مغامرة الانتقالي تعيده إلى مربع النفوذ الأول وتفقده ساحل حضرموت وشبوة

منذ يوم

اختار المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن الترحيب بمؤتمر الحوار بين المكونات الجنوبية الذي أعلنت الرياض أنها وافقت على استضافته بطلب من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي

وفيما يعتبر مراقبون أن ترحيبه بالحوار هو الموقف الصحيح ومبني على تكتيك سياسي صائب لمواكبة تطورات المرحلة المقبلة وخطوة إضافية لاحتواء التصعيد، فإن معارضين للمجلس الانتقالي الجنوبي يتوقفون عند تزامن موقفه مع سلسلة الخسائر العسكرية التي تكبدها في حضرموت وانسحابه منها عقب العملية العسكرية التي أطلقتها الشرعية لاستردادها بدعم جوي سعودي، عقب رفض المجلس الانتقالي جميع محاولات إنهاء الأزمة سلمياً، بعدما اتجه نحو التصعيد بسيطرته على حضرموت والمهرة

لكن الانتكاسة لم تتوقف عند هذا الحد لدى المكوّن الذي كان يعد خلال الفترة الماضية صاحب النفوذ الأكبر والأكثر قوة داخل الجنوب حتى ضمن الحكومة الشرعية، إذ عاد عملياً إلى مربع نفوذه الأول الذي يتركز في العاصمة المؤقتة عدن والمناطق المحيطة بها على الأقل عسكرياً

ويسود تخوف لدى البعض في أوساط المجلس الانتقالي الجنوبي من أن تكون المرحلة المقبلة مفصلية في مسيرته، خصوصاً بعد أن ذهب بعيداً في مواجهة السعودية، وتجاوز ما تعتبره الأخيرة خطوطاً حمراء في حدودها وعمقها الاستراتيجي، إلى جانب اعتماد خطاب شعبوي وتعبوي موجه إلى قواعده، تخلله ترويج إمكانية فرض وقائع ميدانية جديدة وموجهة الرياض والقوات المدعومة منها، وأن إعلان الدولة بات على بعد خطوات معدودة

لكن لم تمض 24 ساعة على بدء العملية العسكرية، حتى بدأ يراكم الانسحابات الميدانية، تحديداً في حضرموت، قبل أن تتسارع الأحداث في المهرة، وحتى في شبوة التي كانت محافظها عوض بن الوزير ممن أيدوا خطوات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة

وشكل ترحيب بن الوزير بدعوة إقامة حوار جنوبي في الرياض من دون انتظار موقف المجلس الانتقالي الجنوبي، أول من أمس السبت، إشارة إلى حجم التحول في خريطة نفوذ الانتقالي وتقلصها، خصوصاً أن محافظ شبوة كان أيد خطوات المجلس في حضرموت والمهرة، لكنه كان أول المباركين لدعوة العليمي والسعودية لإقامة حوار جنوبي ــ جنوبي، عقب دعوة شخصيات جنوبية، من مسؤولين وسياسيين، لعقد حوار تحت مظلة الشرعية وتحت إشراف السعودية للخروج برؤية جنوبية موحدة لحل القضية الجنوبية

أما في سقطرى، فرحبت السلطة المحلية ممثلة بالمحافظ رأفت الثقلي، في بيان نشره على صفحته في فيسبوك أمس الأحد، بالدعوة التي أطلقتها السعودية لعقد مؤتمر الرياض، وقالت إنها تُعبّر عن تقديرها البالغ لهذه المبادرة التي تأتي في إطار الجهود الإقليمية الرامية إلى دعم مسارات الحوار السياسي، وتعزيز فرص الوصول إلى حلول شاملة ومستدامة تسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار، لكنها في الوقت نفسه أكدت استمرار بقائها خلف المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي، قائلة إن السلطة المحلية تُشيد بالدور الوطني الذي يقوم به المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الأخ القائد عيدروس الزُبيدي، في التعاطي المسؤول مع مختلف الاستحقاقات السياسية، وتمثيل تطلعات شعب الجنوب، والعمل على إيصال صوته عبر القنوات السياسية والحوارية، بما يعكس التزاماً واضحاً بالحلول السياسية واحترام الشراكات الإقليمية والدولية

 وتُظهر هذه التحولات أن نتائج ما جرى في الأيام الماضية في حضرموت والمهرة وشبوة، ومعها تحول الموقف نسبياً في سقطرى، هي أن المجلس الانتقالي الجنوبي خسر وجوده العسكري المباشر في هذه المناطق، وعاد حضوره مجدداً في نطاق جغرافي محدد، أي محافظات عدن وأبين ولحج والضالع

مع العلم أن العليمي وجه إنذاراً للمجلس، وطلب منه التراجع عن إجراءاته الأحادية في جميع المحافظات، ما يشير إلى ما قد تحمله المرحلة المقبلة من توجه إلى تحجيم نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي في هذه المناطق، لكن مع إدراك لعدم القدرة على إقصائه، لا سيما في ظل وجود بيئة حاضنة شعبية تؤيد توجهاته

خيارات محدودة وإزاء هذه التطورات، وجد الانتقالي نفسه أمام خيارات محدودة؛ إما التمسك بنهجه التصعيدي، لكن هذه المرة سياسياً، أو التجاوب مع الدعوة إلى مؤتمر الحوار الجنوبي ــ الجنوبي وما سينتج عنه من مخرجات في ما يخص القضية الجنوبية، حتى لو كانت بعيداً عما يسمى الإعلان الدستوري الذي أعلنه قبل أيام ويتضمن مرحلة انتقالية مدة سنتين، يعقبها إجراء استفتاء لتقرير المصير في جنوب اليمن خصوصاً أنه يدرك صعوبة تطبيق الأمر

ويرى مؤيدو هذا المسار أنه الأنسب من أجل تثبيت مكاسب سياسية والتجاوب مع متطلبات المرحلة

 وفيما لا يزال الكثير من تفاصيل الحوار الجنوبي غير مكتمل، خصوصاً بشأن موعده وبدء التحضيرات له وآليات مشاركة المكونات الجنوبية فيه، لا سيما مع توقع بروز محاولات للمجلس الانتقالي الجنوبي لفرض نفسه صاحب النفوذ الأقوى، حاول المجلس في مواقفه الأخيرة تصوير أن ما حصل في حضرموت والمهرة أعاد وضع الكثير من الأمور في نصابها، وفتح أمامه وأمام القضية الجنوبية آفاقاً جديدة

ومن هذا المنطلق، جاء الموقف المرحب من المجلس وحلفائه (القوى الموقعة على الميثاق الوطني الجنوبي في مايو/أيار 2023)، بدعوة السعودية إلى الحوار من موقع قوة، باعتباره أداة لتعزيز قضية شعب الجنوب، لا التفريط بها، مؤكداً أن الجنوب لن يُفرض عليه إلا ما يختاره أبناؤه

وشدد بيان المجلس، أول من أمس السبت، على أن أي حوار جاد يجب أن يقوم على الاعتراف بإرادة شعب الجنوب، وبسقف واضح، وإطار زمني محدد، وضمانات إقليمية ودولية كاملة، وينتهي باستفتاء شعبي حر لشعب الجنوب، مع رفض تكرار الحوارات المُفرغة أو أي حلول مرحلية أو التفافية

تحولات سياسية مهمةوكتب رئيس الهيئة السياسية في المجلس الانتقالي الجنوبي أنيس الشرفي، في منشور له على فيسبوك أول من أمس السبت تعليقاً على ما حدث في حضرموت والمهرة والدعوة إلى حوار جنوبي ــ جنوبي في الرياض: ‏شكّلت تطورات شهر ديسمبر (كانون الأول الماضي) تحوّلاً سياسياً مهماً، أنهى سياسة تجاهل وتأجيل قضية شعب الجنوب، إذ جاء بيان الإعلان السياسي الصادر عن المجلس الانتقالي الجنوبي، ثم دعوة السعودية لرعاية حوار جنوبي، لتترجم رفع قضية شعب الجنوب إلى صدارة أولويات جهود السلام، منهية بذلك رهن حلها بأزمات الشمال، كما أسفرت أيضاً عن مكاسب استراتيجية أبرزها إخراج القوات الشمالية من وادي وصحراء حضرموت والمهرة، وتكريس مبدأ خلو أرض الجنوب من أي وجود عسكري شمالي

وبهذا، وفق الشرفي، كسب شعب الجنوب جولة سياسية جوهرية، وهو جوهر مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي القائم على حماية القضية والعمل لاستعادة وبناء الدولة الجنوبية كاملة السيادة

في المقابل، قال مصدر سياسي في قيادة الائتلاف الوطني الجنوبي الذي يترأسه أحمد العيسى، ويضم أحزاباً ومكونات سياسية من المعارضين للمجلس الانتقالي الجنوبي، لـالعربي الجديد، إن المجلس لم يكن ليرحب أو يقبل بحوار الرياض لو حدث ذلك قبل أزمة حضرموت والمهرة، وقبل أن يخسر الكثير من النفوذ العسكري والسياسي وحتى الاقتصادي، بعد تحديه الرياض

ولفت إلى أن الانتقالي كان يرفض، وأعتقد أنه ما زال يرفض، أي حوار لا يمكن أن يكون وفق هواه، ومع ذلك، هناك أمل أن يجلس مع الجنوبيين المختلفين معه في الرأي على طاولة واحدة مثل ما يجلس مع الأطراف من خارج الجنوب

ومع ذلك، فإن من بين المرحبين الكثر بحوار الرياض والمعارضين منذ البداية لخطوات المجلس الانتقالي الجنوبي من يرون أنه ارتكب مغامرة في حضرموت والمهرة

وقال عدنان السيد، المقرب من وزير الداخلية السابق أحمد الميسري والناطق باسم المقاومة الجنوبية المعارضة للمجلس الانتقالي الجنوبي، في منشور على فيسبوك السبت الماضي، إن ما أقدم عليه المجلس الانتقالي الجنوبي منذ ديسمبر أكبر خطأ استراتيجي في تاريخه السياسي، حين اندفع نحو وادي حضرموت والمهرة، في خطوة اتسمت بسوء التقدير وكانت بمثابة انتحار سياسي، اكتمل مشهده مع شهر يناير (كانون الثاني الحالي)

ومنذ ذلك الحين، وهم في حالة ارتباك وتخبط، تتساقط أوراقهم تباعاً، حتى لم يعد في أيديهم ما يُراهنون عليه

وأضاف: نحن اليوم أمام لحظة مفصلية؛ لحظة استعادة الدولة، واستعادة مؤسساتها العسكرية والأمنية، لا سيما في محافظة شبوة

وهناك استعداد واضح للدخول في مفاوضات مباشرة