وجه في الأحداث.. أماني باخريبة المناضلة الحضرمية التي كشفت زيف شعارات الغزاة منذ الخطوة الأولى
منذ 5 ساعات
لم تبدأ حكاية الباحثة السياسية والإعلامية اليمنية أماني خليل باخريبة من شاشة تلفزيون، ولا من بيان تهديد تلقته بسبب إيمانها المطلق بقضية حضرموت، بل من سؤال بسيط قالته باكرًا، بصوت مسموع، لماذا تُقاد حضرموت إلى معركة لا تشبهها؟ وهل كتب عليها الوصاية ممن لا يحق لهم ذلك؟في تلك المسافة الدقيقة بين الصوت والوصاية، ظهرت باخريبة، لا بوصفها إعلامية تبحث عن مساحة، ولا سياسية تبحث عن مناورة دبلوماسية، بل بوصفها مواطنة حضرمية مناضلة قرأت ما يُحضَّر مبكرًا، وقررت أن تقول لغزاة الساحل والوادي لا، قبل أن تُفرض الإجابة بالقوة
كان المشهد واضحًا لديها، وليس كما اعتقد البعض حين تكررت مفردات غزو المجلس الانتقالي لمحافظتي حضرموت والمهرة مفردات ببرود، تحت أغطية عدة، انتشار، تمكين، استجابة، وهي مصطلحات تبدو عادية، لكنها في ذهن أماني كانت تحمل رائحة مشروع غزو ودمار وموت لا يشبه حضرموت، فقالت ذلك علنًا، ولم تنتظر الإجماع، ولم تراهن على السلامة
تنحدر أماني باخريبة من مديرية دوعن بمحافظة حضرموت وتسكن أسرتها مدينة المكلا عاصمة المحافظة، وهي تحمل بكالوريوس إعلام، إلى جانب تكوين أكاديمي متقدم في العلوم السياسية، فقد اختارت أن تجعل من قضايا الدولة والمجتمع، ولا سيما المرأة اليمنية، محورًا لبحثها العلمي، فكانت رسالة الماجستير الخاصة بها حول تمكين المرأة اليمنية في السلك الدبلوماسي، فيما تعمل حاليًا على رسالة الدكتوراه، في مسار علمي يعكس وعيًا مبكرًا بدور المعرفة في معركة الوعي العام
باخريبة بدأت عملها مراسلة لعدد من القنوات الفضائية اليمنية منذ عام 2014، في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ اليمن الحديث، واستمرت حتى عام 2018 حين التحقت ببرنامج الماجستير، وخلال تلك السنوات، لم يكن حضورها الإعلامي مجرد نقل للحدث، بل كان مشبعًا برؤية حقوقية واضحة، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة، التي ظلت تدافع عنها بإصرار واتساق
لم تكن قضية حضرموت هي الشغل الشاغل، فقد أفردت مساحة كبيرة في كتابتها لتسليط الضوء على جرائم مليشيا الحوثي في المناطق التي تسيطر عليها بحق المواطنين، ناشطة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر المنشورات النصية أو من خلال المساحات الصوتية
في يناير 2024، وبعد انتهت من تمهيدي الدكتوراة، وتفرغها لإعداد أطروحة الدكتوراة في العلوم السياسية، انضمت أماني باخريبة إلى قناة عدن الفضائية الحكومية، لتكون جزءًا من طاقمها الإعلامي، واضعة خبرتها وموقفها في خدمة خطاب وطني يفترض به مواجهة الانقلاب الحوثي ومشاريع التفكيك
كانت باخريبة من طلائع الجيل الجديد بالمطالب بوضوح عن حق حضرموت في الحكم الذاتي بوصفه تعبيرًا سياسيًا مشروعًا عن إرادة أبنائها، لا مشروع تفكيك ولا أداة صراع، مؤكدة أن هذا الحق لا يتناقض مع الدولة، ولا يعني التخلي عن الوحدة اليمنية، بل يحميها من المليشيات ويصون وحدة القرار عبر إدارة عادلة تعكس خصوصية حضرموت وتاريخها وحق أهلها في الشراكة الحقيقية لا التبعية
وفي مايو 2025 اختيرت أماني باخريبة ضمن فريق مختص مكون من 9 أشخاص لإعداد الوثائق الأساسية اللازمة لتحقيق، وتأطير، وتنفيذ مشروع الحكم الذاتي في المحافظة، بعد أن تعرضت المحافظة التي عرفت باستقرارها الأمني لضغوط الاستقطاب السياسي والعسكري في سياق التنافس الإقليمي والمحلي للسيطرة على مناطق النفوذ
ومن المفارقات اللافتة أنها حين التحقت بالقناة التي ما تزال تطل عبر شاشتها حتى اليوم مذيعةً للأخبار ومقدمةً للبرامج، كانت تتطلع إلى راتب يعينها على الوفاء بالتزامات المعيشة واستكمال متطلبات رسالة الدكتوراه، غير أنها بقيت تعمل بلا مقابل، مقابل وعود مؤجلة لم تتحقق، ومع ذلك واصلت أداءها، مدفوعة بقناعة راسخة بأن المعركة أوسع من عقد وظيفي، وأن الكلمة حين تُقال في وقتها الصحيح تتجاوز كل الامتيازات المؤقتة
في أواخر نوفمبر 2025، ومع بدء تحضيرات المجلس الانتقالي الجنوبي لما سُمّي الانتشار في حضرموت، كانت أماني باخريبة من أوائل الأصوات التي حذرت علنًا من هذا المشروع، ووصفت نتائجه المتوقعة على السلم الاجتماعي والاستقرار المحلي
لم تنتظر اكتمال المشهد، بل واجهت منذ اللحظة الأولى مشروع الغزو والتوسع، وربطته بمآلات الفوضى وتفكيك النسيج الحضرمي
هذا الموقف الواضح وضعها مباشرة في دائرة الاستهداف
تلقت تهديدات صريحة بالتصفية الجسدية، ولم تقف عند حدودها الشخصية، بل امتدت إلى أسرتها في مدينة المكلا، في سلوك يكشف عقلية لا تحتمل صوتًا خارج سرديتها، ومع تصاعد خطورة تلك التهديدات، أصدرت نقابة الصحفيين اليمنيين بيانًا شديد اللهجة، حمّلت فيه المجلس الانتقالي المسؤولية الكاملة عن أي أذى قد يلحق بها
ورغم تكرار التهديدات الصادرة عن قيادات وأنصار في المجلس الانتقالي، ووصولها إلى مستوى استهداف الأسرة بشكل مباشر، لم تتراجع أماني باخريبة، وبقيت حاضرة في المشهد الإعلامي، مدافعة عن قضية حضرموت، ومواجهة لمحاولات تسويق الغزو بوصفه مطلبًا شعبيًا، مؤكدة أن حماية المحافظة لا تكون بعسكرة أبنائها، ولا بزجّها في صراعات لا تخدم أهلها ولا استقرارها
لم يتوقف الاستهداف عند التهديد، ففي مطلع ديسمبر 2025، وبسبب مواقفها المدافعة عن حضرموت، وجّه نائب وزير الإعلام المنضوي في المجلس الانتقالي صالح العاقل بإيقافها عن العمل، وتم إيقافها لعدة أيام، وطُلب منها صراحة حذف كل ما كتبته دفاعًا عن حضرموت
ورغم عودتها إلى العمل، عادت التوجيهات مرة أخرى بإيقافها، بعد أن ظهرت في عدد من القنوات العربية والدولية لتوضيح حقيقة ما يجري، وتحولها إلى صوت قوي ومعبر عن الرفض الحضرمي
المفارقة الصادمة أن هذا الإيقاف طال عملًا بدأته منذ 2024 دون أن تتقاضى عنه أي راتب، رغم أن القناة حكومية
ومع ذلك واصلت أماني باخريبة طريقها، مدفوعة بقناعة راسخة بأن الكلمة الصادقة جزء من معركة استعادة الدولة، وبأن الحقوق لا تنفصل عن الواجب الوطني، وبإيمان لا يتزعزع بأن الوعود المؤجلة ستتحقق يومًا ما، تمامًا كما تؤمن بأن اليمن سيتحرر من مليشيا الحوثي، كما تحررت حضرموت من قوات الانتقالي
اليوم، تُعد أماني باخريبة واحدة من أبرز الأصوات الحضرمية الحرة، صوتًا يؤمن بأن الحقيقة حين تُقال مبكرًا قد تُحاصر، لكنها لا تُهزم
ولم يكن دفاعها عن حضرموت موقفًا عابرًا أو رد فعل ظرفيًا، بل خيارًا واعيًا يستند إلى قناعة بحق أبناء المحافظة في تقرير شؤونهم بأنفسهم، وفي إدارة أرضهم وثرواتهم ومؤسساتهم بعيدًا عن الوصاية أو الفرض بالقوة
وفي زمن اختلطت فيه الشعارات بالبندقية، وتحولت فيه بعض المنابر إلى أدوات تبرير، اختارت باخريبة أن تكون شاهدًا لا تابعًا، وأن تدفع ثمن الموقف بدل أن تتقاسم عوائد الصمت، لم تحمل سلاحًا، لكنها أربكت رواية كاملة وأسقطت زيفها منذ الخطوة الأولى، وما تزال تدافع عن حضرموت مؤمنة بقضيتها العادلة وحقها في الحكم الذاتي