هاني سالم مسهور : لماذا لن يرتقي الحوثيون إلى عرش حزب الله؟

منذ 9 ساعات

هاني سالم مسهور ليست المسألة مسألة انتصار عسكري ولا استعراض سياسي، فالحوثيون، مهما حاولوا، سيظلون عالقين في الهامش، مجرد أداة في يد طهران لا أكثر ولا أقل

لا إيران تراهم كحزب الله آخر، ولا الشيعة الاثنا عشرية يعترفون بهم جزءًا من نسيجهم العقائدي، ولا حتى الحلفاء المحتملون داخل محور «المقاومة» يضعونهم في خانة الندّية

كل ما يحدث، وكل ما يسعون إليه، مجرد محاولات يائسة للفرار من مصيرٍ محكوم مسبقًا

في بيروت، وبين مواكب الحزن الرسمي على حسن نصر الله، ظهر الحوثيون بأكثر صورهم هشاشة، متذللين، متملقين، يطلبون الاعتراف حتى في حضرة الموت

المقاطع التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن مجرد صدفة عابرة، بل كانت انعكاسًا لحقيقة مرّة: الحوثيون غرباء حتى بين أبناء المحور الذي يرددون شعاراته

في لحظة الحقيقة، لم يُنظر إليهم كشركاء، بل كأدوات، كوافدين غير مرغوب فيهم

وفي المقابل، جاءت ردود الفعل من اللبنانيين والعراقيين والسوريين وحتى الإيرانيين مليئة بالازدراء والسخرية

نظرات اللبنانيين إلى وفد الحوثي، الامتعاض الظاهر على الوجوه، وحتى التعليقات الساخرة على منصات «إكس» و«فيسبوك»، كلها تؤكد أن هناك فجوة لا يمكن ردمها

«الحوثيون ليسوا حزب الله، ولن يكونوا»

كلما حاول الحوثيون إثبات ولائهم لإيران، اصطدموا بجدار العقيدة

لا يمكن لمذهبهم الزيدي أن يندمج في بنية التشيع الاثنا عشري الذي يحكم إيران والعراق ولبنان

الخلاف ليس هامشيًا، بل جوهري في تصور السلطة الدينية

الزيدية ترى أن الإمامة ليست غائبة، بل موجودة ومتسلسلة، وهي هنا متمثلة بعبد الملك الحوثي نفسه، الذي يمنح نفسه شرعية أعلى حتى من شرعية ولي الفقيه في طهران

هذا الخلاف العقائدي كان ولا يزال سببًا في النظرة الدونية التي تتعامل بها المؤسسة الدينية الإيرانية مع الحوثيين

فهم، في نظر رجال الدين في قم والنجف، مجرد فرقة منشقة لا تستحق الاعتراف الكامل، لكنها مفيدة كأداة ضغط سياسي وعسكري

وحتى في المشهد العام داخل المحور، فإن الحزب الحاكم في العراق والمليشيات العراقية ترى الحوثيين أقلية دخيلة، وليسوا جزءًا أصيلًا من المشروع الإيراني

لطالما حلم الحوثيون بأن يصبحوا «حزب الله الجديد» في المنطقة، لكن الواقع يثبت أنهم مجرد نسخة مشوهة، لا تملك الشرعية الدينية ولا البنية السياسية ولا القبول الإقليمي

حزب الله لم يصبح قوة إقليمية بين ليلة وضحاها، بل عبر سنوات من بناء التحالفات، والتغلغل في المجتمعات، واكتساب الشرعية من إيران كامتداد مباشر لولاية الفقيه

أما الحوثيون، فلا يملكون هذه المزايا

هم مجرد مليشيا قبلية، نشأت في ظروف الحرب، وتعتمد على الدعم الإيراني

حتى الاستقلالية السياسية التي يتمتع بها الحوثيون هي نتيجة تواطؤ من حزب التجمع اليمني للإصلاح والمؤتمر الشعبي العام وسوء تقدير إقليمي

أسلوبهم في الترويج لانتصارات مزيفة، وادعاء «إخضاع أمريكا وإسرائيل»، قد ينطلي على أتباعهم في الداخل اليمني، لكنه يُقابل بالسخرية في الخارج، خاصة في لبنان وإيران، حيث يعرف الجميع الفرق بين المبالغة الإعلامية والحقائق العسكرية

إيران لا تحتاج إلى حلفاء متساوين، بل إلى أدوات تنفذ سياساتها

وحينما يصبح الحليف عبئًا أكثر مما هو ورقة ضغط، فإن إيران مستعدة لرميه عند أول تسوية

هذا هو واقع الحوثيين في علاقتهم بطهران: لا أحد يرى فيهم أكثر من بندقية مؤقتة يمكن الاستغناء عنها بمجرد انتفاء الحاجة

إيران دعمت الحوثيين كوسيلة لابتزاز السعودية والخليج، ولإبقاء الضغط مفتوحًا على الممرات المائية، ولكنها لم تمنحهم يومًا الدور المركزي الذي يحلمون به

على العكس، طهران تدرك أن الحوثيين حركة تفتقر إلى الخبرة السياسية والتاريخ الديني الذي يؤهلهم للعب دور قيادي في محور المقاومة

حزب الله تطور ليصبح كيانًا شبه مستقل، أما الحوثيون فهم مجرد مليشيا أخرى ضمن قائمة الأدوات التي تستخدمها إيران، لكنها لا تعترف بها كشريك حقيقي

يمكن للحوثيين أن يحاولوا، ويمكنهم أن يصنعوا ضجيجًا إعلاميًا عن بطولاتهم في البحر الأحمر، لكن الحقيقة التي لن تتغير أنهم ليسوا ولن يكونوا قادة لهذا المحور

مهما قُتل من زعماء حزب الله، ومهما كان سقوط نظام بشار الأسد مؤلمًا لإيران، لن يكون عبد الملك الحوثي يومًا زعيمًا لمحور المقاومة، ولن يُنظر إليه إلا كقائد مليشيا قبلية متخلفة، وظيفتها محددة سلفًا

لا إيران تراهم جزءًا من كيانها العقائدي، ولا الشيعة العرب يمنحونهم الاعتراف الكامل، ولا حتى بيئتهم المحلية في شمال اليمن ترى فيهم نموذجًا سياسيًا قابلًا للاستمرار

الحوثيون محكومون بالبقاء في الهامش، مهما حاولوا الفرار من مصيرهم

وإن كان هناك درس واحد يمكن استخلاصه من جنازة نصر الله، فهو أن الزمن لا يصنع القادة، بل العقيدة والمكانة السياسية، وكلاهما يفتقر إليهما الحوثيون

نقلا عن العين الاخبارية