همدان العليي : الانتقالي يسلك مسار "إنهاء الدولة" لخلق كيانات جديدة

منذ 3 ساعات

همدان العليي في يناير 2018 تعاقد المجلس الانتقالي مع شركة Grassroots Political Consulting الموجودة في واشنطن للتسويق لمشروعه وتقديم استشارات سياسية وتأثير داخل الولايات المتحدة

وفي 6 يونيو 2024 أبرم المجلس اتفاقا مع شركة Independent Diplomat, Inc لتقديم خدمات استشارية سياسية ودبلوماسية

هذا ما ظهر من تعاملات واتفاقيات مختلفة أبرمها الانتقالي (خلال السنوات السبع الماضية وبدعم إماراتي) مع شركات غربية لمساعدته في تحسين قدرته على التواصل مع الحكومات والمؤسسات الدولية وبما يساعد على التسويق لخطاب تقرير المصير

!مثل هذه الأنشطة بلا شك مكنت الانتقالي من الاحتكاك بمؤسسات دبلوماسية وقانونية غربية، مما ساهم في ترسيخ قناعة لدى قياداته مفادها صعوبة تحقيق أي إنجاز في مشروع التقسيم من خلال استخدام سردية احتلال الشمال للجنوب

فهي سردية مناسبة لدغدغة عواطف عامة في الجنوب، لكنها لا تصلح لإقناع المجتمع الدولي بفصل الجنوب اليمني عن الشمال

لأن الوضع السياسي في الجنوب لا يسمى -من الناحية القانونية- احتلالا خاصة والجنوبيين مشاركين وبشكل أساسي في كل تفاصيل المشهد السياسي والاقتصادي والعسكري والإداري في البلاد

لكن ما هي الطريقة المتاحة لتقسيم اليمن؟ أي خبير قانوني سيجيب على هذا السؤال بالحديث عن مسارين لا ثالث لهما:الأول: المسار الدستوري، وهو المسار الذي قاد إلى انفصال جنوب السودان

غير أن هذا المسار يستحيل تطبيقه في المرحلة الراهنة، نظرا لأن اليمن يعيش حالة حرب مفتوحة تسببت في إشكالية داخل البنية المؤسسية، ولأن عاصمة البلاد واقعة تحت سيطرة جماعة مصنفة دوليا إرهابية

يفترض هذا المسار عودة مؤسسات الدولة وممارسة صلاحياتها بشكل كامل من عاصمة البلاد الفعلية

بعدها يتم التقدم بمقترح تعديل دستوري من قبل رئيس الدولة أو البرلمان، يليه التصويت عليه داخل البرلمان

وتختتم هذه العملية باستفتاء شعبي عام على دستور جديد، ينص صراحة على منح أي جزء من اليمن حق الانفصال وتأسيس دولة مستقلة

عندها تعترف الدولة الأم بهذا الكيان المولود، وهو ما يعني اعتراف المجتمع الدولي به أيضا

المسار الثاني: وهو الذي يعتمد على عملية انهاء الدولة

أي صناعة دول جديدة من تحت الأنقاض

!بالرغم من أن هذا الأمر نادر الحدوث، لكن البعض يرى أنه في حال دخلت الدولة الأم في مرحلة الفناء ولم يعد لمركزها القانوني أي وجود أو تمثيل رسمي داخل الدولة وخارجها، فهذا قد يجعل المؤسسات الدولية تعترف بكيانات وليدة خرجت من تحت أنقاض الدولة المتلاشية

ومع ذلك، يبقى اعتراف الدول الكبرى بمثل هذه الكيانات نادر جدا

يعتمد هذا المسار على اجتهادات محدودة في القانون الدولي ترى أن الاعتراف بأي كيان جديد قد يصبح ممكنا شريطة زوال المركز القانوني للدولة الأم بالكامل

أي توقف التعامل معها كعضو في النظام الدولي وعدم الاعتراف بها

هذا المسار -غالبا- يقابل بتحفظ شديد من غالبية الدول خشية انتقال عدوى فيروس الانفصال إليها

يمكن الاستشهاد بتفكك دولة يوغوسلافيا الاتحادية لفهم هذا المسار أكثر

فاعتراف العالم بالدول الجديدة لم يحدث لمجرد أعلنت هذه الكيانات انشاء نفسها من جهة أحادية، بل جاء بعد انهيار فعلي للدولة الأم وانتهاء شخصيتها القانونية وتحت إشراف مباشر من الأمم المتحدة ولم يتم هذا الأمر إلا بعد مراحل طويلة شملت المحاكم الدولية والعقوبات والوساطات والاتفاقيات وقد تعامل معها العالم باعتبارها دولا جديدة تشكلت من ركام دولة منتهية، وليس أقاليم منشقة من دولة قائمة

!بالعودة إلى المجلس الانتقالي، يمكن القول إنه توصل خلال السنوات الماضية إلى قناعة مفادها أن المسار الأول (الدستوري) مستحيل في الوقت الحالي

فالمعضلة أمامه ليست في تسويق مطلب تقرير المصير سياسيا على المستويين الإقليمي والدولي، بل في غياب الإطار القانوني الذي يمكنه من تحقيق ذلك ويدفع دول العالم للاعتراف بهم كدولة جديدة

!!وفي هذه الحالة التي يظهر فيها المسار الدستوري مستحيلا، يبقى الخيار المناسب –من وجهة نظر تيار متشدد داخل الانتقالي- هو استهداف المركز القانوني للدولة، من خلال استمرار حالة الفراغ السيادي والانقسام القائم وعدم قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها وبقاء سيطرة الحوثيين شمالا

هذه البيئة –في اعتقادهم- هي الوحيدة التي قد تنتج قبولا دوليا استثنائيا بدولة جديدة

!تم الدفع بالقوات الانتقالية إلى حضرموت والمهرة، وهذا مسار ينتج الحالة المذكورة أعلاه ويساعد على تمكين الحوثيين في المناطق الشمالية

 يعتقد الانتقالي بأن هذه الخطوة كفيلة بإلغاء الشخصية القانونية للدولة اليمنية بشكل كامل بما يسهل ظهور دولة في الجنوب يديرونها هم، ودولة اخرى للحوثيين في الشمال ومع مرور الوقت يستطيعون انتزاع الاعتراف في حال فشلت الحكومة اليمنية الإيفاء بالتزاماتها كونها غير متواجدة على الأرض

بالرغم من خطورة هذا المسار، إلا أنه في الحالة اليمنية يصطدم بجملة من المصدات التي تمنع تحقيق أهدافه

 بلا شك الحكومة اليمنية اليوم في أضعف حالاتها، وحتى لو قبلنا توصيفها بالفاشلة كما يقول الانتقالي في ظل سيطرتها المحدودة داخليا ووجود قيادتها خارج البلاد، فإن ذلك –في القانون الدولي- لا يعني الانهيار الشامل للدولة

 حتى لو افتراضنا حدوث انهيار وظيفي عميق، فهو من الناحية القانونية الدولية لا يبرر إعادة إنتاج دول جديدة معترف بها عالميا

!البعض يقول بأن وجود الرئاسة والحكومة اليمنية لفترات طويلة خارج البلاد، ينزع عنها المشروعية ويقضي على المركز القانوني للدولة، وهذا غير صحيح

هناك سوابق تاريخية تؤكد عدم صحة ذلك

ففرنسا (أربع سنوات) وهولندا (خمس سنوات) وبلجيكا (اربع سنوات) أدارت شؤونها لسنوات كاملة خلال الحرب العالمية الثانية من داخل لندن ولم تنته الشخصية القانونية لهذه الدول

أما بولندا وهي حالة أكثر تعقيدا، فقد بقيت حكومتها في المنفى حوالي 50 عاما مع وجود سلطة أمر واقع (شيوعية) داخل البلاد، ومع ذلك لم يتم الغاء الدولة البولندية

هذه النماذج تؤكد أن طول الغياب أو ضعف السيطرة على الأرض لا يعني انتهاء الدولة، ما دام الاعتراف الدولي قائما، وهذا بطبيعة الحال يعني عدم الاعتراف بأي خطوات انفصالية أحادية ما دام المركز القانوني للدولة قائما ولم يتم المساس به حتى لو كانت هذه الدولة ضعيفة

الانهيار الكامل للدولة هو هدف التيار المتعصب داخل المجلس الانتقالي في الجنوب وجماعة الحوثي أيضا في الشمال، لكن الفقه الدولي يؤكد بأن انهيار الدول لا يقاس من خلال فقدان السيطرة الميدانية، ولا وجود الحكومة والرئاسة خارج البلاد، ولا تعدد مراكز القوى والمليشيات المسلحة على الأرض، ولا حتى ضعف الدولة في تقديم الخدمات

بل بثلاثة شروط مجتمعة وهي: زوال الحكومة والرئاسة بدون بديل معترف به وعدم وجود سفارات وبعثات دبلوماسية في دول العالم، وتفكك الشخصية القانونية للدولة، وكذلك توقف المجتمع الدولي عن التعامل مع الدولة ومؤسساتها

يمكن القول إن اليمن يعيش هذه الأيام واحدة من أسوأ المراحل المؤسسية والوظيفية، لكن لا يمكن للعالم أن يعتبره دولة منتهية كما تريد عصابة الحوثي وكذلك التيار المتشدد داخل الانتقالي لبناء كياناتهم الخاصة

وبناء على ذلك، يمكن القول دفع اليمن إلى مرحلة الانهيار الكامل من خلال الاستهداف الممنهج للشخصية القانونية الخاص بالدولة اليمنية، يشكل مأزقا طويل الأمد سيدفع ثمنه عامة الناس فقط في الشمال والجنوب والشرق والغرب، بل سيصنع فوضى عارمة في المنطقة

كما أن تحقق هذا السيناريو– في حال حدوثه لا سمح الله- سيفتح الباب أمام مطالب مماثلة في مناطق أخرى مثل حضرموت، باعتبار أن الدولة الأم (الجمهورية اليمنية) لم تعد قائمة فعليا وأصبحت مجرد أنقاض، وهذا ما يدركه أبناء حضرموت ولهذا وقفوا بكل صلابة ضد خطوات التيار المتشدد في المجلس الانتقالي وكان شعارهم، إما دولة أقاليم، أو لنا دولتنا الخاصة في حال انتهت الجمهورية اليمنية

!في نهاية القول، ما حدث خلال الأيام الماضية كان بهدف انهاء الدولة المسماة الجمهورية اليمنية، وخلق دويلات أخرى، لكن الموقف الشجاع والحاسم لرئيس المجلس القيادي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الدكتور رشاد العليمي، وإسناد أشقاء الصدق والوفاء في المملكة العربية السعودية، أفشلوا هذا المسار الكارثي