوترات المكتومة بين ثقلين خليجيين هما المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وأخرجتها إلى العلن بشكل دراماتيكي

فقد كانت الرياض، على مدى أسابيع، تحاول من دون نجاح عبر القنوات الدبلوماسية الضغط على فصيل يمني مدعوم من الإمارات للانسحاب من محافظات استولى عليها قرب الحدود السعودية في ديسمبر

إلا أن السعودية قالت إن الإمارات كانت في الوقت نفسه تشحن أسلحة ومركبات مدرعة إلى ذلك الفصيل، وهو المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي

أثار ذلك غضب الرياض، التي قصفت الشحنة، ووجهت اتهامًا علنيًا للإمارات بدعم الهجوم الذي نفذه الفصيل اليمني، ودعت أبوظبي إلى سحب ما تبقى من قواتها من الدولة التي أنهكتها الحرب

وفي حين رفضت الإمارات الاتهامات السعودية، فإنها أعلنت نيتها سحب قواتها في محاولة لاحتواء التصعيد

وأدى هذا التصعيد غير المسبوق إلى إدخال الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية في حالة من الفوضى، لكن تداعياته امتدت إلى ما هو أبعد من اليمن، إذ وضع حليفين رئيسيين للولايات المتحدة، وشريكين تجاريين كبيرين، وأبرز زعيمين في العالم العربي في مواجهة مباشرة: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، المعروف بـ«MBS»، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، المعروف بـ«MBZ»

وقال دان شابيرو، الدبلوماسي الأمريكي السابق والباحث حاليًا في «المجلس الأطلسي»: «الأمر مقلق لأنه يقوض الجهود الرامية لمعالجة كل بؤر التوتر في المنطقة — اليمن، غزة، سوريا، لبنان والسودان

وسيصبح حل كل واحدة من هذه الأزمات أصعب إذا لم تكن السعودية والإمارات على الصفحة نفسها ورأتا مصالحهما في حالة تصادم»

قبل عقد من الزمن، بدا التحالف الطويل بين الدولتين الخليجيتين وكأنه يتجه إلى فصل جديد مليء بالحيوية، تقوده طموحات زعيمين شابين نسبيًا

فالشيخ محمد بن زايد، الذي يبلغ من العمر 64 عامًا، أي أكبر من محمد بن سلمان بأكثر من عقدين، كان من أوائل الداعمين لمساعي ولي العهد السعودي لتحديث بلاده والترويج لنسخة أكثر اعتدالًا من الإسلام في المملكة المحافظة بشدة

وكانت الإمارات قد استفادت طويلًا من كونها قاعدة للشركات الأجنبية التي تمارس أعمالها في السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم وأكبر اقتصاد في الخليج

غير أن أبوظبي كانت قلقة من المخاطر الاجتماعية والسياسية التي قد تترتب على ركود الدولة المحافظة المجاورة، ورحبت بمحاولات الإصلاح

ومع تطور العلاقة بين الزعيمين، روّج محمد بن زايد لمحمد بن سلمان وخططه في واشنطن

وذهب بعض المحللين إلى أن الزعيم الإماراتي الأكثر خبرة كان بمثابة مرشد للأمير الشاب، وهو توصيف رفضته الرياض

وعلى المستوى الإقليمي، توحد الطرفان في استعراض النفوذ؛ إذ كانت الإمارات الشريك الرئيسي للرياض عندما قاد محمد بن سلمان تحالفًا للتدخل ضد الحوثيين المدعومين من إيران في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015

كما قادا معًا الحصار الإقليمي على قطر في عام 2017، الذي فجّر آخر أزمة خليجية كبرى

لكن مع تزايد ثقة محمد بن سلمان وترسيخه لسلطته، سعى إلى دفع بلاده نحو ما اعتبره دورها المستحق على الساحة العالمية، لتعود الاحتكاكات بين الملكيتين المطلقَتين الطموحتين إلى الظهور

وقال إميل هوكايم من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية: «كل طرف يرى نفسه القائد الطبيعي: السعودية تعتقد أن حجمها وقوتها الرمزية يجب أن يسودا، بينما ترى الإمارات أن قوتها الريادية تتماشى أكثر مع ديناميكيات العالم»

وفي عهد محمد بن زايد، استخدمت الإمارات نفوذها المالي وعلاقاتها مع الغرب لتصبح، رغم صغر حجمها، الدولة العربية الأكثر تأثيرًا على الأرجح

وبعد انتفاضات عام 2011 الشعبية التي هددت الوضع القائم في الشرق الأوسط، برزت الإمارات كأكثر الفاعلين الإقليميين حزمًا في سعيها للتصدي للحركات الإسلامية وإعادة تشكيل المنطقة وفق رؤيتها

وأضاف هوكايم أن السعودية والإمارات الأصغر حجمًا والأكثر مرونة «لديهما ملفات مخاطر مختلفة جدًا، داخليًا وعالميًا، ورؤى متباينة لكيفية تنظيم المنطقة»

وبرزت التوترات لأول مرة في اليمن عام 2019، عندما غيّرت الإمارات سياستها وأعلنت سحب قواتها، التي كانت تمثل القوة الأجنبية الرئيسية على الأرض ضمن التحالف الذي تقوده السعودية

وفي العام نفسه، اتهمت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض الإمارات بقصف قواتها، في وقت كانت فيه الدولتان الخليجيتان تدعمان فصائل مناهضة للحوثيين لكنها متنافسة

كما اشتدت المنافسة الاقتصادية، وبلغت ذروتها في عام 2021 عندما أطلق محمد بن سلمان حملة لإجبار الشركات متعددة الجنسيات على نقل مقارها الإقليمية من الإمارات إلى الرياض

ومنحت الشركات ثلاث سنوات للامتثال، وإلا ستخاطر بخسارة عقود حكومية مربحة

ونظر الإماراتيون إلى هذه الخطوة باعتبارها تحديًا مباشرًا لدور دبي كمركز مالي إقليمي رائد

وتفاقمت الخلافات أيضًا بشأن سوريا، والحرب الأهلية في السودان، وحصص إنتاج النفط التي يحددها تحالف «أوبك+»، الذي تعد السعودية قائده الفعلي

ومع تصاعد التوترات وانحسارها، كان الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق محمد بن زايد، يُوفد إلى الرياض لتخفيف الخلافات

ويُنظر إلى الشيخ طحنون على أنه أقل أيديولوجية من شقيقه، ويتمتع بعلاقات جيدة مع السعوديين

غير أن اتساع الفجوة بين الرياض وأبوظبي وتغير موازين القوى جعلا مهمته أكثر صعوبة، بحسب مسؤول أمريكي سابق

وقال المسؤول: «كان طحنون يزور السعودية بانتظام للعناية بالعلاقات، وكلما ساءت الأمور طالت مدة بقائه

أما الآن، ومع كون محمد بن سلمان ملكًا فعليًا، فقد تأثرت قدرة طحنون على إصلاح العلاقات»

ويرى محللون أن دول الخليج لا تزال تشترك في قواسم أكثر مما تختلف عليه، ويحرص الطرفان على الحديث عن علاقات «أخوية»

لكن الحرب في السودان وضعت البلدين على طرفي نقيض في الأشهر الأخيرة

فقد دعم الطرفان في البداية القيادة العسكرية السودانية التي تولت السلطة بعد الإطاحة بعمر البشير عام 2019

لكن عندما اشتبكت القوات المسلحة السودانية مع قوات الدعم السريع شبه العسكرية، ظهرت الخلافات

فالرياض أقرب إلى الجيش السوداني الذي تراه ممثلًا للدولة، بينما تعتقد الإمارات أنه مخترق من الإسلاميين

وتُتهم أبوظبي بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح، وهي قوات واجهت اتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وهو ما تنفيه الإمارات

وأعرب محمد بن سلمان عن مخاوفه بشأن النزاع في السودان وقوات الدعم السريع خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض في نوفمبر

وبعد وقت قصير من ذلك اللقاء، اندلعت أحدث أزمة في اليمن

ففي ديسمبر، سيطرت قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات — والتي تُعد اسميًا جزءًا من الحكومة اليمنية — على محافظتي حضرموت والمهرة المحاذيتين للحدود السعودية

وتعتقد الرياض أن أبوظبي أساءت تفسير طرح محمد بن سلمان لمسألة فرض عقوبات أمريكية على الإمارات بسبب دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع، واعتبرت ذلك بمثابة ضوء أخضر لتقدم المجلس الانتقالي بدافع الغضب من المملكة

غير أن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله وصف الربط بين أحداث اليمن والخلافات حول السودان بأنه «تحليل جامح»

وكان الصراع في اليمن قد وصل إلى حالة من الجمود بعد أن وافقت الرياض على هدنة مع الحوثيين في عام 2022، وسعت إلى الخروج من الحرب مع تركيز محمد بن سلمان على أجندته الداخلية

لكن الهجوم الانفصالي شكّل ضربة قوية لنفوذ السعودية، وكذلك للحكومة اليمنية التي تدعمها، واعتبرته الرياض مساسًا بأمنها القومي

وقال فراس مقصد، المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجموعة «أوراسيا»: «اليمن هو الفناء الخلفي للسعودية

الهجوم الذي شنته قوات مدعومة من الإمارات… تجاوز الخطوط الحمراء السعودية»

وأضاف مقصد أن قرار أبوظبي سحب ما تبقى من قواتها وفّر «مخرجًا» من تصعيد كان يمكن أن يتحول إلى مواجهة مباشرة ذات تداعيات خطيرة

إلا أنه حذّر من أن الخطر يكمن في أن الأزمة «قد تحوّل التنافس الجيوسياسي بين السعودية والإمارات إلى مواجهة شخصية بين أقوى رجلين في المنطقة»