لؤي عباس غالب : الرئيس رشاد العليمي.. حارس الدولة ومفكّك طلاسم الانفصال
منذ يوم
لؤي عباس غالب لم يكن الرئيس الدكتور رشاد العليمي نتاج تسوية سياسية تقليديه، بل استثناءً وضرورةً وخيارًا عقلانيًا فرضته لحظة تاريخية بلغت فيها الدولة اليمنية مستوى بالغ الخطورة من التفكك المؤسسي، وتعدّد مراكز القوة، وأقصى درجات الهشاشة
في ذلك المنعطف الحاد، جاء العليمي صوتًا للحكمة حين شحّت، وميزانًا للعقل حين اختلّت الموازين، وتسلّم مسؤولية الحكم في توقيت كانت فيه السلطة إدارة لأنقاض دولة تتنازعها الميليشيات والقيادات المسلّحة
وقد أثبتت الأحداث أن الرئيس رشاد العليمي هو خيار العقل وهو حظ اليمنيين الجيد، ورجل الدولة المبادر الذي أدرك، قولًا وفعلًا، أن منع السقوط شرطٌ سابق على أي حديث عن استعادة السيادة والقرار
في هذا السياق، لم يتعامل الرئيس الدكتور رشاد العليمي مع صعوبات الواقع وتحدياته بوصفها ذريعة أو مبررًا للعجز، بل بوصفها نقطة بدء
اختار أن يبني على الممكن لا أن يراهن على المستحيل، وأن يُدير الضعف قبل أن يتحدّاه، وأن يعالج الانقسام بتدرّج محسوب، دون صدامٍ متهوّر كان كفيلًا بإسقاط ما تبقّى من الدولة
كان يدرك أن الحفاظ على الإطار العام للدولة شرطٌ لازم لأي استعادة لاحقة للسيادة، وأن خسارة الإطار تعني خسارة كل شيء دفعة واحدة
لم يتعامل الرئيس الدكتور رشاد العليمي مع راية الوحدة كشعار سياسي للاستهلاك، بل كوظيفة سيادية جوهرية
حافظ على اتقاد جذوتها رغم كل العواصف، وحماها بالصبر وها هو ينشر نورها وشعلتها على اصقاع الأرض اليمنية بحكمة وحنكة ودهاء يمني أنهى الخصوم وجنب اليمن أكبر التكاليف
فرأيناه مرارا وتكرارا مقدماً المصلحة الوطنية مخترعا للحلول في سبيل بناء الدولة وتقويتها فمن أجل توحيد الإيرادات، قدّم عيدروس الزبيدي رئيسًا للجنة توحيد الإيرادات، ومن أجل توحيد المؤسسة العسكرية، قدّم قيادات المجلس الانتقالي في تنازل واضح عن اعتبارات آنية لصالح المصلحة الوطنية، حتى وإن كان ذلك على حساب حقه الدستوري والقانوني كرئيس للجمهورية بل ورأيناه يعالج كل الهفوات والتعديات التي قام بها عيدروس منها إصداره قرارات جمهورية
غير أن ما قوبل به هذا السلوك الرئاسي من قبل عيدروس الزبيدي لم يكن على المستوى نفسه من المسؤولية؛ إذ بدا واضحًا غياب الانضباط السياسي لدى عيدروس الزبيدي، وعدم احترامه لتراتب السلطة، حتى في أبسط المواقف البروتوكولية
فقد رأيناه يزاحم كرسي الرئيس في زيارات رسمية بما فيها مقعد الأمم المتحدة، وفي تمثيل الانفصال والدعوة له وهو يشـغل منصب عضو مجلس رئاسي للجمهورية اليمنية، طوال ذلك الوقت كان الرئيس الدكتور رشاد العليمي وفي كل مرة، يقدّم المصلحة الوطنية على اعتبارات البروتكول والمراسم
هذا السلوك كشف لنا كم ان فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي كبير المقام واسع الصدر يحمل بعدا وطنيا عالٍ، فضّل فيه حماية فكرة الدولة على إدارة الصراع بالرمزية، وتحمل كلفة التنازلات من أجل إبقاء الحد الأدنى من التماسك الوطني قائمًا
لكن عندما مس الأمر اليمنيين وأمنهم وسكينتهم وباشر عيدروس الزبيدي السيطرة بالقوة العسكرية المسلحة وبالدعم الخارجي الانقلاب المسلح على حضرموت وابناءها وبدأ في الاعتداء على الناس والأعيان قتلا واختطافا وتهجيرا بناء على نفس انفصالي مناطقي ضيق ودعوات لا تستقيم مع العقل، في فعل وغدر وانقلاب مكتمل الملامح، وحين تكشفت ملامح الانقلاب في بعده السياسي والعسكري والأمني والإعلامي وفوجئنا بصغار المقام ممن يفترض بهم حماية الدولة يتقافزون طعنا ونهبا لليمن في خيانة للمسؤولية والمنصب والأمانة السياسية والمؤسسية، وإعلان الاصطفاف العلني مع التمرّد، حينها جاءت لحظة الحقيقة فوقف فخامة الرئيس رشاد العليمي حاملا رأسه على كتفه وأعلن الموقف الذي لا يقبل الالتباس: لا صوت يعلو فوق صوت اليمن، وطنًا ومواطنةً، دولةً جامعة لكل اليمنيين دون استثناء
ودشن مرحلة معركة الانتصار والتثبيت النهائي للدولة ولمركز الثقل الوطني، وإعادة ضبط وتوجيه البوصلة إلى مسارها الصحيح، بحيث ضبط المعادلة الوطنية ومتغيراتها لصالح اليمن ضداً للانقلاب العيدروسي ونزعته الانفصالية
محاولة الانقلاب التي قادها الانفصالي عيدروس الزبيدي لم تكن خطرًا محليًا محدودًا، بل مشروع كسر استراتيجي هدّد بنية اليمن والإقليم معًا
فسقوط اليمن لم يكن ليعني فراغ سلطة فحسب، بل انهيار فكرة الدولة في واحدة من أكثر الجغرافيات حساسية، وفتح الممرات الحيوية أمام قوى لا تعترف بالجمهورية، ولا بالشراكة، ولا بالمواطنة المتساوية
من هنا كان الموقف السعودي المساند والأساسي لليمن ولفخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي في إنهاء الانقلاب العيدروسي وفي دعم وتثبيت السيادة اليمنية ضرورة أمن قومي إقليمي
كان فخامة الرئيس رشاد العليمي، منذ اللحظات الأولى، استثنائيًا في تعاطيه مع لحظة الانقلاب؛ مستنفرًا لهزيمته في وقت سادت فيه خطابات التهوين من خطورته على الدولة والنسيج الاجتماعي، وسرديات حاولت اختزاله بوصفه صراعًا مع الرئيس لا انقلابًا على فكرة الدولة ذاتها
وحده الرئيس ظل محتفظًا بجذوة النصر، متحركًا هو وطاقم عمله على أكثر من مسار في آن واحد: توحيد الصفوف، تقليل كلفة الدم، وتنسيق الجهود على المستويات السياسية والأمنية والدبلوماسية
لم يقطع قنوات التواصل مع الانقلابيين رغم قناعته باستحالة رهانهم، في محاولة عقلانية لإعادتهم إلى جادة الصواب، وبالتوازي طمأن الشخصيات الاجتماعية، ونسّق مع القوى الوطنية من معارضي الانقلاب وأبقى جماهير الشعب على اطلاع بكل المستجدات، وفتح خطوطًا فاعلة مع سفراء الدول الشقيقة والصديقة
وعلى الصعيد المؤسسي، بادر فخامته إلى لقاء قيادات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية والقانونية والدبلوماسية، مؤكدًا على تحييد مؤسسات الدولة ومنع انتقال عدوى الصراع إليها، في لحظة كانت فيها الدولة مهددة بالتآكل من الداخل
والحقيقة أن فخامته وطاقم عمله قدّموا نموذجًا استثنائيًا في إدارة هذه المعركة، عبر تفكيك الانقلاب سياسيًا قبل مواجهته أمنيًا
أعاد فخامته ترتيب التوازنات داخل الشرعية، وفعّل أدوات الدولة السياسية والدبلوماسية، ولمّ شتات الصفوف في وقت كان يخطط لعدوى التمرّد أن تتسلل إلى مفاصل الدولة، المدنيةً والعسكرية
إلا أن فخامته كبح التداعيات أولًا، ثم انتقل إلى الاستعداد لإنهاء التمرّد وفق رؤية دولة، تحرص على حفظ الدم اليمني، رغم ما تعرّض له من إساءات واستفزازات
فكون الرئيس رشاد العليمي رئيسا لليمن في هذه المرحلة الحساسة هو من فأل وحظ اليمنيين الجيد، ومن نحس حظ الانقلابيين العيدروسيين
ختاما ها هو الرئيس رشاد العليمي يدير المعركة وتحدياتها وتعقيداتها بطريقة استاذية استثنائية وبأقل قدر من الصدام ونراه يُفشل مشروع انقلاب كاد أن يكتمل، انتصارا لفكرة اليمن
وإن القضايا والتحديات تحل باختراع الحلول واليمن لا يُدار بالمغامرات والحماقات، ولا يُختطف بالسلاح
شكرا فخامة الرئيس شكرا للمملكة العربية السعودية شكرا للجنود المجهولين والرجال البارزين ممن أغلقوا هذا المسار الانقلابي دون رجعة
إن الاعتراف بدور الرئيس رشاد العليمي ليس اصطفافًا سياسيًا، بل توصيف عقلاني لأداء قيادي استثنائي في واحدة من أخطر مراحل اليمن المعاصر
كما أن الدور السعودي في هذا السياق لم يكن دعمًا عابرًا، بل موقف تاريخي لدولة أدركت أن الدفاع عن الشرعية اليمنية ووحدة وسيادة اليمن هو دفاع مباشر عن أمن الإقليم ذاته
شكرا وحبا وفخامة
هنا تقف المغامرة… الدولة فوق الجميع
انتهى