وثائق سرية أمريكية مفرج عنها: كيف غير اكتشاف النفط عام 1984 قواعد اللعبة الجيوسياسية في اليمن؟

منذ 8 أيام

تكشف وثيقة استخباراتية أمريكية، جرى تنقيحها والموافقة على نشرها، عن رؤية استباقية دقيقة صاغتها مديرية الاستخبارات في سي آي إيه منتصف الثمانينيات، حول التداعيات الجذرية لاكتشاف النفط في اليمن الشمالي، حيث رأت الوكالة حينها أن ظهور الذهب الأسود بالقرب من الحدود السعودية وجنوب اليمن سيمثل نقطة تحول جوهرية تتجاوز الاقتصاد لتطال السياسة الداخلية والعلاقات الإقليمية والدولية لصنعاء، معتبرة أن هذا الاكتشاف سينقل البلاد من حالة الارتهان المالي للمساعدات الخارجية إلى مرحلة الاستقلال السياسي وبناء الدولة المركزية القوية

وتشير المذكرة التحليلية التي أعدها مكتب تحليل الشرق الأدنى وجنوب آسيا إلى أن حجم الاحتياطيات المكتشفة آنذاك كان من المتوقع أن يضاهي حقول جنوب سلطنة عمان، مما يمنح صنعاء القدرة على إنتاج نحو مائة وعشرين ألف برميل يومياً، وهو ما اعتبره المحللون الأمريكيون نعمة كبرى لليمن الشمالي رغم ضآلة تأثيرها على السوق العالمية، إذ كان من شأن هذه العوائد أن تعزز قبضة الرئيس علي عبد الله صالح، وتدفع بجيل من التكنوقراط المتعلمين في الغرب إلى واجهة الحكم، مقابل تراجع النفوذ التقليدي للقبائل التي لطالما كانت رقماً صعباً في المعادلة السياسية اليمنية

وعلى الصعيد الإقليمي، توقع التقدير الاستخباري حدوث توتر صامت مع المملكة العربية السعودية، حيث تنبأ المحللون بأن الرياض قد تشعر بالقلق من وجود يمن مستقل مالياً وقوي عسكرياً، مما قد يدفعها لاستخدام أوراق ضغط مختلفة تشمل زيادة الدعم لزعماء القبائل أو المطالبة بحسم ملف ترسيم الحدود قبل تعاظم القوة الاقتصادية لصنعاء

وفي المقابل، رأت الوثيقة أن النفط قد يكون جسراً لتقارب حذر بين شطري اليمن، حيث كانت عدن تطمح حينها لاستغلال مصفاتها ومينائها لتصدير نفط الشمال، بينما كانت صنعاء تتوجس من رهن صادراتها لحسن نوايا الجنوبيين، في ظل بيئة جيولوجية واعدة تشير إلى وجود ثروات مماثلة في مناطق التماس بين الشطرين

أما في ميزان القوى الدولية، فقد اعتبرت الاستخبارات الأمريكية أن هذا الاكتشاف يمثل فرصة ذهبية لواشنطن لبناء علاقة مباشرة مع اليمن بعيداً عن الوساطة أو الضغوط السعودية، خاصة في ملف التسلح والصيانة

وحذرت الوثيقة من أن أي تردد أمريكي في احتواء الطموح اليمني الجديد سيدفع صنعاء قسراً نحو الارتماء في أحضان الاتحاد السوفيتي، الذي كان يمتلك بالفعل مئات المستشارين العسكريين هناك، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي أولتها الولايات المتحدة لليمن كصمام أمان لأمن البحر الأحمر والجزيرة العربية في ذروة الحرب الباردة

واختتمت الوثيقة باستعراض الحالة الاقتصادية الصعبة التي سبقت عصر النفط، حيث كان اليمن الشمالي يعاني من اختلال تجاري حاد وانكماش في احتياطيات النقد الأجنبي التي تراجعت من مليار ونصف المليار دولار لتصل إلى مستويات حرجة لا تغطي سوى أشهر قليلة من الواردات، وهو ما يفسر لماذا اعتبرت سي آي إيه أن اكتشاف شركة هنت الأمريكية للنفط في مأرب لم يكن مجرد حدث اقتصادي، بل كان عملية إعادة صياغة كاملة لمستقبل البلاد وموقعها في الخارطة السياسية للشرق الأوسط