مأمون فندي : لماذا انقلب الرأي العام العربي تجاه السعودية؟

منذ 13 ساعات

مأمون فندي لافتٌ للنظر الفارق الكبير بين تعاطي الرأي العام العربي مع تدخل السعودية في اليمن ضد الحوثيين عام 2015، وحجم الانتقاد الذي استمر حتى عام 2022، وبين موقفه اليوم من دورها في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي، والذي يصل أحيانًا إلى حدّ تشجيع الدور السعودي

فكيف يمكن تفسير هذا الانقلاب في الرأي العام؟إن التحول في تعاطي الرأي العام العربي مع الدور السعودي في اليمن اليوم هو نتاج متغيرين أساسيين: أولهما نضجٌ في الوعي السياسي العربي بعد عامين من حرب الإبادة على غزة، وثانيهما انعكاس لتحول أعمق في بنية الصراع الإقليمي ذاته

ففي الحرب الأولى ضد الحوثيين، وُضعت السعودية في موقع الفاعل العسكري المباشر، وتحملت وحدها تقريبًا عبء الصورة الأخلاقية للحرب وتداعياتها الإنسانية

أما اليوم، فالسياق مختلف جذريًا

تشهد المنطقة مشروعًا تفتيتيًا متكامل الأركان، يتجاوز اليمن ليشمل فلسطين والسودان والقرن الإفريقي

فحرب الإبادة في غزة، والاعتراف الإسرائيلي بما يُسمى دولة أرض الصومال، ومحاولات إنتاج كيانات سياسية جديدة في السودان ومنطقة البحر الأحمر، كلها حلقات في مسار واحد يهدف إلى إعادة تشكيل المجال العربي إلى وحدات هشّة قابلة للإدماج في منظومة التفاهمات الإبراهيمية

وقد عبّر عيدروس الزبيدي صراحة عن رغبته في الانضمام إلى هذه الاتفاقات، كما أعلن قائد أرض الصومال الجديد موقفًا مشابهًا خلال لقائه وزير الخارجية الإسرائيلي

وبهذا تكسب إسرائيل مساحات استراتيجية أوسع دون أن تدفع كلفة سياسية أو أخلاقية

والمفارقة أن حرب الإبادة، رغم ما كلفته إسرائيل عالميًا، تُكافَأ إقليميًا بمنحها مزيدًا من النفوذ، من جنوب اليمن إلى أرض الصومال وصولًا إلى السودان وسوريا

في هذا السياق، يُعيد الرأي العام العربي تقييم الدور السعودي، إذ لم يعد تعامل الرياض مع المجلس الانتقالي الجنوبي يُقرأ بوصفه تشجيعًا على الانفصال، بل كإدارة صراع معقّد تهدف إلى منع انزلاق اليمن نحو نموذج التفكيك الكامل الذي يخدم المشروع الإسرائيلي غير المباشر

فالسعودية لا تقدم نفسها كقوة انتصار، بل كقوة منع، تسعى إلى سدّ الثغرات التي تتسلل منها خرائط جديدة للمنطقة

ويتجلى هذا التحول بوضوح في التزامن الدلالي بين حملة التضامن العربي الأخيرة مع الشعب الفلسطيني، التي بدت برعاية سعودية معنوية، وبين زيارة وزير خارجية إسرائيل لأرض الصومال

وكانت الرسالة مزدوجة: رفض للتطبيع التفتيتي، وتموضع سعودي متقدم بوصفه حارسًا لفكرة الأمن القومي العربي في لحظة تراجع عربي عام

لذلك لم يعد الرأي العام العربي يرى في السعودية مجرد طرف في حرب، بل فاعلًا في مواجهة مشروع إقليمي أشمل، بل وقيادة إقليمية يُنظر إليها بوصفها أكثر موثوقية في مواجهة التغوّل الاستراتيجي الإسرائيلي، والممول عربيًا في بعض الأحيان

إن تغير الرأي العام العربي تجاه السعودية اليوم يحتاج إلى قراءة جادة ومحاولة لفهم دوافع هذا التحول، خصوصًا بعدما أصبح الإنسان العربي أكثر وعيًا بطبيعة المشروعات التي تستهدفه بشكل مباشر

اصبح الإنسان العادي اكثر وعيا من دعاة التطبيع من المثقفين