هل يتمكن من إعادة التموضع.. سلسلة أخطاء قاتلة ارتكبها أبوزرعة المحرمي بحقه وبحق قوات العمالقة!

منذ يوم

كتب هاني بن بريك القيادي السلفي في المجلس الانتقالي الجنوبي، السبت الماضي الثالث من يناير، على صفحته بتويتر أن السعودية توظف القرآن والدين والسنة والتدين وسيلة للاستقطاب، كما أنها تمكن الحوثيين والدواعش والإرهاب وتدعمهم في جنوبي اليمن

هاني بن بريك وزير سابق بالحكومة سلفي له تحولات مثيرة منذ بدء ظهوره في المجال العام باليمن بعد غزو الحوثيين عدن

كان مناهضاً بشدة للانفصال ثم تحول إلى انفصالي متطرف، وكان سلفياً موالياً للدولة ثم خرج عليها، وكان سلفياً فكره ينبع من السلفية السعودية ثم تحول إلى الميكافيلية كما في منشوره الأخير

ارتبط اسم هاني بن بريك بملف الاغتيالات التي طالت دعاة ومقاومين وسياسيين ونشطاء في عدن في موجة ضربت المدينة في السنوات الأولى من تحريرها، وفي 2019 ظهر في أحد تصريحاته متعهداً بمواجهة السعودية وقال إن الإنفصاليين لن يكونوا أقل قوة من الحوثيين في مواجهة الغارات الجوية

 أثناء تدحرج بن بريك في مسار هذه التحولات العجيبة كان هناك قيادي سلفي آخر يعرف باسمه فقط ولا أحد يعرف صورته يدعى أبوزرعة المحرمي، يقود قوات العمالقة السلفية التي بدأت التشكل من المقاومة الشعبية بعد تحرير عدن 2015، وتوجهت لقتال الحوثيين، وحققت حضوراً لافتاً في المعارك التي دارت على امتداد الساحل الغربي لليمن من لحج إلى الحديدة

تجادل بعض الآراء بأن المحرمي سار على نهج بن بريك ولكن بطريقة أثرت بشدة على قوة كبيرة تدعى العمالقة كان لها مكانتها وهيبتها

 الأخطاء القاتلة: في الأسابيع الماضية ومع تصاعد الأزمة التي تسبب فيها اجتياح تشكيلات مسلحة تتبع المجلس الإنتقالي لمحافظتي حضرموت والمهرة، صدرت فتاوى عن عدد من شيوخ وكبار المرجعيات السلفية بالسعودية تؤكد وجوب طاعة الرئيس رشاد العليمي كرئيس شرعي للبلاد وفقاً لمذهب أهل السنة الذي يوجب طاعة ولي الأمر بل ويحرك الخروج عليه، وبالتالي فإن سلسلة الفتاوى السعودية وبعض الفتاوى الصادرة عن مرجعيات سلفية محلية، كما في مركز الفيوش تقريبا التي صدرت خلال الأيام الماضية، التي تؤكد وجوب طاعة رشاد العليمي، رفعت الغطاء الفكري الكامل عن موقف أبوزرعة المحرمي والسلفية التي معه، بما يشمل ذلك قوات العمالقة

يشكل السلفيون قوام قوات الحزام الأمني والدعم الأمني ذي الصيت السيء بعدن

السلفية التي تقاتل ضد الفكر السلفي السعودي تصنف على السلفية الجهادية، (مثل القاعدة وتنظيم الدولة داعش) وأيضا السلفية التي تحولت إلى ولاء الإمارات ضد السعودية، ويجسد بن بريك وأبوزرعة حالة مثيرة ومتشابهة ومكررة

 بعد تحرير عدن نفذت شركة أمنية أمريكية إسرائيلية أكثر من مائة اغتيال لقادة المقاومة والأئمة والخطباء والمدرسين والتربويين، وغيرهم لصالح الإمارات في فترة قياسية لا تتجاوز سنتين كما تظهر التحقيقات القضائية والإعلامية

كان أبوزرعة المحرمي يعمل بدعم الإمارات على مواجهة الحوثيين في الساحل الغربي، ملتزما الصمت التام والمطبق على تلك الاغتيالات بينما كان آمناً تماماً وهو يرى كثيرين بعضهم ربما كانوا رفاقه يخرون قتلى في شوارع عدن وأزقتها ومنازلهم وأعمالهم ومدارسهم وحتى مساجدهم، بينما كان رفيقه هاني بن بريك منخرطاً في الإشراف المباشر على تلك العمليات لصالح الإمارات حسب ما ورد في تحقيقات متهمين ووثقت إفاداتهم في تحقيقات النيابة العامة

يفسر بعضهم موقف أبوزرعة المحرمي بأنه نموذج جيد للدلالة على انتزاع الإمارات التيار السلفي من السياق السعودي وإعادة هندسته على أنه أداة خاصة شديدة الخطورة بيد أبوظبي تصل درجة خطورته حتى ضد السعودية

ويستدل هذا الرأي بأن النموذج السلفي الذي لم يكن متوافقا مع الإمارات لم يعد له وجود في عدن، فقد قضى معظمهم اغتيالاً

 في الفترة بين مارس2015 وحتى ديسمبر2017 كان طارق صالح يقود معركة الحوثيين ضد الحكومة الشرعية في المخا وباب المندب وذباب بتعز، وبالجهة الأخرى كان سيف المحرمي رئيس الأركان بالجيش اليمني وخال أبوزرعة يواجههم

قضى سيف المحرمي في الساحل بقصف قوات طارق والحوثيين

في 2017 لم يعد طارق وعمه إلا عبئا على الحوثيين فتخلصوا من صالح وفر طارق، وشكلت له الإمارات قوات جديدة تمركزت في الساحل نفسه، ولكن هذه المرة لم يعد مواجها للعمالقة ولكنه قائد للقوات المشتركة أي حتى للعمالقة

وظهر أبوزرعة فاقدا للقدرات القيادية والأخلاقية

 العصبية المناطقية الشديدة تجلت به مرارا وعلى نحو خطير يمس بنية قوات العمالقة ذاتها، إذ عمل على فرز قوات العمالقة التي ينحدر أفرادها من مناطق تهامة على نحو منفصل عن الألوية المنحدرة من عدن ولحج والضالع وأبين

تقول مصادر أخرى إنه أحدث تمايزا أيضا مع قوات سلفية من تلك المحافظات لكنها محسوبة على السعودية وبعضها قوات حكومية مثل اللواء الذي يقوده المحضار

كما يشار إليه بأنه مسؤول عن تفكيك لواء العمالقة الذي كان يقوده أبوذياب العلقمي في سواحل محافظة تعز

 أواخر 2021 انسحبت قوات العمالقة والقوات المشتركة أكثر من 110 كيلومتر من الحديدة بدون سبب وجيه حتى الآن ولا أحد يعرف لماذا وبسرعة هائلة

الاستجابة التامة لذلك الانسحاب يكشف أن الرجل لم يستطع خلق هامش مناورة له مع الإماراتيين بعد سبع سنوات من العمل لديهم، وإنما ظهر منفذاً لكل ما يقولونه فاقداً أي خيال سياسي أو سلوك قيادي

 بالانسحاب من الحديدة، ظهرت لديه العصبية المناطقية بأسوأ صورها، حتى ذلك الوقت كانت العمالقة لها احترامها ومكانتها وشرعيتها من مواجهة الحوثيين، بدون مقابل وبلا مبرر قبل تسميتها كليا باسم العمالقة الجنوبية دون إجابات عن أسباب هذا التحول القاتل

   في أبريل2022 ظهر أبوزرعة باسمه وصورته: عبدالرحمن بن صالح المحرمي، عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، ودخل إلى السلطة والسياسة من أوسع أبوابها محسوبا على الإمارات في مواجهة المحسوبين على السعودية ولكن بالمقومات القيادية الصفرية، بعد أربعة أشهر تماما من دخوله مجلس القيادة نقض اليمين الدستوري متجاهلا صورته السلفية، وأشرك قواته في الاعتداء على قوات الجيش والشرطة بشبوة

أعاد بعض قوات العمالقة من جبهة بيحان إلى عتق في شبوة، وبمجرد عودتها شنت هجوماً على قوات الجيش وباستخدام الطيران المسير الإماراتي

لم يقدم أي تفسير ديني لما أقدم عليه، أما دستورياً وقانونياً فقد ارتكب بهذا جنايات كبيرة توجب محاكمته

أعاد تكرار الجريمة في أبين بينما كان الانقسام صادماً في شبوة والدماء ما زالت تسير في رمال شبوة

وبنفس الطريقة ضارباً تحركات وتوجيهات العليمي عرض الحائط

خوض حرب في شبوة ضد الجيش والقوات الحكومية كان أحد أهم مشاهد التبدل الكلي الذي يمر به أبو زرعة ويفقد العمالقة قوتها وشرعيتها عند الناس التي كانت نابعة من ضمن أمور أخرى من الإجماع حول دورها

الخروج على القيادة وولي الأمر مع الاستمرار في نفس المنصب ليس شهيراً في البنية السلفية، فهو محظور عند المدرسة السلفية بكل أنواعها، والخوارج يتبرأون ممن خرجوا عليهم إلا أبوزرعة لا التزم ولاية الأمر ولا أعلن البراءة ممن خرج عليه

 بعد انضمامه إلى مجلس القيادة وسلسلة التحولات الخطيرة التي ارتكبها، أعلن انضمامه رسمياً للإنفصاليين، حانثا العهد، واليمين، وعين نائباً لرئيس المجلس الانتقالي، ثم شاركه التمرد على الشرعية، وبغضون ثلاث سنوات فقط، تحول المحرمي أبوزرعة من مقاوم للحوثيين إلى مقاتل ضد الحكومة التي يعمل فيها وباسمها، ثم متمرد خرج عليها

 الخفة التي ظهر بها المحرمي جعلته يدخل في نزاع شديد حتى مع أبسط المسائل: إذ اقتحمت قواته موانئ عدن قبل أشهر بالقوة، لإدارته، وتلك منطقة إيرادية ضخمة، ونازع جهاز مكافحة الإرهاب الرسمي مهامه ونطاق عمله في الميناء

في وقت سابق ظهر مقتحماً مع مسلحيه لأحد مكاتب رئاسة الجمهورية دون مبرر وطرد العاملين فيه وأغلق المكتب، واستخدم نفوذه لتبرير الاقتحام لأنه يحمل صفة المجاهد كما ظهر في صيغة خبر وكالة سبأ الرسمية

 القدرات السياسية للمحرمي تصل إلى أقلها، لم يعقد اجتماعاً واحداً مع كبريات الأحزاب مثل الإصلاح والمؤتمر والاشتراكي، لم يعقد اجتماعات مع قوى منافسة من السلفية نفسها، ولم يقابل شيوخا قبليين ووجاهات اجتماعية في مجتمع تغلب عليه البنية القبلية

 وعندما تولى مكافحة الفساد لم يصل إلى شيء، وعلى العكس من ذلك يبدو أنه تورط لحماية أحد كبار التجار الموردين للوقود الذي صار يمتلك بنكاً ومجموعة تجارية من شراء الوقود الملوث للكهرباء وفق التقارير الحكومية

 قوات العمالقةتواجه قوات العمالقة مصيراً غامضاً، لا يعرف ترتيب تنظيمي واضح لقادة العمالقة، تختلف التقارير حول قوامها

اسم العمالقة كان منسوباً لقوات يمنية جمهورية قوية، حتى سقوط صنعاء

وسميت هذه القوات بالعمالقة تيمناً بها على الأرجح

تعرضت العمالقة لتجريد من قوتها المكونة من طبقات متعددة، عندما حولتها أبوظبي إلى أداة للصراع ضد الحكومة والجيش بدلاً من العمل تحت قيادتها ولدعم الشرعية

كما لم تقدم نفسها سابقاً على أنها طرف في الصراعات داخل الحكومة والانتقالي

وحتى منتصف مطلع 2022 كانت تسمى ألوية العمالقة، ثم قبلت دون تبرير وبشكل صادم تحويل نفسها إلى قوات العمالقة الجنوبية، فتحولت من قوة وطنية يمنية إلى قوة انفصالية بعد سنوات طويلة من تمييز نفسها عن قوات الإنفصاليين

أيضا كانت تعرف نفسها ويعرفها الناس على أنها قوة لمواجهة الحوثيين، أي أنها أشبه بجيش حقيقي لا يتصادم مع المكونات الأخرى داخل المقاومة والشرعية

كانت أيضا على تنسيق مع قوات الحماية الرئاسية وفق مصادر عسكرية مطلعة، وكان تنسيقها قوياً أيضاً مع الألوية المحسوبة على السعودية في ساحل تعز والحديدة

 قوات العمالقة أيضاً كانت قوة واضحة أنها مع الدولة، ثم تحولت إلى الغموض بسبب الانسحاب المفاجئ، ثم التحول التدريجي نحو الإمارات ضد السعودية، ثم القتال ضد الحكومة والسعودية في أكثر من جبهة، مثل شبوة والحديدة والآن في الشرق اليمني

 وأمام التطورات الجارية التي حصلت مؤخرا وانكسار المشروع الانفصالي، تبدو الخيارات أمام العمالقة محدودة ولكن مهمة، خاصة أن بعض تلك القوات مازالت في الجبهات

ومن الخيارات المحدودة أمام العمالقة أولا التخلص من الاندماج الخطير ضمن مشروع الإنفصاليين، خاصة بعد ما صاروا يصفون السعودية بالعدو والاحتلال، ومجاهرتهم بكل جرأة بالاستعداد للتطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي مقابل حصولهم منه على الاعتراف بدولتهم الموعودة

لا يعرف إلى أي حد يمكن للعمالقة إعادة علاقتها مع السعودية على مستويات عديدة، خاصة في ظل الهزيمة التي لحقت بالإنفصاليين، ولكن من المهم على قوات العمالقة إعادة إصلاح علاقتها مع الحكومة اليمنية الشرعية، والاتساق مع أهدافها والاندماج في القوات الحكومية، والعمل تحت القوانين اليمنية والترتيب للعسكري، لاستعادة ما فقدته من نقاط القوة والشرعية، وبما يؤدي أيضا إلى إصلاح علاقتها لاحقا ضمن الجيش بالمملكة العربية السعودية، على أن ذلك يعني أن تعمل على المستوى الفكري على مراجعة شاملة بما يؤدي إلى عودتها إلى السلفية التي لا تمزق الدولة الوطنية ولا تخرج عن الحكومة والقوانين والدستور، ولا تتحول إلى جيش خاص خارج القوانين