يحيى الثلايا : مستشفى السلام السعودي في صعدة.. هل فعلًا تختلف الرياض عن غيرها؟!

منذ شهر

يحيى الثلايا قرأنا خلال الأيام الماضية أخبار توقف مرافق صحية وخدمية في عدد من المحافظات اليمنية كانت قد بنيت أو تم تشغيلها السنوات الأخيرة من قبل مؤسسات وجمعيات إماراتية

الخروج المفاجئ عن التشغيل والجاهزية لمرافق صحية ريفية أو محطات كهرباء، متعلق بالطبع بتداعيات الأزمة السياسية والأمنية التي نشبت منذ أسبوعين بين الجمهورية اليمنية والإمارات العربية المتحدة على خلفية انحراف دورها في تحالف استعادة الدولة

مهما يمكن قوله حول أن هذه مشاريع خدمية تمول وتدار من جهات غير حكومية ولا سياسية بل تصنف نفسها إنسانية محايدة كالهلال الأحمر وغيره، لكنني شخصيا لا استطيع لوم المغادرة أو تأييد طلب البقاء، دعوهم يرحلون (بمحض إرادتهم) مثلما كانت بداية دخولهم (بمحض إرادتنا)

لكنني تذكرت قصة قديمة، حين قرأت اليوم تصريحًا رسميًا لوزارة الكهرباء- التي بالمناسبة وزيرها ينتمي للانتقالي وتعين بضغط من الإمارات ذاتها- يكشف أن محطتي الطاقة الشمسية في عدن وشبوة خرجت كليًا عن الخدمة وتم إيقافها من أبو ظبي بتقنية التحكم عن بعد، دون أي تنسيق أو بلاغ للجهات الرسمية المعنية

في العام 1982م شهدت مدينة صعدة افتتاح مستشفى السلام بمدينة صعدة، كأكبر مشروع تنموي وإنساني وخدمي في مدينة ومحافظة صعدة والمحافظات المجاورة، مستشفى متكامل التخصصات وطاقة استيعابية عالية تم تمويله من قبل حكومة المملكة العربية السعودية آنذاك

رغم مرور 44 عام على تشغيل المستشفى، لا زال أبناء محافظة صعدة وما جاوراها في محافظات حجة والجوف وعمران يعرفون جيدًا أن هذا المشروع لا زال أكبر مرفق صحي حكومي وغير حكومي

مرت العلاقة بين اليمن والمملكة بحالات مختلفة من فتور وتماسك

مما يتذكره أبناء صعدة اليوم بسخرية وتندر واسع، عقب تحقيق الوحدة اليمنية واحتلال الكويت وفي ذروة النشوة الإمامية اليسارية، تم تنظيم مظاهرات شعبية في مدينة صعدة بعضها رفعت شعارات تطالب بإزالة مستشفى السلام السعودي لأنه بني على أرض تحتها ثروة نفطية واسعة بغرض حرمان الشعب منها أو استغلاله، بعض هذه المظاهرات تقدمها وصاغ شعاراتها البرلماني الراحل عبدالكريم جدبان

أزمة الخليج، ثم أزمة حرب 1994م ثم أزمة الحدود اليمنية السعودية التي ظلت حتى عام 2000م، وما رافقها من فتور علاقات وتوترات بين البلدين، وصولا إلى سيطرة جماعة الحوثي عام 2011 على مدينة صعدة ثم اندلاع الحرب الشاملة في 2015 عقب الانقلاب الذي قادته الميليشيا انطلاقًا من صعدة واجتاحت البلاد، كل هذه الأحداث العاصفة والتوترات المسمومة ظل مستشفى السلام بصعدة حتى اللحظة يعمل بكامل طاقته الاستيعابية والسريرية والتشغيلية يقدم الانقاذ والتشخيص والعلاج والدواء المجاني الكامل بتمويل من حكومة المملكة العربية السعودية ويدار بكوادر محلية وأجنبية من أفضل الكوادر الطبية العاملة في اليمن!

نعم

رغم 16 عامًا منذ أصبحت مدينة صعدة بيد جماعة الحوثي، و11 عاما كاملة منذ اغلقت السفارة السعودية أبوابها في صنعاء واقتحمتها عناصر الانقلاب السلالي، لا زال مستشفى السلام بمدينة صعدة يقدم خدماته ورعايته المجانية كاملة لكل من قصدوه بدون تمييز

لا اعتقد أن في اليمن مستشفى متكامل يقدم (مجانًا) للمرضى طيلة عقود كل خدماته حتى الدواء المجاني، غير مستشفى السلام بصعدة إلا مستشفى آخر هو المستشفى السعودي بمدينة حجة، وهذا الأخير أيضًا هو مستشفى أنشأته المملكة ويعمل بذات الطريقة منذ عام 1997م حتى اللحظة!

وحين اتجهت العصابة الانقلابية الإجرامية في صنعاء لانتهاك الأعراف والقواعد الدبلوماسية باستهداف سفارة المملكة والعبث بمبناها المغلق ورسمت صورًا وعبارات سوقية على أسواره تتضمن إساءات للمملكة وقيادتها، فإن كل الناس المارة من أمام المبنى يتبادلون بينهم نظرات الاحتقار للعصابة وسلوكياتها، ويذكرون بعضهم أن هذه الميلشيا تركت خلفها في مدينة صعدة مستشفى سعوديًا هو الأضخم والاكفأ والأوفى، عاجزة عن توفير مثله لمن تحكمهم وتنهب ثرواتهم، بل يدركون أنها أعجز حتى من تشغيله وتوفير متطلباته الذي لا زال يقدمها من تسميه بالعدوان!

هنا يتجلى الفرق بين الكبير جيرة ونفسًا وتاريخًا وأهدافًا، وبين العصابات الانتهازية محلية أو وافدة، وتتضح المسافة الشاسعة بين من طموحه الاستثمار في الأمن والتعايش والسلام والاستقرار، وبين الطارئين الذين أفرزتهم صدف أزمنة الفراغ وشوائب التفكير القاصر كأدوات أجيرة أو مشاريع أجندة عابثة، وبالتأكيد فمن يحقق الربح المستدام والمكاسب الحقيقية هو صاحب الهدف الأكبر بما فيها المكاسب المادية والاقتصادية

حتى وإن تحققت للصغار عوائد مادية ومكاسب تكتيكية مؤقتة لا تلبث أن تزول، الصغير لا يستطيع تجاوز عقدته